“المشتري يدفع.. والمطور يتعثر”.. هل تستطيع اللجنة الرئاسية حل أزمة العقارات المتأخرة؟

يقف آلاف المشترين في طابور انتظار لا يعرفون متى ينتهي؛ دفعوا مقدمات وحداتهم، وواصلوا سداد الأقساط، لكن موعد التسليم مضى، والمفتاح لم يصل.

ومع تراكم شكاوى التأخير والتعثر، وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسي في 10 أغسطس 2026 بتشكيل لجنة لمتابعة المشروعات العقارية، والتأكد من التزام الشركات بمواعيد التسليم والعقود واستكمال أعمال البنية الأساسية ومحاسبة المخالفين، مع إطلاعه دوريًا على الإجراءات المتخذة.

لكن خلف قرار تشكيل اللجنة يبرز سؤال أكبر من موعد التسليم: من يحمي أموال المواطن عندما يدفع ثمن البيت، ولا يحصل على المفتاح؟

أموال دُفعت.. ووحدات لم تُسلم

بالنسبة للمشترين، لا تتوقف الأزمة عند تأخر استلام الوحدة، وإنما تمتد إلى أموال تظل مرتبطة بمشروع لم يكتمل، بينما تستمر الأقساط.

يقول مصطفى عبدالعليم، أحد المتضررين من تأخر التسليم، إن بعض العملاء ينتظرون وحداتهم منذ أعوام 2021 و2023 و2024، بينما يواصلون السداد. ويشير إلى تعديلات أجرتها بعض الشركات على المخططات الرئيسية، شملت اللاندسكيب والأنشطة التجارية ومساحات الطرق، دون الرجوع إلى العملاء.

ولا يبدو الانسحاب حلًا جذابًا، إذ يقول إن بعض الشركات ترد الأموال على فترات طويلة وبعد خصومات إدارية، بما يؤدي إلى تآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم.

وفي مشروع East Tower بالعاصمة الإدارية الجديدة التابع لشركة UC Developments، يقول مئات الحاجزين إنهم فوجئوا، بعد مرور أربع سنوات، بعدم تحقيق تقدم إنشائي بالمشروع، رغم تجاوز موعد التسليم المحدد في يناير 2026، بينما التزم المشترون بتعهداتهم المالية.

وفي مشروع «سيتي سنترال» بالدقي، ينتظر أكثر من 1400 مالك تسلم وحداتهم بعد أكثر من 14 عامًا على التعاقد وسداد كامل الأقساط، في ظل توقف المشروع وعدم اكتمال أعمال البناء.

وقال اللواء زكي الرفاعي، أحد الملاك، إن تخصيص الوحدات بدأ قبل تسجيل الأرض والحصول على رخصة البناء، التي لم تصدر إلا عام 2014، مشيرًا إلى عدم بدء التنفيذ خلال الفترة من 2017 إلى 2020، وعدم تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية حتى الآن.

حين يتأخر التسليم.. حتى في مشروعات الدولة

ولا تقتصر الشكاوى على مشروعات الشركات الخاصة، إذ امتدت إلى مشروعات تابعة لجهات حكومية.

ففي مشروع «صواري» بالإسكندرية، قال حسام مرسي إن التأخر لسنوات، إلى جانب ارتفاع الأسعار وسداد ودائع الصيانة، أفقد المواطنين الثقة في مشروعات الدولة. وأشارت هالة وصفي إلى تأخر التسليم لأكثر من ثلاث سنوات ووجود تشطيبات بخامات أقل من المتعاقد عليها ومخالفات في السباكة والكهرباء، بينما تحدث عمير رمضان عن مشكلات في الخامات والمصاعد والتأخير.

وتساءل محمد مصطفى عن جدوى طرح مشروعات إسكان فاخر دون القدرة على إدارتها، فيما أشار إسلام لبيب إلى أخطاء في التصميم والتنفيذ وتأخر الإجراءات.

وفي مشروع آخر، ينتظر نحو 13 ألف حاجز منذ عام 2005 الحصول على وحداتهم بعد سداد مقدمات الحجز والأقساط. وقال عصام مطاوع إنه حجز شقة عام 2008 وسدد 5 آلاف جنيه مقدمًا، لكنه لم يتسلمها حتى الآن.

