ماكينات جمع البلاستيك تشعل غضب الزبالين.. هل تزاحمهم الحكومة في أرزاقهم؟

زجاجة بلاستيك تدخل من فوهة معدنية، وتخرج من الطرف الآخر نقطة إلكترونية تتحول لاحقًا إلى جنيهات.. مشهد بسيط لمنظومة جديدة انطلقت من حي الدقي، لكنه كفى لإشعال أزمة بين الدولة ونقابة تمثل مئات الآلاف من “الزبالين” يعيشون من “فرز” قمامة القاهرة الكبرى.

الدقي تتصدر المواجهة

بدأ حي الدقي بمحافظة الجيزة تشغيل منظومة جديدة لجمع المخلفات الصلبة، عبر ماكينات ذكية تستقبل من المواطنين زجاجات البلاستيك الفارغة وعلب “الكانز” المعدنية، مقابل نقاط تتحول إلى حوافز مالية، إذ يحصل المواطن على نقطة واحدة عن كل زجاجة بلاستيك صغيرة، ونقطتين عن الزجاجات الكبيرة وعلب الكانز.
وبحسب المهندس محمد رزق، رئيس حي الدقي، فإن المرحلة الحالية مجرد بداية؛ فحال نجاح التجربة سيتم تعميم الماكينات على كامل الحي، تمهيدًا لتحويله إلى نموذج يُحتذى به في باقي الأحياء، وذلك في إطار خطة أوسع تستهدف القضاء على ظاهرة “النباشين” وتقليل تراكم المخلفات في الشوارع.

“بياخدوا فاكهة اللحمة مني”

الخطوة التي قدمتها الجهات المحلية باعتبارها إنجازًا حضاريًا، قوبلت بغضب من نقابة الزبالين، إذ حذر نقيبها شحاتة المقدس، قبل تشغيل المنظومة بنحو شهر، من أن هذه الماكينات تنتزع من جامعي القمامة “المكسب الوحيد” الذي يخرجون به من مهنتهم، ووصف الأمر في تصريحات سابقة بأنها تأخذ منه “فاكهة اللحمة” كزبال.
وفي تصريحات تلفزيونية لاحقة، أوضح المقدس أن نحو مليون شخص يعتمدون على جمع ونقل نحو 18 ألف طن من النفايات يوميًا في القاهرة الكبرى، دون أن يتقاضوا أجورًا من الحكومة مقابل هذا العمل.
ولفت إلى أن المواد الصلبة والمعدنية القابلة للبيع هي المورد المالي الوحيد الذي يعوّض هؤلاء العمال عن جهد جمع النفايات يدويًا من المنازل والشوارع.
وأعرب المقدس عن قلقه من أن مشروعات من هذا النوع تركز فقط على شراء المخلفات ذات القيمة السوقية، تاركة للعمال المخلفات العضوية والطبية الخطرة وبقايا الطعام التي لا تحمل أي عائد مادي.

تهديد بالتوقف عن جمع القمامة

وهدد بالتوقف الكامل عن جمع القمامة في أي منطقة تُطبَّق فيها هذه المنظومة، قائلًا إن نقابته “ستترك القمامة ولن تقوم برفعها”. وطالب الجهات القائمة على التجربة بأن تتولى بنفسها جمع المخلفات العضوية والملوثات.
كما انتقد المقدس محاولات تطبيق أنظمة “الفصل من المنبع” في العاصمة الإدارية، معتبرًا أنها لا تناسب طبيعة المطابخ المصرية الصغيرة التي لا تحتمل تخصيص عدة سلال للفصل.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يصطدم فيها المقدس مع مشروعات مشابهة. فقد سلّط الضوء على أزمة سابقة وقعت حين طُبّقت المنظومة نفسها في حي مصر الجديدة الراقي، مشيرًا إلى أن اتصالات جرت معه من جهات على أعلى مستوى لوقف إضراب الزبالين حينها.
وبحسب روايته، اشترط لعودة العمال إلى جمع القمامة إزالة أكشاك جمع البلاستيك من الحي، وهو ما تم التوافق عليه بالفعل.
هذه السابقة تكشف أن أزمة الدقي ليست حادثة معزولة، بل امتداد لتوتر أعمق بين خطط الدولة لتحديث منظومة النظافة، وتقييد شبكة أرزاق ظلت لعقود هي المسؤول الفعلي عن جمع قمامة المدن الكبرى دون عقود أو أجور من الحكومة.

