«بودي جاردات ولجان إلكترونية».. اقتصاد الدروس الخصوصية يلتهم دخل الأسر

لم تعد الدروس الخصوصية في مصر مجرد حصة إضافية، بل تحولت إلى اقتصاد متكامل له مدرسوه «النجوم»، وسناتره، ومنصاته، وحجوزاته الإلكترونية، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الاستعانة ببودي جاردات لتنظيم وتأمين الأعداد الكبيرة.

وبينما تقول وزارة التربية والتعليم إن «بيزنس السناتر» تراجع بأكثر من 50%، تكشف حركة السوق عن مجموعات ما زالت تكتمل، وأخرى تُفتح، وخدمات تنتقل من القاعة إلى الهاتف.

فهل تراجعت الدروس الخصوصية فعلًا، أم أن أموال الأسر انتقلت من السنتر إلى المدرس والمنصة والمراجعات والمذكرات؟

هدايا للطلاب

ولم يكتف بعض المدرسين بالإعلان عن موعد الحصة وسعرها؛ إذ أصبحت عملية جذب الطالب جزءًا من المنافسة نفسها، عبر الحصص التعريفية المجانية، والمسابقات، والهدايا، والمحتوى المصور، والإعلان عن «اكتمال العدد» وفتح مجموعات جديدة.

ورصدت «أحوال مصرية» إعلان سنتر برفكت VIP بالمهندسين اكتمال مجموعتين للكيمياء، ثم فتح مجموعة ثالثة «بسبب الإقبال»، وفتح مجموعة جديدة للغة الإنجليزية بعد اكتمال المجموعة الأولى.

وتدور المنافسة بين السناتر حول كيفية جذب الطلاب والاحتفاظ بهم، عبر تقديم كورسات تأسيسية مجانية وحصصًا تجريبية لجذب الطلاب قبل بداية الدراسة.

وتستخدم بعض السناتر لغة أقرب إلى التسويق التجاري المباشر: «الأماكن محدودة»، «أولوية بأسبقية الحجز»، و«الحجز يغلق عند اكتمال العدد».

وفي ألفا شبرا، ظهر خلال 2026 نظام حجز إلكتروني للمجموعات، مع إغلاق نموذج التسجيل عند اكتمال الطاقة الاستيعابية، بينما استخدم سنتر مكة نظامًا مشابهًا وربط الحجز بعدد محدد من الطلاب، وفي بعض الحالات جمع بين الدراسة داخل السنتر والمحتوى الأونلاين.

حرب إلكترونية

تحدث عبدالله الشهاوي، أحد المدرسين، في لقاء تلفزيوني عن تعرضه لمنافسة وصفها بغير العادلة، مشيرًا إلى استخدام حسابات وأرقام وهمية ولجان إلكترونية للتأثير على المدرسين ومحتواهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال الشهاوي إن المراجعة المجانية التي قدمها عبر الإنترنت تعرضت للاستهداف، في وقت أصبحت فيه صفحات المدرسين ومجموعاتهم الإلكترونية واحدة من أدوات الوصول إلى الطلاب.

ويشرح أحمد خالد، المتخصص في مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحسابات الوهمية والتفاعل المصطنع يمكن أن يؤثرا في النقاشات والتعليقات والتقييمات داخل المجموعات الطلابية، بما يسمح بتوجيه الصورة التي تتكون لدى الطلاب وأولياء الأمور عن المدرس.

بودي جاردات

ومع وصول بعض المدرسين إلى جماهيرية كبيرة وأعداد مرتفعة من الطلاب، لا تتوقف عملية التنظيم عند الحجز والمقاعد، فقد شهدت سوق الدروس في السنوات الأخيرة وقائع استعان فيها مدرسون أو منظمو فعاليات تعليمية بأفراد أمن وبودي جاردات لتنظيم دخول وخروج الطلاب والتعامل مع الحشود، وهو ما أظهرته مقاطع فيديو متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتكشف هذه المقاطع التي اطلعت «أحوال مصرية» عليها جانبًا من اقتصاد «المدرس النجم»، الذي كلما اتسعت قاعدة جمهوره، ظهرت حول الحصة خدمات وتكاليف إضافية تتعلق بالحجز والتنظيم والحماية وإدارة الأعداد.

