الجمعيات الإلكترونية.. من الادخار إلى الديون وإيصالات الأمانة

على شاشة الهاتف تبدأ الحكاية بجمعية، وقسط شهري، وموعد محدد للحصول على المبلغ. تبدو الفكرة بسيطة، بديل رقمي للجمعية التقليدية، يتيح للمشترك تنظيم مدخراته والحصول على مبلغ كبير في موعد محدد، دون الحاجة إلى التعامل مع دائرة من الأصدقاء أو الأقارب.
لكن بالنسبة لبعض المستخدمين، لم تنته القصة عند موعد القبض، حسابات توقفت، ومستحقات تأخرت، وتطبيقات أُغلقت، وغرامات تأخير تراكمت، فيما يقول آخرون إنهم وقعوا إيصالات أمانة قبل الحصول على مستحقاتهم.
وتكشف شهادات عدد من المشتركين في منصات للجمعيات الإلكترونية عن جانب آخر من التجربة؛ فالأداة التي دخلوا إليها بهدف الادخار أو تدبير مبلغ محدد تحولت في بعض الحالات إلى أزمة مالية، بعدما تعثرت عمليات السداد أو تأخرت المستحقات أو توقفت المنصة عن العمل.

لحظة التعثر

اشترك محمد جمال في إحدى جمعيات «ماني فيللوز»، وكان من أوائل المشتركين في التطبيق، ويقول عبر موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، إن الاشتراك في الجمعية كان «سهلًا وبسيطًا»، وإنه التزم بسداد الأقساط، قبل أن يمر بظروف أدت إلى التأخر في السداد خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.
ويضيف أنه تقبل غرامات التأخير وسددها، وأن الجمعية انتهت بالكامل، لكنه فوجئ عند محاولته الاشتراك في جمعية جديدة بوقف حسابه.
وعند تواصله مع أحد ممثلي خدمة العملاء عبر المحادثة داخل التطبيق، انتهى الأمر إلى إبلاغه بأن المتاح أمامه هو «آخر دورين لتأخيراتك في الجمعية فقط».
وبذلك لم يتوقف أثر التأخير، بحسب روايته، عند الغرامات التي سددها، وإنما امتد إلى قدرته على الاشتراك في جمعيات جديدة.

أموال متأخرة

تروي سمر قطب عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك”، تجربة أخرى مع «ماني فيللوز»، وتصفها بأنها تجربة «ما تتمنهاش لأي حد».
دخلت سمر جمعيتين بعد تفعيل البرنامج مقابل رسوم بلغت 150 جنيهًا، إضافة إلى 150 جنيهًا لإصدار كارت خاص بها، بهدف تحويل المستحقات إليه باعتباره وسيلة «أضمن وأسرع».
وبحسب روايتها، كانت تسدد الأقساط قبل موعدها، وكانت تنتظر الحصول على مستحقاتها في يونيو، بعدما أبلغها التطبيق بأن التحويل سيجري خلال 3 إلى 5 أيام عمل اعتبارًا من 15 يونيو.
لكن الأموال لم تصل في الموعد المحدد، رغم تواصلها أكثر من مرة مع خدمة العملاء، وتأكيدهم لها أن التحويل تم.
وتتساءل سمر: «معقول ما عندهمش سيستم يبين رصيد الكارت والمعاملات اللي تمت عليه من سحب وإيداع؟»، موضحة أن الردود التي تلقتها لم تتضمن، بحسب قولها، إثباتًا بإضافة الأموال إلى رصيد الكارت.
وتقول إن التأخر في سداد الأقساط يقابله فرض غرامات تأخير، بينما رأت أن تأخر الشركة في تحويل مستحقاتها لم يخضع للمعاملة نفسها، مضيفة: «لما يبقى في تأخير من ناحيتهم ده عادي ومفروض إني أنتظر».
كما تنتقد سمر تقييم التطبيق على «PLAY STORE »، وتقول إن خدمة العملاء لم تكن تملك صلاحيات كافية لحل مشكلتها، وتختصر تجربتها بالقول: «تطبيق سيئ جدًا ولا أنصح به».
وتروي ريهام محمد عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” تجربة شقيقتها مع التطبيق، قائلة إن شقيقتها كانت مشتركة في إحدى الجمعيات، وإن مستحقاتها «اتأخرت عليها كتير جدًا جدًا».
وبحسب ريهام، أبلغتها الشركة بإمكانية الحصول على تعويض، لكنها لا تتذكر قيمته على وجه الدقة. وتقول إن شقيقتها كانت تعتمد على الأموال في سداد التزام محدد، وإن التأخير كان يمكن أن يكلفها أكثر من 500 جنيه.
وتضيف: «خلصت الجمعيات دي وقلتلها امسحي الأبليكيشن المعفن ده، بجد منصحش حد يستخدمه أساسًا».