ووصفت هانم محمد سنوات الانتظار بأنها «رحلة عذاب»، موضحة أن معاشها البالغ 3 آلاف جنيه لا يكفي، وأن الإيجار يلتهم أكثر من 75% من دخلها، مع إعالتها ابنتها المطلقة وحفيدتيها.

وامتدت الشكاوى إلى مشروعات «داره» التابعة لصندوق التنمية الحضرية؛ إذ أوضح عمرو بغدادي، نيابة عن حاجزي «داره – شبرا الخيمة»، أنهم تعاقدوا على وحدات كاملة التشطيب مع وعود بالتسليم خلال عام، قبل تمديد المدة واحتمالية التأجيل حتى نهاية 2026، رغم جاهزية الوحدات، مرجعًا التأخير إلى المرافق والتشغيل وتباطؤ العمل.

وتعكس أرقام منظومة الشكاوى الحكومية استمرار الضغط على قطاع الإسكان؛ إذ استقبل القطاع أكثر من 21 ألف شكوى في يناير 2026، و19 ألفًا في فبراير، و17.9 ألف في مارس، و25.7 ألف طلب في أبريل، و34 ألف شكوى في يونيو، و23.3 ألفًا في يوليو.

المواطن ممول للمشاريع

جزء من الأزمة يرتبط بنموذج «البيع على الخريطة» السائد في السوق المصرية، حيث يدفع المشتري مقدمًا يتراوح عادة بين 3% و10% من قيمة الوحدة، ثم يسدد باقي المبلغ على فترات قد تمتد إلى 14 عامًا، بينما يتم التسليم خلال نحو خمس سنوات.

يوفر النموذج للمطورين مصدرًا لتمويل جانب من الإنشاءات عبر مقدمات الحجز والأقساط، لكنه ينقل جزءًا من مخاطر التنفيذ إلى المشتري؛ فإذا تعثر المشروع، تظل أموال العميل مرتبطة به، بينما قد تمنح بعض البنود التعاقدية المطور مرونة أكبر في مواعيد التنفيذ والاسترداد وغرامات التأخير.

وهنا لا يعود السؤال فقط: متى سيُسلّم المشروع؟ بل: ماذا يحدث للأموال التي دُفعت لتمويله إذا تعثر؟

لماذا تتعثر المشروعات؟

لا يوجد سبب واحد للتعثر.

يرى طارق بهاء، الخبير العقاري وعضو جمعية رجال الأعمال المصريين، أن بعض الشركات تتباطأ بسبب مخاطر جيوسياسية وتأخر استيراد المواد الخام واضطرابات سلاسل الإمداد، داعيًا إلى مراعاة مواعيد تسلم المطورين للأراضي ودخول المرافق.

ويرى أن التوجيه الرئاسي يحافظ على حقوق العملاء ويعزز شفافية السوق وجاذبيتها.

أما أنس الكيلاني، المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، فيرى أن تعثر بعض المطورين أثر في سمعة السوق، خصوصًا مع دخول شركات إلى العاصمة الإدارية الجديدة دون ملاءة مالية كافية.

ويربط عبدالمجيد جادو التأخيرات بالتضخم وارتفاع تكاليف البناء وعدم كفاية التمويل، بينما يشير عبدالرحمن خليل إلى دخول شركات تفتقر إلى الخبرة والاعتماد على دراسات جدوى لم تستوعب التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنشاء.

ويقول خليل إن بعض الشركات المتعثرة تعيد جدولة التزاماتها وتتفاوض مع العملاء، فيما تلجأ أخرى إلى إطلاق مشروعات جديدة لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال مشروعات قائمة، ما يثير مخاوف بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

من الرقابة لحماية الأموال

سبق التوجيه الرئاسي بحث مجلس الوزراء إنشاء كيان موحد للمطورين وتصنيف الشركات وفق قدراتها المالية والفنية، إلى جانب إعداد إطار تشريعي ومؤسسي لتنظيم السوق وتحقيق التوازن بين حقوق الدولة والعملاء والمطورين.

ويرى أيمن إسماعيل أبو هند، الرئيس التنفيذي للاستثمار في صندوق «سيغنيفيكا فينشرز»، أن السوق تحتاج إلى الانتقال من التركيز على حجم المبيعات إلى تقييم الملاءة المالية للمطورين ونسب الإنجاز وقدرتهم على تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

بينما اعتبر أسامة سعدالدين، المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري، التوجيه خطوة لتعزيز الرقابة وحماية العملاء.

