خلف الأبراج التي ترتفع في سماء العاصمة الجديدة، هناك مشروعات لا تتحرك بالسرعة نفسها، ومطورون خرجوا من المشهد، ومشترون عالقون في تعاقدات لا يستطيعون ببساطة الخروج منها.
في الأسبوع الماضي، فسخت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانيةعقود 6 شركات لما وصفته بعدم الجدية، في وقت تؤكد فيه الشركة عدم وجود تعثر عام بين المطورين داخل العاصمة. وبالتزامن، بدأت الحكومة حصرًا شاملًا للمشروعات المتعثرة في السوق العقارية لتحديد أعدادها وأسبابها وسبل التعامل معها.
ورصدت «أحوال مصرية» 14 حالة ومشروعًا ارتبطت بالانسحاب أو إنهاء التعاقد أو تعثر التنفيذ أو تأخر التسليم، لتطرح السؤال الأهم: ماذا يحدث للمشتري وأمواله عندما يتأخر المشروع أو يخرج المطور من المشهد؟
6 حالات خروج
في 8 سبتمبر 2026، كشف خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، عن 6 حالات لإنهاء أو فسخ تعاقدات مرتبطة بالأراضي منذ نشأة العاصمة، موضحًا أن هذه الحالات كانت في الأساس فسخ تعاقدات بالتراضي، وأن المطور الذي يواجه صعوبة في استكمال المشروع يمكنه تسليم الأرض واسترداد أمواله وفق الأطر القانونية.
وأرجع عباس التأخيرات الحالية للظروف الاقتصادية والحروب العالمية وما خلفته من ضغوط على تكاليف التنفيذ والسيولة، مؤكدا عدم وجود تعثر عام بين المطورين داخل العاصمة.
وتتعامل الشركة مع المشروعات المتأخرة بحسب ظروف كل حالة، وليس باعتبار كل تأخير تعثرًا ماليًا أو فشلًا للمشروع بحسب “عباس”.
ويبلغ حجم أصول العاصمة الإدارية حوالي 400 مليار جنيه، بحسب تصريحات رئيس الشركة المهندس خالد عباس، موضحا أن الشركة سددت للدولة 40 مليار جنيه خلال الـ 10 سنوات الماضية.
ولم يكشف عباس في تصريحاته عن أسماء الشركات التي تم فسخ أو إنهاء التعاقد معها.
وفي الوقت نفسه، تؤكد وزارة الإسكان أن التعامل مع المشروعات المتأخرة لا يبدأ تلقائيًا بسحب الأرض. فالدكتور وليد عباس، نائب وزير الإسكان لشؤون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أوضح أن تقييم كل مشروع يرتبط بجدية المطور ونسب التنفيذ، مع إمكان منحه مهلة إضافية أو إعادة تقييم وضع المشروع أو إدخال مطور شريك قبل الوصول إلى سحب الأرض.
وبحسب عباس، فإن سحب الأرض ليس الخيار الأول دائمًا؛ فإذا تعذر على المطور الاستمرار، يمكن إسناد استكمال المشروع إلى مطور عقاري آخر، أو تتولى هيئة المجتمعات العمرانية استكماله، مع الحفاظ على حقوق المشترين وفق الأطر القانونية.
ورغم ضخامة السوق العقارية، التي تضم مئات المطورين وآلاف المشروعات، لم تعلن الحكومة حتى الآن رقمًا نهائيًا لحجم المشروعات المتعثرة، بعدما بدأت في سبتمبر حصرًا شاملًا لتحديد عددها وأسباب تعثرها وآليات إنقاذها.
14 حالة تعثر
ورصدت «أحوال مصرية» 14 حالة ومشروعًا ارتبطت خلال السنوات الماضية بالانسحاب أو إنهاء التعاقد أو تعثر التنفيذ أو تأخر التسليم في العاصمة الإدارية؛ بينها 5 سوابق للخروج أو إنهاء التعاقدات، و9 مشروعات أو ملفات تدور حولها حاليًا شكاوى من المشترين بشأن بطء التنفيذ أو تأخر التسليم.
