لم يكن أحمد أسامة، مزارع القمح بمحافظة الأقصر، ينتظر زيادة سعر توريد الأردب من 2500 إلى 2650 جنيهًا باعتبارها مجرد رقم جديد تعلنه الحكومة، بل كان ينتظر سعرًا يعوضه عن تكاليف موسم زراعي كامل، لكن الزيادة التي بلغت 150 جنيهًا لم تكن، بحسب تقديره، كافية لمواجهة الارتفاع في مستلزمات الإنتاج، أو لضمان أن يسترد ما أنفقه على زراعة محصوله.
من حسابات الأرض وتكاليف الزراعة إلى انتظار الحصاد والتوريد، يجد أحمد أسامة نفسه أمام معادلة صعبة؛ فكل زيادة في تكلفة الإنتاج تخصم من العائد الذي ينتظره، بينما لا تتحرك أسعار التوريد بالقدر نفسه.
وهكذا لم تنهِ الزيادة الحكومية مخاوفه، بل أعادت السؤال الذي يشغل مزارعي القمح: هل يحقق المحصول عائدًا يستحق كل هذه الأعباء؟
ولا تتوقف الأزمة عند تجربة أحمد أسامة؛ إذ تتكرر الشكوى بين مزارعين في محافظات أخرى، وسط مطالبات برفع سعر الأردب إلى 3000 جنيه على الأقل، ومخاوف من أن تدفع فجوة التكلفة والعائد بعضهم إلى البحث عن محاصيل بديلة
زيادة لا تعوض التكلفة
وتتكرر الشكوى لدى كريم غانم، الذي يربط العائد من زراعة القمح بارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وما تفرضه من أعباء إضافية على المزارعين، فيما يضع مبروك حسين الأزمة ضمن معاناة الفلاحين مع ارتفاع تكلفة الزراعة.
وتكشف صباح عزيز، من محافظة المنيا، جانبًا من هذه الحسابات، إذ تشير إلى أن تكلفة زراعة الفدان تتراوح بين 40 و50 ألف جنيه، من بينها نحو 20 ألف جنيه لإيجار الأرض، وهو ما يضع المزارع أمام أعباء كبيرة قبل أن يبدأ حساب العائد الذي سيحصل عليه بعد الحصاد والتوريد.
وقدر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة والخبير في الغذاء والحبوب، تكلفة زراعة الفدان بـ 25 ألف جنيه، مع متوسط إنتاج يصل إلى 20 أردبًا، يُباع منها فعليًا نحو 15 أردبًا، إلى جانب عائد بيع التبن.
محاصيل بديلة
ومع اتساع الفجوة بين تكلفة الزراعة والعائد المنتظر، لم تعد مخاوف المزارعين مقتصرة على تراجع الأرباح، بل امتدت إلى التفكير في تغيير المحاصيل التي يزرعونها بحثًا عن عائد أفضل.
ويبرز خلف متولي بين المزارعين الذين تحدثوا عن الاتجاه إلى محاصيل بديلة، مثل الزعتر والبردقوش، في ظل الضغوط التي تفرضها تكلفة زراعة القمح.
ويرتبط هذا الاتجاه، بحسب عماد حسين، رئيس نقابة الفلاحين السابق، بما يتحمله المزارع من تكاليف، وما يحتاج إليه لضمان عائد مناسب من المحصول.
لكن المخاوف الميدانية من تغيير المحاصيل تأتي في وقت تسعى فيه الدولة إلى توسيع المساحات المنزرعة بالقمح، فقد أعلن وزير الزراعة علاء فاروق وصول المساحة المزروعة خلال الموسم الحالي إلى نحو 3.7 مليون فدان، بزيادة تقارب 600 ألف فدان عن العام السابق.
وأشارت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، التي نقلها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، إلى وصول إنتاج مصر من القمح خلال 2026 إلى نحو 10.2 ملايين طن، مع زيادة المساحة المزروعة إلى 3.76 مليون فدان.
معركة الـ 3000 جنيه
وفي مواجهة هذه الأعباء، تتصاعد مطالب ممثلي الفلاحين برفع سعر التوريد إلى مستوى يتناسب مع تكلفة الإنتاج، إذ طالب حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، برفع سعر أردب القمح إلى 3000 جنيه، معتبرًا أن السعر المعلن يحتاج إلى مراجعة في ضوء الأعباء التي يتحملها المزارعون.
ويتفق محمد فرج، رئيس الاتحاد العام للفلاحين، مع ضرورة وصول السعر العادل إلى 3000 جنيه للأردب على الأقل، مع مراعاة أي زيادات جديدة قد تطرأ على أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج.