من قاعة لشركة

وتتبعت «أحوال مصرية» قيام بعض نماذج رقمية حديثة لإدارة السناتر بجمع عدد من المدرسين والمواد والمراحل الدراسية، وإضافة الجداول والحضور والاختبارات والمتابعة والتواصل مع أولياء الأمور والمدفوعات.

وتظهر تطبيقات أخرى نموذجًا أكثر وضوحًا، يسمح بإدارة الحصص والملفات والطلاب وبيع الأكواد والمحتوى الرقمي، بحيث يستطيع الطالب الحصول على الدرس والمذكرة عبر الهاتف دون الاعتماد الكامل على القاعة.

ومع هذا النموذج، يصبح السنتر أو المدرس قادرًا على بيع الخدمة التعليمية في أكثر من قناة، مقعد داخل المجموعة، أو محتوى رقمي، أو مذكرة، أو اختبار.

كم يدفع الطالب؟

ووفقًا لأحمد الجندي، صاحب سنتر ومدرس لمادة الكيمياء، فإن أسعار الدروس تختلف وفقًا لطبيعة المجموعة وحجمها، إلى جانب الدروس الخاصة والمنصات الرقمية.

وتتراوح حصة المجموعة الكبيرة في المرحلة الابتدائية بين 50 و80 جنيهًا، والمجموعة الصغيرة بين 100 و150 جنيهًا، بينما يصل الدرس الفردي إلى 200–300 جنيه، وفي الإعدادية ترتفع حصة المجموعة الكبيرة إلى 80–120 جنيهًا، والصغيرة إلى 150–250 جنيهًا، والدرس الفردي إلى 300–450 جنيهًا، بحسب الجندي.

أما في المرحلة الثانوية، فيضع المصدر نفسه نطاق حصة المجموعة الكبيرة في صفوف النقل عند 120–180 جنيهًا، والصغيرة عند 250–350 جنيهًا، والدرس الفردي عند 400–600 جنيه. وفي الصف الثالث الثانوي ترتفع النطاقات التي ذكرها المصدر إلى 150–350 جنيهًا للمجموعة الكبيرة، و400–700 جنيه للمجموعة الصغيرة، و800–1500 جنيه أو أكثر للدرس الفردي.

وتتغير الأسعار بحسب شكل المجموعة وطبيعة الدرس، لكن فاتورة الأسرة لا تتوقف عند سعر الحصة.

ولا تنتهي الفاتورة عند سعر الحصة؛ إذ توجد رسوم أخرى مرتبطة بالمذكرات والاختبارات والمواصلات والخدمات المصاحبة.

وفي أحد النماذج الحالية التي وثقتها «أحوال مصرية» عليه في سوهاج، أعلن مركز تعليمي عن كورس فرنسي من ست حصص مقابل 250 جنيهًا، إضافة إلى 25 جنيهًا للمذكرة، بما يعكس وجود بنود إنفاق منفصلة عن سعر الحصة الأساسية.

وفي مسار آخر، تسمح منصات الحجز الفردي للطالب بالتعامل مباشرة مع المدرس وشراء حصص أو باقات تعليمية، وهو ما يوسع السوق خارج السنتر التقليدي، وبدلًا من أن يكون السنتر هو الوسيط الوحيد بين الطالب والمدرس، يمكن أن تنتقل عملية البيع إلى منصة رقمية أو إلى المدرس نفسه.

ثلث دخل الأسرة

تكشف حالات أسر رصدتها إحدى وسائل الإعلام المحلية عن الضغط المالي الذي يمكن أن تسببه الدروس، ففي إحدى الحالات، يبلغ دخل الأسرة 10 آلاف جنيه شهريًا، بينما وصلت تكلفة دروس الابنين إلى 2600 جنيه، ومع إضافة المذكرات والمواصلات ارتفعت الفاتورة إلى نحو 3500 جنيه شهريًا، أي ما يعادل 35% من دخل الأسرة.

وفي حالة أخرى، يبلغ دخل الأسرة 18 ألف جنيه، بينما تصل فاتورة الدروس ومستلزماتها لأبنائها الثلاثة إلى نحو 4 آلاف جنيه شهريًا، بما يعادل أكثر من خمس دخل الأسرة. وهذه الحالات لا تمثل مسحًا لجميع الأسر المصرية، لكنها تكشف حجم الفاتورة عندما تتعدد الأبناء والمراحل والمواد.