البداية تعود إلى يناير 2016، عندما أعلن رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية الإماراتية، وقف خططه لإقامة مشروع في العاصمة الإدارية الجديدة، مؤكدًا عدم التوصل إلى اتفاق مع الجانب المصري «يرضي الطرفين».
وكشف مسؤول حكومي وقتها أن العبار رفض طلبًا بوضع وديعة تصل إلى 5 مليارات دولار في أرصدة البنك المركزي المصري.
وفي أغسطس 2018، انسحبت شركة «نوفاذا استانزا» من تنفيذ مشروعها في العاصمة الإدارية الجديدة، وقال عادل فهمي، مسؤول التسويق بالشركة وقتها، إن الشركة ردت مقدمات الحجز لجميع العملاء.
وفي عام 2019، انسحبت شركة فواز الحكير السعودية من تنفيذ مشروعها بالعاصمة الإدارية الجديدة على مساحة 100 فدان، كانت قد تعاقدت عليها في 2016 بنظام حق الانتفاع لمدة 50 عامًا، وجرى رد 100 مليون جنيه للشركة السعودية كانت قد سددتها كدفعة مقدمة للتعاقد على الأرض.
ثم جاءت سنة 2021 بحالة أخرى، عندما تعرضت شركة «ماستر جروب» لأزمة مالية، وشهد مشروعها «سيتي أوفال» في الحي السكني R7 أزمات تنفيذية وتأخرًا في السداد، انتهت بالتنازل عن قطعة الأرض، بعد بيع وحدات بالمشروع بالمخالفة لاشتراطات شركة العاصمة الإدارية.
وفي يناير 2025، ظهرت واقعة مختلفة في هيكلها القانوني، عندما قررت شركة «الشمس للإسكان والتعمير» فسخ التعاقد مع شركة «أوليف تري» للمقاولات والاستثمار العقاري بشأن تطوير قطعة أرض في العاصمة الجديدة، مع إعلان نيتها استكمال المشروع سواء بشكل ذاتي أو عبر آلية أخرى.
مشروعات متأخرة.. ومشترون في مهب الريح
وفي عام 2018، بدأت تعاقدات عدد من ملاك مشروع «كمبوند جنوب» في منطقة R7، قبل أن يصبح المشروع لاحقًا واحدًا من أبرز ملفات شكاوى المشترين.
ويقول ملاك المشروع إنهم تعاقدوا منذ 2018، وكان مقررًا تسليم الوحدات في ديسمبر 2022، إلا أن التسليم لم يتم حتى الآن.
ويشير المتضررون، بحسب روايتهم، إلى أن نسبة التنفيذ لا تتجاوز 25% وأن الأعمال شهدت فترات توقف، فيما تقول نجوى عزب، إحدى المتضررات: «شقي عمرنا وأموالنا ليست محلًا للتأخير أو الإهدار».
وفي يناير 2022، تعاقد عدد من المشترين على وحدات مشروع «East Tower» التابع لشركة UC Developments، وفق رواية المتضررين، على أن تبدأ عملية التسليم في يناير 2026، لكن الموعد مر دون تسليم، وامتد التأجيل، فيما يقول المشترون إن المشروع ظل في مراحل الحفر والخوازيق.
يقول ياسر برهام، أحد المشترين، إنه ينتظر منذ سنوات، ويصف وضع المشروع بقوله: «إحنا بقالنا 4 أو 5 سنين في حفرة تحت الأرض، لا تراخيص ولا تصميم معتمد».
كما يقول إن المشترين لم يحصلوا، بحسب روايته، على تصميم نهائي يحدد وحداتهم، ويوجه اتهامات للشركة باستخدام أموال العملاء في استثمارات أخرى، وهي اتهامات تحتاج إلى رد موثق من الشركة ومستندات مستقلة قبل اعتبارها حقائق ثابتة.
