لم تعد نسب الرسوب المرتفعة في كليات الطب بصعيد مصر مجرد نتائج جامعية عابرة، بعدما رسب مئات الطلاب في السنة الدراسية الأولى، لتفتح باب التساؤلات حول أسباب الفجوة بين المجاميع المرتفعة في الثانوية العامة ومستوى الأداء داخل كليات الطب.
وتباينت التفسيرات بين ضعف التأهيل العلمي لبعض الطلاب، وفرضية تأثير الغش في الثانوية العامة على منظومة القبول، مطالبين بإجراء تحقيقات تكشف الأسباب الحقيقية، في ضوء استعداد الأسر لتنسيق الثانوية العامة للعام الدراسي 2026/ 2027.
نسب رسوب مرتفعة
بدأ الجدل بعد إعلان نتائج الفرقة الأولى بكليات الطب في عدد من جامعات الصعيد، والتي أظهرت نسب رسوب مرتفعة بصورة لافتة.
كانت كلية الطب البشري بجامعة جنوب الوادي (فرع قنا) أولى الكليات التي أثارت الجدل، بعدما سجلت للعام الثاني على التوالي تراجعًا في نسبة النجاح بالفرقة الأولى.
وأظهرت نتائج العام الجامعي 2025/2026 نجاح 33% فقط من الطلاب، مقابل رسوب 67%، بعدما كانت نسبة النجاح في العام الجامعي السابق 2024/2025 (دور سبتمبر) نحو 38.4%، لتواصل النتائج تراجعها للعام الثاني على التوالي.
وأكد الدكتور أحمد عكاوي، رئيس جامعة جنوب الوادي، أن الجامعة لن تمنح شهادة التخرج إلا لمن يستوفي المعايير الأكاديمية المطلوبة.
وأوضح أن ارتفاع نسب الرسوب لا يعكس وجود مشكلة في أعمال التصحيح، وإنما يؤكد التزام الجامعة بتطبيق المعايير العلمية التي أقرتها لجان القطاع المختصة.
وشدد على أن الطالب الذي لا يمتلك الحد الأدنى من المعارف والمهارات لن يتخرج مهما كانت الاعتراضات.
طب أسيوط
ولم تكن جامعة أسيوط بعيدة عن المشهد، إذ كشفت نتائج الفرقة الأولى بكلية الطب عن انخفاض ملحوظ في نسبة النجاح.
وقال الدكتور علاء عطية، عميد كلية الطب بجامعة أسيوط، إن نسبة النجاح بلغت 44% فقط، موضحًا أن عدد المتقدمين للامتحانات بلغ 867 طالبًا ببرنامج الطب الحكومي و618 طالبًا ببرنامج الطب الأهلي، نجح منهم 331 طالبًا.
وأشار إلى وجود مشكلة تتعلق بضعف التأهيل العلمي لبعض الطلاب المقبولين بالكلية، رغم حصولهم على درجات مرتفعة في الثانوية العامة، موضحًا أن بعضهم لا يمتلك المهارات أو الاستعداد الأكاديمي اللازم لدراسة الطب.
طب سوهاج
وفي جامعة سوهاج، جاءت النتائج لتؤكد أن الظاهرة لا تقتصر على جامعة بعينها، بعدما بلغت نسبة النجاح في الفرقة الأولى بكلية الطب البشري 51.03%، مقابل رسوب 48.97% من الطلاب.
وأعلنت الجامعة اعتماد النتيجة عقب الانتهاء من أعمال التصحيح والمراجعة ورصد الدرجات، مؤكدة أن جميع مراحل التقييم جرت وفق أعلى معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي، وأن منظومة الامتحانات لم تشهد أي تغييرات.
وفي المقابل، سجلت الفرقة الثانية بكلية الطب نسبة نجاح مرتفعة بلغت 94.76%، وهو ما أعاد طرح التساؤلات حول أسباب الفجوة الكبيرة بين نتائج الفرقتين، واعتبار السنة الأولى المرحلة الأكثر صعوبة أمام طلاب الطب.
