كورنيش النيل للبيع.. الحكومة تستعد لطرح عشرات الأراضي للاستثمار الخليجي

من الساحل الشمالي إلى قلب القاهرة، لم يعد هناك شيء بعيدًا عن التفريط.. الحكومة تتجه لطرح 136 قطعة على ضفاف النيل للمستثمرين، وتتلقى طلبات مسبقة من الخليج، في محاولة لسد العجز والديون وفوائدها.. فهل يدفع المصريون الثمن من مساحات تنفسهم؟

طرح 136 قطعة مميزة على النيل

قبل أيام، أعلن خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، أن مصر ستبدأ الترويج للأراضي المطلة على كورنيش النيل بالقاهرة والجيزة خلال شهرين.

وقال إنه جرى تشكيل لجنة من رئاسة مجلس الوزراء والصندوق لتلقي طلبات المستثمرين ودراستها.

وذكر صديق على هامش مؤتمر «إنفست جيت» العقاري أن الصندوق تلقى ثلاثة طلبات من مستثمرين خليجيين من الإمارات والسعودية وقطر، وأن إجمالي القطع المقرر تجهيزها يقدر بنحو 136 قطعة، مع استمرار حصر أراضٍ أخرى مطلة على النهر بمحافظة القليوبية.

وأوضح أن ملكية الأراضي لا تتركز بالكامل لدى الصندوق، بل تتوزع بين جهات حكومية متعددة. ومن بينها أرض تابعة لمؤسسة «أخبار اليوم» الصحفية، تُدرس بشأنها عروض بعض الشركات.

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد قال في أغسطس 2025 إن الأراضي المطلة على النيل «غير مستغلة بالشكل الأنسب»، وإن قيمتها تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات. وأعلن حينها حصرها وتقييمها بسعر السوق، ووضع خطط لاستخدامها في أنشطة سياحية أو سكنية وإدارية.

حصر وإخلاء.. كيف مُهد للطرح؟

جرى حصر 745 فدانًا من الأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل في 192 موقعًا بالقاهرة والجيزة. منها 430 فدانًا بأحياء الساحل وروض الفرج وبولاق أبو العلا ومصر القديمة ودار السلام والمعادي، ونحو 315 فدانًا بالوراق وإمبابة والعجوزة والدقي وجنوب الجيزة.

وجاء الحصر تمهيدًا لتحويلها إلى فرص استثمارية سياحية وفندقية وتجارية.

وفي 13 أغسطس 2025، أقر الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 168 لسنة 2025 بشأن قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة. ويحدد القانون طرق التصرف في الأراضي بالبيع أو الإيجار أو الإيجار المنتهي بالتمليك أو الترخيص بالانتفاع.

وقبل ذلك، في سبتمبر 2024، قرر جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة إخلاء 70 ألف متر مربع على كورنيش النيل بجزيرة منيل الروضة.

وشمل القرار إنهاء عقود انتفاع نوادي أعضاء هيئة التدريس ومستشاري النيابة الإدارية وقضاة مجلس الدولة، وكلية السياحة والفنادق، والمسرح العائم، وحديقة أم كلثوم، ومقر شرطة المسطحات المائية.

«كفاية تدمير في مجرى النهر»

قوبل الإعلان بردود فعل رافضة من شخصيات عامة ومواطنين، تركزت على مخاوف من تحويل الضفاف إلى مشروعات استثمارية على حساب المساحات العامة والخضراء.

واستنكرت الدكتورة علياء المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقًا، عرض 136 قطعة أرض على النيل أمام المستثمرين العرب أو المصريين، وعلقت: «كفاية تدمير في مجرى النهر في القاهرة».

وسخرت من تصريحات رئيس صندوق التنمية الحضرية، ودعت إلى استغلال أراضٍ بديلة في العاصمة الإدارية الجديدة «لتحويلها من صحراء إلى جنة».

وكتب عادل دوبان عبر حسابه على «فيسبوك»: «بيعي يا حكومة ما تخليش فيها مكان إلا لما تبيعيه، جايز تعرفوا تسددوا الديون اللي اخدتها الحكومة والشعب مش عارف اتصرفت في إيه».

وتساءل: «كان فين صندوق التنمية الحضرية لما كانت الأشجار بتقطع في كل الشوارع بالمدن، ولا هو مالوش غير في البيع؟».

