زيادة بالجنيه وتراجع بالدولار.. أجور المصريين تخسر في معركة الأسعار

347 دولاراً في 2016، مقابل 220 دولاراً اليوم.. باختصار، هذه هي الحصيلة الرسمية لما حدث لدخل المواطن المصري خلال عشر سنوات، وفقاً لأحدث بيانات “دويتشه بنك”.

بين هذين الرقمين، أعلنت الحكومة المصرية حزمات متتالية من الزيادات والعلاوات “التاريخية”، لكن في معركة الأرقام ضد التضخم وانهيار الجنيه، ظلت هذه الزيادات متأخرة خطوة دائماً عن قفزات الأسعار. فكيف أصبحت كشوف المرتبات أرقاماً أكبر على الورق، وقيمة أقل بكثير في السوق؟

تلك المفارقة تعكس أن المشكلة لم تعد في حجم الراتب، وإنما في قيمته الحقيقية وقدرته على مواكبة التضخم وتراجع سعر الصرف.

ويظهر تقرير دويتشه بنك أن متوسط صافي الراتب الشهري في مصر بعد الضرائب، بلغ عام 2012 ما يعادل 339 دولارًا بينما ارتفع عام 2016 قبل أول قرارات تحرير سعر صرف العملة إلى 347 دولارًا، قبل أن يهبط إلى 237 دولارًا عام 2019، ثم 184 دولارًا عام 2025 ليصل إلى 220 دولارًا خلال العام الجاري.

ولا يفسر تقرير دويتشه بنك هذا التراجع باعتباره انخفاضًا في قيمة الأجور نفسها، وإنما يعكس بصورة أساسية ما تعرض له الجنيه المصري من تراجعات متتالية أمام الدولار خلال العقد الأخير، وهو مسار لم يتوقف حتى الآن.

ففي الوقت الذي صدر فيه تقرير دويتشه بنك، فقد الجنيه المصري نحو 4% من قيمته أمام الدولار خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يوليو الجاري، متأثرًا بخروج المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلي في ظل التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ليسجل ثاني أكبر انخفاض بين العملات التي تتابعها وكالة “بلومبرغ” خلال تلك الفترة بعد العملة البوليفية.

ووفقًا لتصريحات رئيس أحد البنوك الخاصة لـ”الشرق بلومبرغ”، فإن موجة خروج المستثمرين كانت العامل الرئيسي وراء الضغوط على الجنيه، رغم أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ساهمت في الحد من هذا التراجع.

زيادات لا تلاحق الأسعار

على مدار السنوات الماضية رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور عدة مرات، كان آخرها قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي برفعه من 7 آلاف جنيه إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو الجاري، في إطار حزمة اجتماعية تستهدف تخفيف آثار التضخم على المواطنين.

ورغم ذلك، لكن عند تحويل هذه الأجور إلى الدولار، تتغير الصورة تمامًا. فبحسب بيانات منصة Trading Economics تأتي مصر في المرتبة قبل الأخيرة عربيًا من حيث الحد الأدنى للأجور المقوم بالدولار، ولا تقل عنها سوى اليمن، وهو ما يعكس حجم التراجع الذي أصاب قيمة الدخل عند مقارنته بالأسواق الأخرى.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العامل المصري يتقاضى جنيهات أقل من السابق، وإنما تعني أن الزيادات الاسمية في الأجور لم تستطع مجاراة انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار، ولا الارتفاع المتواصل في مستويات الأسعار.

فمنذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، ثم التخفيضات المتعاقبة وصولًا إلى التعويم الأخير في مارس 2024، أعيد تسعير العملة المصرية عدة مرات، بينما جاءت زيادات الأجور بوتيرة أبطأ من التغيرات التي شهدها سعر الصرف والتضخم.

وتشير منظمة العمل الدولية في تقاريرها عن الأجور العالمية إلى أن زيادة الأجور الاسمية لا تعني بالضرورة تحسن مستويات المعيشة، إذا كانت معدلات التضخم ترتفع بوتيرة أسرع، لأن المعيار الحقيقي ليس قيمة الراتب المكتوبة في كشف المرتب، وإنما كمية السلع والخدمات التي يستطيع هذا الراتب شراءها، وهو ما يعرف بـ”الأجر الحقيقي”.

ويستخدم دويتشه بنك الدولار معيارًا موحدًا للمقارنة بين الدول، بما يسمح بقياس القيمة الدولية للأجور بعيدًا عن اختلاف العملات المحلية. ورغم أن هذا المقياس لا يعكس وحده مستوى الرفاه داخل كل دولة، فإنه يكشف إلى أي مدى حافظت العملات المحلية على القوة الشرائية لدخول العاملين مقارنة ببقية اقتصادات العالم.

