البحر ما زال في مكانه، لكن الطريق إليه لم يعد كما كان. فبين شواطئ خاصة، وقرى سياحية، وكافيهات احتلت الواجهة البحرية، أصبح الاقتراب من مياه المتوسط في الإسكندرية والساحل الشمالي يمر أولًا عبر بوابة رسوم، أو إقامة داخل منتجع، أو فاتورة على طاولة تطل على البحر.
يظهر ذلك بوضوح في كورنيش الإسكندرية، حيث انتشرت الكافيهات والمحلات التي تحجب رؤية البحر، بينما أصبحت أغلب الشواطئ برسوم، سواء الرسمية أو عبر فرض استئجار الشماسي والكراسي.
مصيف ليوم واحد
اعتاد صلاح زكريا قضاء أسبوع مصيف سنوي مع أسرته في الإسكندرية أو العجمي من خلال رحلات تنظمها جهة عمله بالتقسيط، وكانت تكلفة الشاطئ شبه معدومة.
لكن قبل تقاعده فوجئ بتحول أقرب الشواطئ إلى شاطئ برسوم، مع إلزام الزائرين باستئجار الشماسي والكراسي، لترتفع تكلفة دخول أسرته إلى نحو 250 جنيهًا يوميًا، كما اختفت أغلب أماكن التنزه المجاني على البحر بعد انتشار الكافيهات على الكورنيش.
بعد التقاعد لم يعد قادرًا على تحمل تكلفة الإقامة في الساحل الشمالي، فاكتفى برحلات اليوم الواحد، لتصبح المصايف السنوية خارج حساباته.
شاطئان فقط
قصة صلاح ليست استثناءً. فرفعت مجدي، الذي اعتاد السفر إلى الإسكندرية كل صيف، قرر هذا العام الذهاب مبكرًا قبل انتهاء امتحانات الثانوية العامة هربًا من الزحام، لكنه اكتشف أن المدينة لم يعد بها سوى شاطئين مجانيين، أحدهما المندرة والآخر الأنفوشي، وكلاهما بعيد عن محل إقامته.
وعند وصوله إلى شاطئ المندرة وجد ازدحامًا شديدًا اضطره للمغادرة مبكرًا، بينما كان البديل الأقرب شاطئًا برسوم، ما رفع تكلفة دخول أسرته المكونة من خمسة أفراد إلى نحو 250 جنيهًا يوميًا.
يقول مجدي إن أبناءه لا يحصلون على أي نزهات طوال العام بسبب ضغوط المعيشة، لذلك تمثل رحلة المصيف متنفسهم الوحيد، لكنه يخشى ألا يتمكن من توفيرها مستقبلًا مع استمرار ارتفاع التكاليف.
مصايف بالتقسيط
أما سمر جمال، وهي مدرسة، فلم تتمكن من السفر إلى مرسى مطروح إلا بعد الاشتراك في رحلة جماعية سددت تكلفتها بالتقسيط على عشرة أشهر، مقابل خمسة آلاف جنيه شملت الإقامة والانتقالات.
لكنها فوجئت بأن تكلفة المصيف لا تتوقف عند السكن، فالشواطئ العامة بعيدة، بينما تبلغ رسوم الشواطئ الأخرى نحو 250 جنيهًا للأسرة يوميًا، إضافة إلى مصروفات الطعام والانتقالات، لترتفع تكلفة الأسبوع إلى نحو ثمانية آلاف جنيه بخلاف المبلغ المقسط.
ورغم ذلك ترى أن التقسيط جعل الرحلة ممكنة بعد سنوات من الحرمان.
الأرقام تروي القصة
لا تعكس شهادات صلاح ورفعت وسمر حالات فردية، بل تؤكدها البيانات الرسمية. فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الشواطئ العامة عام 2022 نحو 97 شاطئًا بإجمالي أطوال تقارب 497 ألف متر، مقابل 271 شاطئًا خاصًا يتجاوز طولها 617 ألف متر.