كما تساءل مجد الدين قاسم، رئيس لجنة نقابية بإحدى الشركات سابقًا: «إلى أين نذهب في طريقة تعاملنا مع أصول وموارد هذا الوطن؟ وماذا سنترك للأجيال القادمة؟».

وشدد على أن النيل ليس مجرد «واجهة استثمارية»، وأن أصول الدولة ليست ثروة تُستهلك اليوم ثم تُترك فاتورتها للأجيال المقبلة.

وأضاف أن مصر تحتاج إلى الاستثمار والتنمية وجذب رؤوس الأموال، «لكن ليس كل ما يمكن بيعه يجب أن يُباع، وليس كل أرض يمكن البناء عليها يجب أن تتحول إلى مشروع، وليس كل عائد سريع يُسمى تنمية».

ودعا إلى مراجعة شفافة لسياسات طرح وبيع أصول الدولة، خصوصًا الأراضي المرتبطة بالنيل وقيمته البيئية والتاريخية.

الاحتلال لم يفعلها

في المقابل، لم يعترض محمد حسن، عبر حسابه على «فيسبوك»، على الاستثمار في حد ذاته. لكنه دعا إلى طرح الأراضي بنظام المشاركة بدلًا من البيع، مع تحديد مدة زمنية للتنفيذ، مشيرًا إلى أراضٍ وفنادق بيعت منذ سنوات وتركها المستثمر، بحسب تعبيره، «خرابة».

وكتبت نادية نصر عبر منصة «إكس»: «منذ عهود طويلة احتلت مصر مرات عديدة من قوى استعمارية متعددة، لم نسمع أن مستعمرًا طرد الناس من بيوتهم المطلة على نهر النيل ليبيع الأراضي إلى الخليجيين. من يحكم مصر الآن تتار لأنهم كانوا يحولون البلاد إلى خراب».

رائحة الديون تفوح

تأتي خطة الطرح في وقت تواجه فيه مصر التزامات خارجية كبيرة. ففي أغسطس 2026، كشفت بيانات البنك الدولي أن على مصر سداد 62.8 مليار دولار من القروض الخارجية خلال 12 شهرًا، من أبريل 2026 حتى مارس 2027.

وتشمل هذه المبالغ 7 مليارات دولار فوائد و55.8 مليار دولار أقساط قروض.

وتتضمن الأقساط 21.1 مليار دولار ودائع وعملات، معظمها من دول الخليج التي تعهدت بتجديدها وتحويل معظمها إلى استثمارات.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 865 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026، ليصل إلى 164.7 مليار دولار، مدفوعًا بزيادة قروض الحكومة والبنوك. وبلغت قروض الحكومة 82.84 مليار دولار، وقروض البنوك 24.75 مليار دولار، بينما تراجعت قروض البنك المركزي إلى 35.77 مليار دولار، وقروض القطاعات الأخرى إلى 21.4 مليار دولار.

في المقابل، تجاوز صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي 55 مليار دولار، وفق بيانات رسمية حديثة.

من رأس الحكمة وعلم الروم إلى النهر

في فبراير 2024، وقعت مصر عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» على الساحل الشمالي بشراكة إماراتية.

وقُدرت الاستثمارات الإجمالية بنحو 150 مليار دولار خلال مدة التطوير، منها نحو 35 مليار دولار استثمارًا أجنبيًا مباشرًا للخزانة المصرية خلال شهرين، وفق الأرقام المعلنة وقتها.

وفي نوفمبر 2025، وقعت الحكومة، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، اتفاقًا مع شركة «الديار» القطرية لتطوير منطقة «علم الروم» على ساحل المتوسط، باستثمارات إجمالية تقترب من 30 مليار دولار.

وعلى خلاف المشروعات الساحلية، تقع أراضي النيل داخل تجمعات سكانية قائمة، وترتبط باستخدامات عامة واجتماعية وبيئية.

نجاح الاستثمار في أراضي النيل لن يُقاس فقط بحجم الأموال التي ستضخ، وإنما أيضًا بما سيُترك للمصريين من حقوق ومساحات عامة وعوائد تنموية، بدلًا من أن تتحول الأصول الموروثة إلى مصدر سريع للسيولة، بينما تبقى فاتورة الديون والأعباء الاقتصادية ممتدة لسنوات مقبلة.

أضف تعليقك
شارك