القوة الشرائية تحت الضغط

ولا يتوقف أثر انخفاض قيمة الجنيه عند المقارنات الدولية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

فجزء كبير من السلع المتداولة في السوق المصرية يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاستيراد، سواء في صورة منتجات نهائية أو خامات ومستلزمات إنتاج، وهو ما يجعل أي انخفاض في قيمة العملة ينعكس سريعًا على تكاليف الإنتاج والأسعار النهائية.

وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الغذاء والمشروبات يستحوذان على النصيب الأكبر من إنفاق الأسر المصرية، ما يجعل ارتفاع الأسعار يلتهم جانبًا كبيرًا من أي زيادة في الدخول.

لذلك يشعر كثير من المواطنين بأن رواتبهم أصبحت أكبر من حيث الرقم، لكنها تكفي لشراء سلع أقل مما كانت تشتريه قبل سنوات.

ويتفق ذلك مع تقديرات البنك الدولي، الذي يشير في تقاريرها إلى أن التضخم المرتفع يظل أحد أكبر التحديات التي تواجه مستويات المعيشة في مصر، خاصة بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي تنفق النسبة الأكبر من دخولها على الاحتياجات الأساسية، بينما تتراجع قدرتها على الادخار أو مواجهة الصدمات الاقتصادية.

ويذهب بعض الخبراء إلى أن الحد الأدنى الحالي للأجور لا يزال بعيدًا عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الأسرة المصرية.

ويرى الخبير الاقتصادي كريم العمدة أن 8 آلاف جنيه لا تكفي لتغطية تكاليف السكن والغذاء والمواصلات، معتبرًا أن الحد الأدنى اللازم لأسرة صغيرة ينبغي أن يكون أعلى بكثير في ظل مستويات الأسعار الحالية.

ولم يعد تأثير انخفاض قيمة الأجور مقشورًا على حياة المواطنين فقط، بل امتد إلى سوق العمل نفسه.

فمع اتساع الفجوة بين الدخول المحلية والدخول المقومة بالدولار، أصبح الحصول على وظيفة بالخارج أو العمل عن بعد مقابل أجر بالعملة الأجنبية هدفًا لشريحة متزايدة من الشباب، في محاولة للحفاظ على القوة الشرائية للدخل.

وفي المقابل، تستفيد بعض الشركات الأجنبية من انخفاض تكلفة العمالة المصرية بالدولار، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية، لكنه يضعف في الوقت نفسه قدرة السوق المحلية على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها.

الإصلاح الاقتصادي ومعضلة الدخل

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير. فمنذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، مر الاقتصاد المصري بعدة صدمات، بداية من تحرير سعر الصرف، ثم جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الضغوط الإقليمية وتقلبات تدفقات النقد الأجنبي.

ويرى صندوق النقد الدولي أن إجراءات تحرير سعر الصرف ساهمت في معالجة اختلالات سوق النقد الأجنبي وتعزيز مرونة الاقتصاد، لكنها جاءت مصحوبة بارتفاعات كبيرة في الأسعار، ما دفع الصندوق في أكثر من مراجعة لبرنامجه مع مصر إلى التأكيد على أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وزيادة الإنفاق الموجه للفئات الأكثر تأثرًا بالتضخم، بالتوازي مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية.

وبينما تركز الحكومة على رفع الحد الأدنى للأجور بصورة دورية، يرى اقتصاديون أن نجاح سياسات الأجور لا يقاس بعدد مرات الزيادة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على القوة الشرائية للدخل الحقيقي، بحيث تنمو الرواتب بوتيرة لا تقل عن التضخم وانخفاض قيمة العملة.

ورغم أن قياس الأجور بالدولار لا يعكس وحده مستوى الرفاه، بسبب اختلاف تكلفة المعيشة بين الدول، فإنه يظل مؤشرًا مهمًا لقياس القيمة الدولية للدخل، وقدرة العامل على شراء السلع المستوردة، وجاذبية سوق العمل مقارنة بالأسواق الأخرى. ومن هنا تكتسب أرقام دويتشه بنك أهميتها، لأنها تكشف أن ما خسره المصريون خلال العقد الأخير لم يكن مجرد جزء من قيمة الجنيه، وإنما جزء من القيمة الدولية لدخولهم أيضًا.

في النهاية، لا تكشف أرقام دويتشه بنك فقط عن تراجع متوسط راتب المصريين بالدولار، بل تطرح سؤالًا أعمق حول جدوى الزيادات السنوية في الأجور إذا كانت تفقد قيمتها بعد أشهر قليلة بفعل التضخم وتراجع العملة.

وبينما تواصل الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور كإحدى أدوات الحماية الاجتماعية، يبقى التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الزيادات إلى قوة شرائية حقيقية يشعر بها المواطن في الأسواق، لا أن تظل مجرد أرقام أكبر في كشوف المرتبات.

أضف تعليقك
شارك