وعلى مستوى السوق ككل، تقدر Fast Company Middle East حجم إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية بحوالي 780 مليون دولار في 2024، مع توقع وصوله إلى 931 مليون دولار في 2026. وهذه أرقام تقديرية سوقية وليست إحصاءً حكوميًا رسميًا، ولذلك لا يمكن استخدامها وحدها لقياس الحجم الحقيقي للسوق، لكنها تعطي مؤشرًا على القيمة الاقتصادية التي تُنسب إلى الدروس الخصوصية.

خريطة واسعة

لا توجد في المصادر المفتوحة التي رصدها التحقيق قاعدة حكومية شاملة توضح العدد الإجمالي للسناتر العاملة في مصر، لكن الأدلة التجارية التي رصدها «أحوال مصرية» تعكس انتشارًا جغرافيًا واسعًا؛ إذ يعرض دليل يلوبيدجز 123 نتيجة تحت تصنيف «سنتر تعليمي»، بينها 64 في الجيزة و49 في القاهرة و5 في الإسكندرية و5 في القليوبية.

وتظهر في الدليل أسماء سناتر ومناطق متعددة في إمبابة والمرج وأرض اللواء وصفط اللبن والهرم والمعادي وعين شمس وغيرها.

وتدعم منشورات النشاط الحالية الصورة الأوسع؛ إذ تظهر خلال 2026 سناتر نشطة في القاهرة والجيزة والإسكندرية والدقهلية وسوهاج والقليوبية والمنوفية وغيرها، تقدم مواد ومراحل مختلفة، وبعضها يجمع بين التعليم الحضوري والرقمي.

غلق السناتر

ورصدت «أحوال مصرية» إغلاق وتشميع 119 سنترًا ومركزًا للدروس الخصوصية على الأقل خلال عامي 2025 و2026، تصدرتها الإسماعيلية بإجمالي 62 مركزًا، بواقع 33 مركزًا خلال 2025 و29 مركزًا في 2026، تلتها الإسكندرية بإجمالي 46 مركزًا، منها 33 في 2025 و13 في 2026.

وشملت الحصيلة أيضًا إغلاق 4 مراكز في السويس و3 مراكز في الجيزة خلال 2025، إلى جانب مركز واحد في القاهرة و3 مراكز في الدقهلية خلال 2026.

البيزنس يتراجع

في مايو 2026، قال وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف إن انتظام الطلاب في المدارس أثر سلبًا على «بيزنس مراكز الدروس الخصوصية» بأكثر من 50%، وربط ذلك بزيادة الحضور المدرسي وتنظيم مجموعات التقوية داخل المدارس.

وكان الوزير قد تحدث في ديسمبر 2025 عن انخفاض «بيزنس السناتر» بنسبة 60%، وربط التراجع بعودة الثقة في المدرسة وتطوير المناهج.

لماذا تدفع الأسر؟

يربط الخبير التربوي حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، مواجهة الدروس الخصوصية بتطوير العملية التعليمية نفسها، وتحسين تمويل المدرسة، وتوفير المعلمين، وخفض كثافات الفصول، واستخدام التكنولوجيا، معتبرًا أن السناتر والدروس والكتب الخارجية ترتبط بثقافة الحفظ أكثر من التفكير.

وفي يوليو 2026، تقدم النائب أشرف أمين بطلب إحاطة بشأن ارتفاع أسعار الدروس والسناتر وما تمثله من عبء على ملايين الأسر، بينما شهدت الأشهر التالية تحركات برلمانية تطالب بخطة واضحة لتنظيم المراكز وضبط الرسوم ومعايير السلامة والجودة.

البكالوريا في مواجهة السناتر

في أغسطس 2026، قالت وزارة التربية والتعليم إن أحد أهداف نظام البكالوريا المصرية هو القضاء على الدروس الخصوصية، بالتوازي مع تطوير مجموعات التقوية وتوفير بدائل تعليمية داخل المدرسة.

وتكشف خريطة النشاط الرقمي وحجوزات المجموعات عن أن نشاط السناتر يواجه ضغطًا رسميًا ورقابيًا، بينما لا تزال مؤشرات متعددة على مستوى السوق تظهر وجود طلب وحجوزات ومجموعات جديدة وخدمات تعليمية مدفوعة، فالسؤال لم يعد فقط: هل اختفت الدروس الخصوصية؟، بل: أين ذهبت أموالها؟

أضف تعليقك
شارك