مؤقتون حتى التقاعد.. آلاف العاملين ينتظرون التثبيت منذ عقود والحكومة تتهرب

من مراكز الشباب إلى شركات المياه، مرورًا بوزارة الزراعة، يتكرر المشهد نفسه: موظفون يعملون منذ سنوات بعقود مؤقتة، ينتظرون التعيين كما ينتظرون رواتبهم، حتى أن مئات من موظفات الزراعة لم يجدن سبيلًا سوى التظاهر، ليس للمطالبة بزيادة في الأجور، بل لصرف رواتب انقطعت منذ أكثر من أربع سنوات، في أحدث فصول أزمة العمالة المؤقتة داخل الجهاز الإداري للدولة.

 

سنوات دون أجر

“الأزمة ليست وليدة اليوم، بل تمتد لسنوات”، بهذه العبارة بدأت فاطمة عامر -اسم مستعار-، إحدى المشاركات في الوقفة الاحتجاجية والقادمة من محافظة البحيرة، حديثها لـ”أحوال مصرية”.
تقول فاطمة إنها عُينت بعقد مؤقت عام 2004 للعمل في مشروع للتشجير بإحدى قرى محافظة البحيرة براتب لم يتجاوز 190 جنيهًا، ثم نُقلت قبل ست سنوات إلى إحدى إدارات ديوان عام المحافظة لسد العجز الناتج عن إحالة عدد من الموظفين إلى المعاش، في ظل استمرار سياسة وقف التعيينات.
وتضيف أنها التحقت بالعمل وهي تتوقع أن يكون التعاقد المؤقت خطوة تمهد للتعيين، خاصة بعد القرارات التي صدرت عقب ثورة يناير لتثبيت العمالة المؤقتة، إلا أن أوضاعهم بقيت كما هي، واستمرت العقود المؤقتة دون تثبيت.
وتوضح أنها، وبعد سنوات من التقاضي، حصلت مع عدد من زملائها عام 2021 على أحكام قضائية تقضي بتعيينهم وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، إلا أن الأحكام لم تنفذ حتى الآن، بينما توقفت رواتبها قبل ذلك بثلاث سنوات.
وتقول إن مسؤولي المديرية أبلغوهم بأن إجراءات التعيين والصرف ما تزال عالقة بين وزارة الزراعة ووزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
ويقدر وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إيهاب منصور، عدد العاملين بعقود مؤقتة في الجهاز الإداري للدولة بنحو 35 ألف موظف، وهو رقم -بحسب قوله- كشف عنه أحد المسؤولين الحكوميين أثناء مناقشة طلب إحاطة في الفصل التشريعي السابق.
وكان منصور قد دعا، في فبراير الماضي، إلى وقف صرف رواتب المسؤولين بوزارة الزراعة لحين إنهاء أزمة العاملين المؤقتين الذين توقفت رواتب بعضهم منذ أكثر من أربع سنوات، منتقدًا استمرار عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم.
وقال، في بيان نشره عبر صفحته على موقع “فيسبوك”، إن لجنة الزراعة بمجلس النواب ناقشت الأزمة خلال الفصل التشريعي السابق، وأرفق حينها عشرات الأحكام القضائية غير المنفذة، بينما أرجع المستشار القانوني للمجلس القومي للأجور الأزمة إلى أن الطلبات المرسلة من وزارة الزراعة لم تستوفِ النماذج والإجراءات المطلوبة، متسائلًا: لماذا يتحمل الموظفون أخطاء الجهات الإدارية؟

الدولة تتوسع في العمالة المؤقتة

ويؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، لـ”أحوال مصرية”، أنه لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات أو حصر رسمي شامل للعمالة المؤقتة داخل الجهاز الإداري للدولة، مشيرًا إلى أن النسبة الأكبر منهم تتركز في وزارات الزراعة، والتنمية المحلية، والأوقاف.
ويقول عباس إن الاعتماد على العمالة المؤقتة بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي في مشروعات محددة، قبل أن يتوسع تدريجيًا ليشمل قطاعات واسعة داخل الجهاز الإداري للدولة.
ويضيف أن العاملين بعقود مؤقتة محرومون من كثير من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحد الأدنى للأجور، إذ لا يتجاوز راتب أغلبهم ثلاثة آلاف جنيه، بينما يحصل بعضهم على أقل من ألف جنيه، رغم وصول الحد الأدنى الرسمي للأجور إلى ثمانية آلاف جنيه. والأسوأ -بحسب عباس- أن صرف هذه الرواتب لا يتم بانتظام، إذ قد يتأخر ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، فيما انقطعت رواتب بعض العاملين لسنوات كاملة.
ويشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على أصحاب العقود السنوية، فهناك آلاف العاملين الذين يؤدون أعمالهم دون عقود من الأساس، ومن بينهم العاملون بمراكز الشباب الذين يتم تشغيلهم بقرارات من مجالس الإدارات، ويقدر عددهم بما لا يقل عن عشرة آلاف عامل.
وكان النائب إيهاب منصور قد تقدم، في أبريل الماضي، بطلب إحاطة بشأن أوضاع العاملين بمراكز الشباب، مطالبًا الحكومة بتقنين أوضاعهم وإنهاء سنوات العمل دون تعيين.