ماذا تستطيع اللجنة أن تفعل؟

يرى المستشار محمد رجب ضرورة منح اللجان صلاحيات تنفيذية وإلزامية لفرض العقوبات والتعويضات، مع وضع عقود أكثر توازنًا وتسهيل تسجيل الوحدات وتسوية النزاعات، إلى جانب تفعيل «الرقم القومي للعقار».

أما الخبير الاقتصادي هاني توفيق، فيقترح إلزام الشركات باستخدام حسابات ضمان مستقلة لكل مشروع، تودع فيها أموال المشترين ولا تستخدم إلا في الأعمال الإنشائية وفق نسب تنفيذ معتمدة، محذرًا من استخدام أموال العملاء في الوفاء بالتزامات أخرى.

اتحاد المطورين.. وهل يكفي؟

ضمن الحلول المطروحة، تتجه الدولة إلى إنشاء كيان رسمي للمطورين وتصنيفهم وفق معايير مالية وفنية، بما يمنع دخول مطورين لا يملكون القدرة على تنفيذ المشروعات.

وأكدت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي أن المشروع يستهدف حماية حقوق المواطنين والالتزام بمواعيد التسليم، مع هيكل تنظيمي يحاكي اتحاد مقاولي التشييد والبناء.

ويرى أنس الكيلاني أن الكيان الجديد يجب أن يتضمن آليات للتعامل مع المشروعات المتعثرة، ومنها تدخل الحكومة لاستكمال المشروع مقابل حصول هيئة المجتمعات العمرانية على حقوقه.

ويؤكد محمود سامي أن إنشاء كيان للمطورين أصبح ضرورة لمواجهة فوضى السوق، مشيرًا إلى ضوابط حاكمة في أسواق عقارية أخرى.

ويرى النائب عبدالخالق إبراهيم أن إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق بالكامل

سيكون أكثر شمولًا، معتبرًا اتحاد المطورين خطوة إيجابية لكنها لا تكفي.

بينما يرى طارق شكري، رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب ورئيس مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري، أن الكيان الموحد يمكن أن يتولى تصنيف الشركات وإنشاء لجنة لفض المنازعات.

وطالب أحمد السيد مؤسس شركة “زد كي” للتسويق العقاري بوضع مؤشرات استرشادية للأسعار وتنظيم نشاط الوسطاء وتشديد الرقابة على تسويق مشروعات الشركات ضعيفة الملاءة.

اختبار حقيقي للجنة

أما مجلس النواب، فيبدو مستعدًا للدخول على خط الأزمة.

وقال النائب عمرو درويش إن تأخر التسليم والتلاعب ببنود التعاقدات يحتاجان إلى حوكمة حقيقية، مؤكدًا أهمية اللجنة الرئاسية في مراجعة التزام المطورين، لكنه شدد على أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب التشريع، وإنما أيضًا بالتطبيق والتلاعب في بعض العقود.

وتواجه اللجنة، بذلك، اختبارًا يتجاوز حصر المشروعات المتأخرة أو مطالبة الشركات بجداول زمنية جديدة؛ إذ يتوقف نجاحها على قدرتها على تحديد أسباب التعثر، والتمييز بين مشكلة مؤقتة يمكن علاجها وإخفاق مالي أو إداري يهدد المشروع بالكامل، ثم تحديد أدوات التدخل لحماية المشترين.

ويبقى القطاع العقاري أحد محركات الاقتصاد المصري وجاذبًا رئيسيًا للاستثمارات، إذ جذبت مصر خلال آخر أربعة أعوام استثمارات أجنبية بقيمة 37 مليار دولار، منها 31.1 مليار دولار من صفقتي رأس الحكمة وعلم الروم.

لكن الحفاظ على جاذبية السوق لا ينفصل عن حماية الثقة فيها. فكلما توسع البيع قبل اكتمال البناء، زادت الحاجة إلى التأكد من قدرة المطور على تنفيذ ما باعه، وحماية أموال المشترين إذا فشل في ذلك.

لذلك، لن يقاس نجاح اللجنة فقط بعدد المشروعات التي ستراجعها أو الجداول الزمنية التي ستضعها، وإنما بقدرتها على اكتشاف التعثر مبكرًا، ومحاسبة المخالفين، ومعالجة المشروعات المتوقفة، ووضع آليات تمنع تحول أموال المشترين إلى ضحية لتعثر المطور.

أضف تعليقك
شارك