ومن بين المتضررين مصريون في الخارج، بينهم الدكتور عبدالكريم رزق، المقيم في السعودية منذ عام 1975، والذي يقول إنه استثمر مدخرات سنوات الغربة في المشروع بعد حملات تسويقية قدمته باعتباره فرصة استثمارية متميزة.
ويرى أن ما جرى لم يعد مجرد تأخير في موعد التسليم، وإنما تحول، بحسب روايته، إلى أزمة ثقة، خصوصًا بالنسبة إلى مشترين اعتمدوا على الصورة الاستثمارية التي قدمت لهم عند التعاقد.
وفي فبراير 2022 أيضًا، بدأت تعاقدات ملاك مشروعات «طاهر» و«تاون رايترز»، قبل أن يصل النزاع إلى ساحات القضاء.
وفي 31 أغسطس 2026، أقام عدد من الملاك دعاوى ضد الشركتين للمطالبة بكشف الموقف التنفيذي والقانوني للمشروعات
وبحسب رواية الملاك، كان التسليم مقررًا بعد 3 سنوات، أي في فبراير 2025، مع فترة سماح حتى فبراير 2026، بينما لم تتناسب معدلات التنفيذ، من وجهة نظرهم، مع المواعيد المتفق عليها. وطالب أصحاب الدعاوى ببيان واضح حول التراخيص والموقف القانوني ونسب التنفيذ والجدول الزمني النهائي للتسليم.
وفي أحدث دوائر الشكاوى، امتد الأمر إلى عملاء «إعمار رزق للتطوير العقاري ERG»، الذين اشتكوا من تأخر تنفيذ وتسليم 5 مشروعات هي «Diamond 1» و«Diamond 2» و«Ri8» و«Monorail Tower» و«Elyaf»، حيث سدد العملاء نحو 80% من قيمة وحداتهم، بينما لا يزالون ينتظرون اكتمال المشروعات وتسليمها.
من يحمي المشتري؟
عند هذه النقطة، تنتقل الأزمة من سؤال التسليم إلى سؤال المال والعقد: ماذا يملك المشتري إذا تأخر المطور أو عجز عن استكمال مشروعه؟ وهل تكفي بنود العقد لحمايته إذا لم يعد المطور قادرًا على الوفاء بالتزاماته؟
يرى المحامي رضا المنشاوي أن العقود المتداولة في السوق لا توفر في كثير من الحالات حماية كافية للعملاء، مطالبًا باعتماد عقد موحد أو نماذج معتمدة تضع حدًا أدنى من الضمانات وتحدد بوضوح التزامات المطور وحقوق المشترين.
ولا يتوقف المقترح عند العقد؛ فالمنشاوي يدعو إلى تفعيل «حساب الضمان»، بحيث تتجه أموال العملاء إلى المشروع الذي دفعوا فيه، لا إلى شراء أراضٍ جديدة أو تمويل مشروعات أخرى، بما قد يؤثر في معدلات التنفيذ.
ويطرح حسام جرامون، الشريك المؤسس لشركة «أدسيرو» للاستشارات القانونية، ربط التدفقات المالية بنسبة الإنجاز الفعلي، بحيث تتحرك حصيلة المبيعات بالتوازي مع تقدم الأعمال، بما يقلل مخاطر التعثر ويحد من استخدام أموال المشترين خارج المشروع محل البيع.
أما المحامي عمرو نظير، فيوضح أن العقد يظل المرجع الأساسي للعلاقة، وأن العميل يستطيع، بحسب شروط التعاقد وظروف كل حالة، المطالبة بالفسخ والتعويض والغرامات عند إخلال المطور بالتزاماته، لكنه يلفت إلى أن بعض المتضررين قد يواجهون تحديًا آخر عند تنفيذ الحكم إذا لم تتوافر لدى المطور أصول أو أموال كافية.
وتتسع رؤية الحماية داخل القطاع نفسه؛ إذ قدمت غرفة صناعة التطوير العقاري تصورًا يتضمن عقدًا شبه موحد، وتفعيل حسابات الضمان، ووضع ميثاق شرف للمهنة، إلى جانب تنظيم الخدمات المعاونة للقطاع، بحسب تصريح للمستشار أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري.