من التعاقد إلى الوكالة

وإذا كان آلاف العاملين في الجهاز الإداري للدولة ينتظرون التعيين منذ سنوات، فإن محصلي فواتير المياه يواجهون مسارًا مختلفًا؛ فبدلًا من تثبيت أوضاعهم، بدأت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في تحويلهم من متعاقدين إلى وكلاء يعملون بالعمولة، بما يعني عمليًا فقدان ما تبقى لهم من حقوق وظيفية.
يقول صلاح عباس -اسم مستعار-، أحد محصلي فواتير المياه بمحافظة القليوبية، إن العاملين علقوا احتجاجاتهم العام الماضي بعد وعود من رئيس الشركة القابضة بالاستجابة لمطالبهم، وعلى رأسها التثبيت، والحصول على مظلة تأمينية، وتطبيق الحد الأدنى للأجور بدلًا من نظام العمولة.
ويضيف أن المحصلين فوجئوا منذ أسابيع بقرار إنهاء نظام التعاقد القديم، وإلزامهم بالتوقيع على عقود جديدة بنظام “الوكالة”، بحيث يصبح المحصل مقدم خدمة يحصل على نسبة من التحصيل، وليس موظفًا تابعًا للشركة، وهو ما يعني فقدانه أي حقوق وظيفية أو تأمينية، بينما يعد رفض التوقيع بمثابة إنهاء لعلاقة العمل.
وكانت محافظات أسوان والمنيا والقليوبية وأسيوط والجيزة قد شهدت احتجاجات خلال عام 2024 اعتراضًا على نظام التعاقد الجديد، ما أدى إلى تأجيل تطبيقه حتى يونيو الماضي، إلا أن الإعلان عنه مجددًا أثار موجة جديدة من الاعتراضات، كان آخرها وقفة احتجاجية نظمها عدد من المحصلين في محافظة القليوبية.
ويشير صلاح إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالتحول إلى نظام الوكالة، بل أيضًا بشروط العقد الجديد، إذ ترتبط مدته بنسبة التحصيل؛ فإذا حقق المحصل 90% من الفواتير المسلمة إليه يستمر العقد عامًا، بينما تنخفض المدة إلى ستة أشهر إذا بلغت نسبة التحصيل 80%، وثلاثة أشهر إذا انخفضت عن ذلك، وهو ما يعتبره العاملون مخالفة لقانون العمل.

ورغم أن قانون الخدمة المدنية الصادر عام 2016 نص على إمكانية تعيين العمالة المؤقتة التي أمضت ثلاث سنوات في العمل، بشرط أن يكون التعاقد سابقًا على 30 يونيو 2016 وتوافر درجة مالية، فإن آلاف العاملين ما زالوا ينتظرون تنفيذ هذه النصوص، بينما حصل كثير منهم على أحكام قضائية بالتعيين، نُفذ بعضها، فيما لا يزال بعضها الآخر عالقًا بين الوزارات والجهات المختصة.
ولسنوات طويلة ارتبطت الوظيفة الحكومية في الوعي المصري بالاستقرار، حتى رسخ المثل الشعبي “إن فاتك الميري.. اتمرمغ في ترابه”. لكن بالنسبة لآلاف العاملين بعقود مؤقتة، تبدلت المعادلة؛ فلم يعد “الميري” ضمانًا للأمان الوظيفي، بل تحول لدى كثيرين إلى انتظار مفتوح للتعيين قد يمتد عشرين عامًا أو أكثر، بينما تظل الحقوق الأساسية معلقة بين الوزارات والجهات الحكومية، وكأن العقد المؤقت أصبح وظيفة مدى الحياة.

أضف تعليقك
شارك