ولا تتوقف المطالب عند زيادة سعر التوريد، إذ يرى فرج أن تخفيف الأعباء يتطلب أيضًا توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار أقل، بما يساعد المزارعين على مواجهة ارتفاع تكاليف الزراعة ويضمن لهم عائدًا مناسبًا.
حسابات السوق وسعر الدولار
لكن معركة السعر لا تتوقف عند حسابات الفلاح وحده؛ فالسوق العالمية وسعر صرف الدولار يفرضان بدورهما حسابات مختلفة على تكلفة القمح المحلي والمستورد.
ويوضح هشام سليمان، المدير العام لشركة «ميدتيرانيان تريدنج»، أن سعر الأردب السابق، البالغ 2500 جنيه، كان يعادل نحو 16.5 ألف جنيه للطن، أو قرابة 320 دولارًا عند سعر صرف يبلغ 47 جنيهًا للدولار.
أما السعر الجديد، فيعادل نحو 315 دولارًا للطن عند احتساب الدولار بسعر 55.5 جنيه، في حين يبلغ سعر القمح العالمي نحو 325 دولارًا للطن، وفق الأرقام التي أوردها.
لماذا 2650 جنيهًا؟
في المقابل، تربط الحكومة زيادة سعر التوريد بهدف تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن في 25 أكتوبر 2026 رفع سعر توريد أردب القمح من 2500 إلى 2650 جنيهًا للموسم المقبل، في خطوة تستهدف تحسين العائد الاقتصادي للمزارعين وتحفيزهم على زيادة المساحات المزروعة.
وأعلن وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق أن كميات القمح المحلي التي جرى توريدها خلال عام 2026 بلغت 5 ملايين طن، بزيادة 17% مقارنة بنحو 4 ملايين طن في عام 2025، فيما تستهدف الوزارة زيادة الكميات الموردة بنسبة 20% سنويًا، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح المستخدم في إنتاج الخبز المدعم بحلول عام 2030.
وكانت الحكومة قد دفعت، عند سعر توريد بلغ 2500 جنيه للأردب، ما يعادل نحو 310 دولارات للطن، مقارنة بتكلفة استيراد بلغت نحو 270 دولارًا، بحسب وزير التموين.
وعلى مستوى التوقعات، تشير تقديرات مكتب الخدمة الزراعية الخارجية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية إلى توقع تراجع واردات مصر من القمح خلال موسم 2026/2027 إلى نحو 12 مليون طن، مقابل 15.5 مليون طن في الموسم السابق، مع ارتفاع الإنتاج المحلي إلى نحو 10 ملايين طن.
مطالب سعر عادل
وفي مجلس النواب، يطالب النائب فريد واصل، عضو لجنة الزراعة، بالإعلان المبكر عن سعر توريد القمح، بما يساعد المزارعين على تحديد قراراتهم بشأن المساحات التي سيزرعونها.
وقال، إنه تقدم بطلب إحاطة بشأن ضرورة الإعلان عن السعر قبل بدء الموسم، مع تحديد سعر عادل لا يقل عن 3000 جنيه للأردب.
ويستند واصل في مطالبته إلى متوسط إنتاجية الفدان، التي تبلغ نحو 3 أطنان، موضحًا أن سعر الطن خلال الموسم الماضي بلغ قرابة 16.6 ألف جنيه، بما يرفع إجمالي العائد إلى نحو 49.8 ألف جنيه للفدان، وباحتساب سعر الأردب عند 3000 جنيه، يرتفع سعر الطن إلى نحو 20.1 ألف جنيه، وفق حساباته.
ويرى واصل أن زيادة قدرها 500 جنيه في سعر الأردب قد تحقق توازنًا بين مصلحة المزارع وتكلفة تدبير القمح للدولة، فيما تقترب تقديراته للسعر العادل من 3500 جنيه للأردب.
وفي اتجاه مماثل، تقدم النائب رأفت التمراز، عضو لجنة الزراعة، بطلب إلى وزيري التموين والزراعة لزيادة سعر توريد أردب القمح بنحو 500 إلى 1000 جنيه، مستندًا إلى ارتفاع تكاليف الزراعة.
ويشير تمراز إلى أن الإعلان المبكر عن سعر مناسب يمكن أن يشجع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة، لتقترب من 4 ملايين فدان.
وبين حسابات الحكومة ومطالب المزارعين، تبقى معركة الـ3000 جنيه أكبر من مجرد خلاف على سعر أردب؛ فهي اختبار لقدرة منظومة الزراعة والتوريد على تحقيق معادلة تجمع بين تأمين رغيف الخبز والحفاظ على الفلاح الذي يزرع القمح.