زحام ونقص الإمكانيات واستبعاد وحدات.. أزمات تصيب “التأمين الصحي الشامل”

زحام وتكدس ونقص في الأطباء والتمريض والدواء.. تلك الأزمات التي صاحبت انطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل في عدد من المحافظات، تكللت بأزمة خروج 65 وحدة صحية من المنظومة في المنيا، بعد أشهر فقط من إعلان الحكومة اكتمال جاهزيتها بالكامل. وهي ليست حالة منفردة، بل مؤشر على خلل واسع تعاني منه المنظومة في أكثر من محافظة منذ بدء تطبيقها.

استبعاد مفاجئ لوحدات صحية

دخلت المنيا -التي يتجاوز سكانها ستة ملايين نسمة- منظومة التأمين الصحي الشامل في أبريل 2026، بعد إعلان المحافظ جاهزية 65 مستشفى و196 وحدة صحية.

لكن مع بدء التشغيل التجريبي، فوجئ الأهالي باستبعاد 65 وحدة صحية كاملة بحجة عدم استيفائها شروط التشغيل، دون توضيح رسمي لمصير المواطنين الذين كانوا يعتمدون عليها.

النائب حسين غيته، سبق وتقدّم بطلب إحاطة يستفسر عن جاهزية الوزارة قبل التطبيق، قبل أن بتقدّم مجددا بسؤال برلماني رسمي لرئيس الوزراء ووزير الصحة عن أسباب الاستبعاد.

ونفت وزارة الصحة تداول أنباء عن «إغلاق» وحدات، مؤكدة استمرار كل المنشآت في تقديم خدماتها، فيما أشار غيته إلى قرار مؤقت من الوزير بإيقاف الإخلاء، واصفًا إياه بأنه تأجيل لا حل.

والسؤال البرلماني، بحسب التقرير، لا يزال دون رد رسمي حتى الآن.

بورسعيد.. نفس الأعراض بعد ست سنوات

بورسعيد، أول محافظة دخلت المنظومة في نوفمبر 2019، لا تزال بعد نحو ست سنوات تشهد شكاوى تتكرر، من تكدس داخل مقار التأمين، إلى نقص أدوية، وصعوبات في إجراءات الصرف والتجديد.

واضطر اللواء إبراهيم أبو ليمون محافظ بورسعيد، في يوليو الماضي، بعدما رصد خلال جولته المفاجئة داخل مبنى التأمين الصحي الشامل، وجود تكدسات وزحام بين المترددين، لعقد اجتماع عاجل وموسع لوضع حلول عملية وسريعة للقضاء على التكدس، وتحقيق الانسيابية في تقديم خدمات منظومة التأمين الصحي الشامل.

وأسفر الاجتماع، حسب بيان للمحافظة، عن تخصيص مقر ( مبنى ) مؤقت بحي المناخ لتسجيل المستفيدين بمنظومة التأمين الصحي الشامل، وذلك لحين الانتهاء من تجهيز المقر الجديد خلف مستشفى المبرة، بما يسهم في تخفيف الضغط على المقر الحالي وتقليل التكدسات.

كما تقرر تجديد ندب العاملين المنتدبين من مديرية الشؤون الصحية، وندب 10 عاملين إضافيين للعمل بالهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، لدعم منظومة العمل وزيادة الطاقة البشرية بما يسرع من إنهاء الإجراءات وخدمة المواطنين.

وكذلك تخصيص شباكين بمقر الجهاز التنفيذي لأصحاب الحصص الاستيرادية، مع إعداد بياناتهم مسبقًا وحساب الاشتراكات قبل حضورهم، وإنهاء إجراءاتهم واستخراج الإفادات التأمينية، بما يقلل زمن الانتظار ويحد من التكدس.

كما تقرر بحث 50 أسرة شهريًا من الأولى بالرعاية وسداد اشتراكات التأمين الصحي الشامل الخاصة بهم، مع موافاة المحافظة ببيانات غير القادرين من المستفيدين بجمعيات التضامن الاجتماعي والمستحقين للدعم المالي، لضمان إدراجهم ضمن المنظومة.