وقال الدكتور محمد نصر الدين ثابت، عميد كلية الطب البشري بجامعة سوهاج، إن انخفاض نسبة النجاح لا يرتبط بصعوبة الامتحانات، وإنما يعكس مستويات الطلاب.
وأوضح أن انخفاض نسب النجاح في الفرقة الأولى ليس ظاهرة جديدة، بل تكرر خلال الأعوام الماضية، مشيرًا إلى أن نتائج عام 2025 شهدت رسوب 46.2% من طلاب الفرقة الأولى، وهو ما يعكس تفاوت مستويات الدفعات مع ثبات منظومة التقييم.
الجدل يتسع
أثارت نسب الرسوب المرتفعة تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأرجع وليد عبدالغني، عبر “فيس بوك”، رسوب 67% من طلاب الفرقة الأولى بإحدى كليات الطب، مقابل نجاح 33% فقط، إلى ضعف التأهيل قبل الالتحاق بالتعليم الجامعي، معتبرًا أن بعض الطلاب حصلوا على مجموع مرتفع في الثانوية العامة دون امتلاك المقومات النفسية والذهنية اللازمة لدراسة الطب.
وأشار إلى أنه التقى بحالات اعترفت بأن تفوقها في الثانوية العامة كان نتيجة الغش، قبل أن تدرك لاحقًا أنها أخطأت في اختيار دراسة الطب.
وقال رامي سعد العربي إن الجدل حول وقائع الغش في الثانوية العامة يهدد الثقة في عدالة منظومة التعليم، مطالبًا بفتح تحقيق في الفجوة بين مجاميع الثانوية ونتائج السنة الأولى بكليات الطب.
واستشهد بانخفاض نسب النجاح في عدد من الكليات، معتبرًا أن هذه النتائج تثير تساؤلات حول كفاءة منظومة التقييم، وأن انتشار الغش يهدد قيم العدالة وتكافؤ الفرص.
ورأت الدكتورة هاجر محمود عمر أن ارتفاع نسبة الرسوب في الفرقة الأولى بكلية الطب بجامعة سوهاج للعام الرابع على التوالي يثير تساؤلات حول منظومة القبول ومدى كفاءة مخرجات الثانوية العامة.
وطالبت بفتح تحقيق فيما أثير بشأن وجود لجان يحيط بها الجدل في الثانوية العامة، داعية إلى مطابقة أسماء الطلاب الراسبين في الفرقة الأولى بكليات الطب مع كشوف اللجان التي أدوا بها امتحانات الثانوية العامة، للوقوف على حقيقة ما يتردد بشأن هذه الظاهرة.
تفسيرات مختلفة للظاهرة
وقدم أساتذة الجامعات تفسيرات مختلفة لأسباب ارتفاع نسب الرسوب، في ظل غياب أي تحقيق رسمي يربط بشكل قاطع بين نتائج الثانوية العامة والأداء الجامعي.
وقال الدكتور علي غويل، عميد كلية الطب بجامعة قنا سابقًا، إن دراسة أجرتها جامعة جنوب الوادي قبل تغيير اسمها إلى جامعة قنا حول أسباب ارتفاع نسبة الرسوب في كلية الطب، والتي بلغت 80% عام 2023، أظهرت أن عددًا كبيرًا من الطلاب حصلوا على مجاميع أهلتهم للالتحاق بالكلية عن طريق الغش في الثانوية العامة، ومن أماكن معروفة للجميع، لكنهم لم يتمكنوا من اجتياز الدراسة الجامعية، لافتًا إلى أن غالبيتهم حولوا إلى كليات أخرى.
من جانبه، رأى الإعلامي محمد علي خير أن الارتفاع الكبير في نسب الرسوب بكليات الطب في محافظات الصعيد يرجع بالأساس إلى تمكن طلاب “لجان الأكابر” من الالتحاق بكليات الطب عن طريق الغش.