إيصالات أمانة

ولا تتوقف المخاوف التي يرويها المستخدمون عند تأخر الأموال، إذ يكشف المواطن وليد هوردا عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” أن الاشتراك في «ماني فيللوز» و«ورزق الله» يتضمن توقيع إيصالات أمانة.
وتكشف شهادات متضررين من منصة «ماني ماستر»، لإحدى وسائل الإعلام المحلية، التي أعلنت تصفية نشاطها وإفلاسها في مارس 2023، عن خسائر مالية ارتبطت بتوقف المنصة.
ويقول محمد سليمان، وهو محاسب، إنه اشترك في خمس جمعيات شهرية عبر «ماني ماستر»، قبل أن يتحول الاشتراك من وسيلة لجمع الأموال إلى أزمة، بعدما أُغلق التطبيق وأعلنت المنصة تصفية نشاطها وإفلاسها.
وبحسب ما يرويه، بلغت مستحقاته لدى المنصة نحو 43.5 ألف جنيه، في وقت اضطر فيه، بحسب روايته، إلى اللجوء إلى الإجراءات القانونية للمطالبة بأمواله.
ويقول محمود حسانين، رئيس التحصل بإحدى شركات الغاز الطبيعي، إنه دفع أقساط جمعية بقيمة 3 آلاف جنيه شهريًا لمدة ستة أشهر، ووقع إيصالات أمانة، قبل أن يغلق التطبيق دون حصوله على مستحقاته، ما دفعه إلى تحرير محضر للمطالبة بأمواله.
ولا تقتصر الخسائر في هذه الحالات على قيمة الأقساط وحدها، وإنما تمتد إلى الالتزامات التي بُنيت على أساس الحصول على المبلغ في موعد محدد.
فأحمد عبدالقادر، الموظف بجامعة الأزهر، كان يستعد للزواج عندما اشترك في جمعية بقيمة 5 آلاف جنيه شهريًا لمدة ستة أشهر، على أمل الحصول على 30 ألف جنيه في الموعد المحدد لشراء الشبكة.
لكن إغلاق المنصة، بحسب روايته، أدى إلى فقدان المبلغ الذي كان يعول عليه وتعطل موعد خطوبته.
أما مصطفى عبدالرازق، فيقول إنه دخل جمعية بقيمة 25 ألف جنيه شهريًا للحصول على 250 ألف جنيه، بعد تجربة سابقة لزوجته مع المنصة.
ويضيف أن الأسرة دفعت 124 ألف جنيه دون الحصول على مستحقاتها، في الوقت الذي اضطرت فيه زوجته إلى الاقتراض لتغطية تكاليف الولادة ودخول مولودهما الحضانة.