إذا خرج المطور.. من يكمل المشروع؟
لكن خروج المطور من المشروع لا يعني بالضرورة أن المشروع يتوقف نهائيًا؛ فوزارة الإسكان تطرح أكثر من مسار للتعامل مع الحالات التي يتعذر فيها على الشركة الاستمرار.
وبحسب الدكتور وليد عباس، قد تبدأ المعالجة بمنح المطور مهلة إضافية أو إعادة تقييم مساحة الأرض أو إدخال مطور شريك، بينما يمكن في الحالات التي يتعذر فيها استمرار الشركة سحب الأرض وإسناد استكمال المشروع إلى مطور عقاري آخر.
وشدد عباس على أن حقوق المشترين تظل محفوظة في مختلف السيناريوهات، سواء تولت هيئة المجتمعات العمرانية استكمال المشروع أو جرى إسناده إلى مطور جديد، بما يضمن استمرار التنفيذ وتسليم الوحدات وفق الأطر التي تحددها الجهات المختصة.
لماذا يتعثر المطور؟
لكن لماذا يصل بعض المطورين أصلًا إلى هذه المرحلة؟
يرى أنس الكيلاني، المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، أن بعض المشروعات المتعثرة موجودة في العاصمة الإدارية نفسها، معتبرًا أن التسهيلات التي جذبت مطورين إلى السوق سمحت، بحسب تقييمه، بدخول شركات لم تكن لديها الملاءة المالية الكافية لتنفيذ مشروعاتها.
أما عبدالمجيد جادو، الخبير العقاري، فيربط جانبًا من تأخر المشروعات بارتفاع التضخم وتكاليف البناء، موضحًا أن بعض المطورين لم تكن لديهم القدرة المالية الكافية لتغطية هذه الزيادات، فلجأوا إلى مقدمات الحجز والأقساط كأحد مصادر تمويل المشروعات.
ومن زاوية أخرى، يرى محمود سامي، المتخصص في التطوير العقاري، أن السوق تحتاج إلى ضوابط تجعل صفة «المطور العقاري» مرتبطة بالملاءة والاستدامة والقدرة على التخطيط والتنفيذ طويل الأجل، لا بمجرد امتلاك الأرض وطرح الوحدات للبيع.
الدولة تعيد فرز الشركات
في مواجهة هذه الإشكالية، تتحرك وزارة الإسكان نحو إعادة تنظيم نشاط التطوير العقاري؛ إذ تعمل على إعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، مع وضع معايير واضحة للعضوية تضمن دخول الشركات الجادة والقادرة على تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
وبحسب الوزارة، فإن الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات وفق المواعيد والالتزامات المتفق عليها لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد المقترح.
وتتجه الدولة إلى ربط تخصيص الأراضي الجديدة بعوامل من بينها الملاءة المالية، وسابقة الأعمال، والخبرة الفنية، بما يستهدف تحسين عملية فرز المطورين قبل حصولهم على أراضٍ وطرح وحدات للبيع.
وفي العاصمة الإدارية الجديدة نفسها، تتحدث شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عن متابعة دورية لمعدلات التنفيذ، فيما تمنح المطورين الجادين المتأخرين تيسيرات تساعد على استكمال مشروعاتهم، من بينها مدد إضافية وإجراءات لتسوية المتأخرات وتحسين معدلات الإنجاز.
وتضم العاصمة الإدارية الجديدة أكثر من 550 مطورًا من القطاع الخاص ينفذون ما يزيد على 600 مشروع، وفق أحمد فهمي، مدير عام شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية.
ومع استمرار الحكومة في حصر المشروعات المتعثرة، وإعداد قواعد جديدة لتنظيم نشاط التطوير العقاري، يبقى الرقم النهائي للحالات وأسبابها ومسارات التعامل معها مرتبطًا بنتائج الحصر الحكومي، بينما يظل مصير المشترين في كل حالة مرتبطًا بوضع المشروع وشروط التعاقد والمسار الذي تتخذه الجهات المختصة.