وقال إن الطلاب الذين يدخلون كليات الطب بالغش يحرمون آخرين أكثر استحقاقًا من مقاعدهم، مطالبًا بإصلاح منظومة الثانوية العامة، ومعربًا عن أسفه لتكرار هذه النتائج عامًا بعد آخر.
التوسع في كليات الطب
وبينما انصب جانب كبير من الجدل على أسباب ارتفاع نسب الرسوب، برز عامل آخر اعتبره متخصصون جزءًا من المشهد، وهو التوسع الكبير الذي شهدته كليات الطب في مصر خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع إجمالي عدد طلاب الطب البشري في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والجامعات ذات الطابع الخاص من نحو 65.1 ألف طالب في العام الدراسي 2015/2016 إلى نحو 162.3 ألف طالب في 2024/2025، بزيادة تقارب 150% خلال عشر سنوات.
وجاءت أعداد الطلاب على مدار السنوات كالتالي: 65.1 ألف طالب في 2015/2016، و72.8 ألفًا في 2016/2017، و78.2 ألفًا في 2017/2018، و83.9 ألفًا في 2018/2019، و91.5 ألفًا في 2019/2020، و104.5 ألف طالب في 2020/2021، و114.5 ألف طالب في 2021/2022، و142 ألف طالب في 2022/2023، و151.5 ألف طالب في 2023/2024، وصولًا إلى 162.3 ألف طالب في 2024/2025.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، إن عدد كليات الطب في مصر بلغ 59 كلية، موزعة بواقع 24 كلية حكومية، و20 كلية أهلية، و12 كلية خاصة، وكليتين لفروع جامعات أجنبية، وكلية واحدة ضمن جامعات باتفاقيات دولية.
مطالب بخفض أعداد المقبولين
ومع هذا التوسع، تزايدت مطالب بإعادة النظر في أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبي.
وقال الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء، إن المطالبة بخفض أعداد المقبولين بالكليات الصحية تستهدف في المقام الأول الحفاظ على جودة التعليم الطبي ومستوى الخريجين.
من جانبه، قال الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، إن الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين خلال السنوات الأخيرة أصبحت تمثل تحديًا حقيقيًا لمنظومة التدريب والعمل، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة داخل المستشفيات الجامعية، وهو ما يؤثر على جودة التدريب الإكلينيكي الذي يحصل عليه الطبيب قبل ممارسة المهنة.
توصية بخفض الأعداد
وتزامنًا مع هذه المطالب، اتجهت اللجنة التنسيقية للكليات الصحية إلى اقتراح خفض أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبي اعتبارًا من العام الجامعي الجديد.
ففي يونيو 2026، تقدمت اللجنة التنسيقية للكليات الصحية، برئاسة الدكتور أشرف حاتم، بمقترح إلى المجلس الأعلى للجامعات يقضي بتخفيض أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبي في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، مبررة ذلك بالزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين مقارنة باحتياجات سوق العمل.
وقال الدكتور علاء بلبع، رئيس لجنة قطاع كليات العلاج الطبيعي بالمجلس الأعلى للجامعات، إن كليات القطاع الطبي استقبلت نحو 37 ألف طالب خلال العام الماضي، بينما لا يتجاوز الاحتياج الفعلي لسوق العمل 15 ألف طبيب سنويًا، وهو ما يعكس وجود فجوة واضحة بين أعداد الخريجين واحتياجات القطاع الصحي.
ورغم اختلاف التفسيرات، يبقى القاسم المشترك بينها هو الدعوة إلى مراجعة شاملة لمنظومة التعليم الطبي، بداية من القبول في كليات القطاع الصحي، مرورًا بالتأهيل قبل الالتحاق بالجامعة، ووصولًا إلى الحفاظ على جودة التدريب والمعايير الأكاديمية، بما يضمن تخريج أطباء يمتلكون الكفاءة العلمية والمهنية، ويحافظون على ثقة المجتمع في منظومة التعليم الطبي.