خدمة منقوصة وهروب من الاشتراك

في الإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، رصدت تغطيات صحفية نقصًا في مواعيد الحجز، ومستشفيات متعاقدة على خدمة واحدة فقط -كالغسيل الكلوي- دون الخدمات المكمّلة، ما يضطر المريض لتحمّل تكلفة الأدوية والتحاليل بنفسه رغم اشتراكه في منظومة يُفترض أن تغطيها.

وفي الأقصر وقنا، أعرب مواطنون عن غضبهم لاضطرارهم إلى تغيير عنوان إقامتهم المسجل عبر عقود إيجار صورية والانتقال ورقيًا إلى محافظات لم تصلها المنظومة بعد، تجنبًا لاشتراكات إجبارية لا يقابلها حصول فعلي على الخدمة.

شكاوى تتصاعد والبرلمان يتدخل

في السويس، أعلن النائب جلال مازن إنهاء تعاونه بالكامل مع مسؤولي هيئتي الرعاية الصحية والتأمين الصحي بالمحافظة، مؤكدًا تصعيد كل الشكاوى إلى الوزارة مباشرة.

فيما طالب النائب سيد حنفي طه، أواخر يونيو الماضي، الحكومة بإجراءات عاجلة، مشيرًا إلى تزايد الشكاوى بسبب الزحام الشديد وطول الانتظار ونقص بعض الأدوية، ودعا إلى زيادة الأطباء والتمريض، والتوسع في الحجز الإلكتروني، وضبط المخزون الدوائي، ومحاسبة المقصرين.

ومع انطلاق التشغيل التجريبي في أسوان، تداول مستخدم باسم مستعار «عباد الرحمن» -في مجموعة فيسبوك لمتضرري المنظومة- شكوى شخصية عن حجز موعد لخلع ضرس استغرق نحو أسبوعين رغم أنه مريض بالمعاش يعاني أمراضًا مزمنة، واصفًا الخط الساخن بالمعطّل.

بينما قدّمت أحلام محمد من دمياط شهادتها على فيسبوك، قائلة: مريض تأمين يحتاج موافقة على عملية يُضطر للسفر إلى مستشفى جديلة بالدقهلية أكثر من مرة -أولاً لاكتشاف نقص أوراق كان الطبيب المُحوِّل على علم بها، ثم انتظار شهر كامل لموعد العرض على الطبيب (أول اثنين من كل شهر)، ثم العودة لاستلام القرار يوم السبت التالي.

وتساءلت: “لماذا لا يوجد مركز مختص في كل محافظة بدل تكدس الحالات في منشأة واحدة؟”.

رغم تلك الأزمات، أعلنت الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل تحقيق 281.3 مليار جنيه إيرادات و220.3 مليار جنيه فائضًا متراكمًا حتى أبريل 2026، مقابل نسبة تغطية إيرادات لمطالبات المحافظات بلغت 72.5% -أعلى من توقعات الدراسة الاكتوارية (66.6%).

وفي العام المالي (2024 – 2025) بلغ الفائض 52.2 مليار جنيه (وسائل إعلام محلية). السؤال الذي لا تُجيب عنه هذه الأرقام: “كم منها يذهب فعليًا لسد نقص الأطباء والتخصصات في محافظات مثل المنيا، مقابل ما يُحتفظ به كاستثمارات وأرصدة نقدية؟”.

رغم سنوات من التحضير، وحملات دعائية متتالية تبشّر باكتمال الجاهزية في كل محافظة جديدة، لا تزال منظومة التأمين الصحي الشامل تعاني الفجوة نفسها بين ما يُعلن وما يعيشه المواطن: نقص في الكوادر والتخصصات، وإجراءات معقدة تُرهق المريض، وشكاوى تتكرر من محافظة لأخرى رغم تقارير الإنجاز المتلاحقة.

أضف تعليقك
شارك