الحكومة تبحث مخرجا للأزمة

في المقابل، نفى محمد مرعي، سكرتير عام محافظة الجيزة، أن يكون لمشروع الدقي أي تأثير على مصدر رزق العاملين في منظومة جمع القمامة.
واعتبر أن العاملين والمتعهدين سيستفيدون هم أنفسهم من المخلفات القابلة لإعادة التدوير، مشيرًا إلى وجود تنسيق يهدف لدمج هذه المواد ضمن منظومة العمل الحالية بدلًا من استبعادها منها.
وللبحث عن مخرج للأزمة، تستعد نقابة الزبالين لعقد اجتماع مع مكتب وزيرة البيئة ومدير الوزارة، يعقبه لقاء مع رئيس حي الدقي، في محاولة للتوصل إلى آلية تنفيذ تضمن استفادة جميع الأطراف، واستمرار عمل الماكينات الذكية دون الإضرار بمنظومة جمع القمامة التقليدية القائمة أصلًا على عمالة غير رسمية.
الجدل الذي فجّرته ماكينات الدقي لم يبق في حدود التجربة الجزئية بشارع واحد. رجل الأعمال نجيب ساويرس علّق على الأزمة عبر منصة إكس، مشككًا في الصفة التمثيلية لنقيب الزبالين باعتباره “غير منتخب”، لكنه في الوقت نفسه وصف عمال جمع القمامة بأنهم “أكثر طبقة تعاني” في مصر، ودعا إلى تنظيم أوضاعهم وتوفير الرعاية اللازمة لهم.

أطنان القمامة إلى مصير مجهول

وبحسب رصد حكومي ووسائل إعلام مصرية، فالقاهرة الكبرى تنتج وحدها نحو 18 ألف طن من المخلفات يوميًا، بينها أكثر من 8 آلاف طن من المواد الصلبة القابلة لإعادة التدوير، تشمل البلاستيك والزجاج والكرتون والمعادن.
وتأتي أهمية هذه المواد من ارتفاع قيمتها في السوق غير الرسمية، إذ يتراوح سعر طن البلاستيك المعاد تدويره بين 12 ألفًا و25 ألف جنيه، وفقًا للجودة والاستخدام، بينما يتراوح سعر طن علب “كانز” بين 110 آلاف و115 ألف جنيه.
فيما يتراوح سعر كيلو النحاس بين 350 و450 جنيهًا، والألومنيوم بين 150 و250 جنيهًا، بحسب تصريح سابق لنقيب الزبالين.
في المقابل، يحصل المواطن عند استخدام الماكينات على نقطة مقابل الزجاجة البلاستيكية الصغيرة، ونقطتين مقابل الزجاجات الكبيرة وعلب “الكانز”، وتتراكم النقاط مع كل عبوة يتم إدخالها إلى الماكينة لتتحول لاحقًا إلى حوافز مالية أو رصيد للمواطن.
هذه الفجوة بين قيمة الطن في سوق إعادة التدوير وبين ما يحصل عليه المواطن عن العبوة الواحدة، تكشف أسباب مخاوف نقابة الزبالين؛ فعبوات الكانز، رغم صغر حجمها، تمثل الجزء الأكثر ربحية في “سوق القمامة”، بينما تُترك للعمال يدويًا المخلفات العضوية والطبية الخطرة التي لا تحمل قيمة تُذكر وتستهلك معظم جهدهم اليومي.
وبحسب رؤية المقدس، فإن سحب هذه المواد ذات القيمة من مسار الجمع التقليدي لا يعني فقط تغيير طريقة التخلص من القمامة، بل نقل العائد الاقتصادي الأكبر من يد جامعي المخلفات إلى منظومة جديدة لا يملكون فيها حصة واضحة حتى الآن.
فبينما تراهن الجهات المحلية على أن التوسع في الماكينات سيحسّن المظهر الحضاري ويرفع معدلات التدوير، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تملك الدولة خطة واضحة لدمج جيش غير رسمي من العمال في منظومة رقمية جديدة، أم أن كل تجربة توسع ستصطدم من جديد بتهديد الزبالين بترك القمامة في الشوارع، كما حدث سابقًا في مصر الجديدة، وكما يلوح الآن في الدقي؟

أضف تعليقك
شارك