الفرق بين الجمعية التقليدية والإلكترونية

يرى المهندس محمد سعيد، استشاري تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخبير في الأسواق المالية، أن هناك اختلافًا جوهريًا بين الجمعيات التقليدية والجمعيات الرقمية، يتعلق بصورة أساسية بالرسوم الإدارية التي يتحملها المشاركون.
ويوضح أنه إذا كان المبلغ الذي سيحصل عليه المشترك في جمعية تقليدية ورقمية هو 10 آلاف جنيه، فإن المشترك الذي يحصل على دوره مبكرًا في الجمعية الرقمية قد تُخصم منه رسوم إدارية، تختلف قيمتها بحسب ترتيب الدور.
ويعتبر سعيد أن اختلاف الرسوم من دور إلى آخر يمثل أحد أوجه الاختلاف المهمة بين النموذجين، وقد يراه البعض في صورة تكلفة مرتبطة بتقديم موعد الحصول على الأموال.
ويشير إلى ضرورة التحقق من الوضع القانوني والرقابي للمنصة التي يتعامل معها المستخدم، والتأكد من الجهة المختصة بالإشراف على النشاط، قبل إيداع الأموال أو توقيع أي مستندات.
ويحذر من التعامل مع منصات مالية مجهولة المصدر أو غير واضحة الوضع القانوني، مؤكدًا أهمية معرفة طبيعة الرسوم والشروط والالتزامات التي يوافق عليها المشترك قبل الاشتراك.
ويشير كذلك إلى أن بعض المنصات قد تفرض رسومًا إدارية تصل إلى 10% من إجمالي المبلغ المستحق في الدور المحدد للعميل، وأن هذه الرسوم قد توزع على الأقساط الشهرية.
ويرى أن قصر مدة بعض الجمعيات قد لا يتناسب مع احتياجات جميع المستخدمين، بينما تظل المخاطرة الأكبر في قدرة المنصة على الاستمرار في إدارة أموال المشتركين؛ إذ قد يجد العملاء أنفسهم أمام أزمة إذا تعرضت الشركة للإفلاس أو التصفية، كما حدث في حالة «ماني ماستر»، بحسب ما يورده.

الرسوم محل إشكال

إلى جانب المخاطر المالية والقانونية، ظهرت إشكالات شرعية بشأن طبيعة الرسوم التي تفرضها بعض الجمعيات الإلكترونية.
وتتناول فتوى في هذا الشأن حالة الجمعية التي تفرض رسومًا متفاوتة بحسب ترتيب المشترك في الحصول على دوره، معتبرة أن اختلاف الرسوم يخرج بها عن مجرد كونها مصروفات إدارية أو أجرة مقابل الخدمة، لأن تفاوتها يرتبط بقرب موعد الحصول على المال.
وتستند الفتوى إلى قاعدة أن القرض إذا جر منفعة مرتبطة به فإنه يثير إشكالًا شرعيًا، مشيرة إلى ما أورده الحطاب في «تحرير الكلام» بشأن فساد القرض إذا جر منفعة لغير المقترض.
كما تتناول الفتوى مسألة ضمان الشركة المنظمة لأموال المشاركين، وترى أن دخول الشركة في الأدوار المتبقية ووضع حافز مادي لمن يحجز هذه الأدوار يثير إشكالًا آخر يتعلق بالمنفعة الناتجة عن القرض.

من الجمعية إلى دائرة الديون

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في مجتمع تنتشر فيه ظاهرة الاستدانة، إذ تشير دراسة أجرتها مؤسسة «مصر الخير» – إحدى منظمات المجتمع المدني المصري – إلى أن ظاهرة الغارمين لا تقتصر على النساء؛ إذ تمثل نسبة الذكور، وفق الدراسة، نحو 68% مقابل 32% للإناث.
وتشير الدراسة كذلك إلى انتشار الغارمين جغرافيًا، بنسبة تقارب 44% في الوجه البحري و46% في الوجه القبلي، بما يعكس اتساع الظاهرة خارج نطاق فئة أو منطقة بعينها.
وفي نهاية الطريق، تكشف الشهادات التي يرصدها هذا التقرير أن بعض المستخدمين دخلوا هذه المنصات بحثًا عن وسيلة للادخار وتدبير احتياجاتهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أموال متأخرة، أو خسائر، أو غرامات، أو التزامات قانونية. وبين قسط يُدفع في موعده ومبلغ ينتظر صاحبه موعد قبضه.

 

 

 

أضف تعليقك
شارك