وبذلك يزيد عدد الشواطئ الخاصة على العامة بـ174 شاطئًا، كما تتفوق عليها بأكثر من 120 ألف متر من السواحل، بينما لا يتجاوز نصيب المواطنين مترًا واحدًا من الشواطئ العامة لكل نحو 210 أشخاص.
ويظهر التراجع بصورة أوضح في الإسكندرية ومرسى مطروح، حيث انخفض عدد الشواطئ العامة بين عامي 2015 و2021 من 67 إلى 13 شاطئًا في الإسكندرية، ومن 31 إلى 11 شاطئًا في مرسى مطروح.
وتطرح المحافظتان سنويًا حق استغلال الشواطئ والكافيهات في مزادات علنية، مع تقسيمها إلى مجانية وعامة ومميزة وخدمة لمن يطلبها، إلا أن حتى الشواطئ المجانية غالبًا ما تفرض فيها رسوم غير رسمية مقابل استخدام الشماسي أو الكراسي أو الخدمات.
وفي الوقت نفسه تتسارع وتيرة الاستثمار على الساحل الشمالي، خاصة بعد الإعلان عن مشروع رأس الحكمة ومشروع “ساوث ميد”، اللذين يضيفان عشرات الكيلومترات من الواجهات البحرية المخصصة للتنمية السياحية والعقارية.
البحر من بعيد
هذه التحولات دفعت بعض الأسر إلى تغيير وجهتها الصيفية بالكامل. فقد اضطر أحمد محسن هذا العام إلى استبدال الإسكندرية بمصيف بلطيم بعدما أصبحت تكلفة السفر إليها تفوق إمكانات أسرته الكبيرة، التي تضم 14 فردًا من ثلاث أسر.
تتشارك العائلة شقة واحدة لتقليل تكلفة الإقامة، لكن المشكلة الأساسية تبقى في دخول الشاطئ، إذ تعاني الشواطئ المجانية ازدحامًا شديدًا، بينما تحتاج الشواطئ الأخرى إلى رسوم، وإكراميات واستئجار شماسي وكراسٍ.
وتصل تكلفة الشواطئ المميزة إلى نحو 700 جنيه يوميًا، وهو ما اضطر الأسرة العام الماضي إلى إنهاء إجازتها قبل موعدها بثلاثة أيام.
بين الاستثمار والحق العام
هذا الواقع دفع النائبة شيرين عليش في أواخر عام 2022 إلى التقدم بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزير التنمية المحلية بشأن انتشار الكافيهات على شواطئ الإسكندرية، مؤكدة أنها حجبت رؤية البحر وشوهت الكورنيش، كما أشارت إلى تأجير معظم الشواطئ وعدم وجود شواطئ عامة مجانية تسمح للأسر البسيطة بالاستمتاع بالبحر.
وتنص المادة 46 من الدستور المصري على حق كل شخص في التمتع بالبيئة الطبيعية وضرورة حمايتها، إلا أن هذا الحق يواجه تحديات مع توسع الاستثمار السياحي على الساحل.
كما تشير دراسة صادرة عن مركز “حلول للسياسات البديلة” بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن نمط التنمية في الساحل الشمالي يثير تساؤلات حول مستقبل الوصول العام إلى الشواطئ، مع توسع المنتجعات الخاصة وتراجع المساحات المفتوحة للجمهور، فضلًا عن مخاوف بيئية تتعلق بتآكل الشواطئ وتأثير الكثافة العمرانية وتغير المناخ.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن المشروعات الجديدة تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الطاقة السياحية، وتعظيم العائد الاقتصادي.
وبين هدف الدولة في توسيع الاستثمار السياحي وحق المواطنين في الوصول إلى البحر، يواصل كثير من المصريين الادخار طوال العام، أو اللجوء إلى التقسيط، أو الاكتفاء برحلات اليوم الواحد، بعدما أصبح المصيف بالنسبة لكثير من الأسر رفاهية يصعب تحمل تكلفتها.