توبيخ وإقالات أمام المايك والكاميرا.. جولات المسؤولين في مصر بين المتابعة والاستعراض

في كل جولة مفاجئة تقريبًا، يظهر المسؤول، وتظهر معه الكاميرا والميكروفون، ثم تبدأ التوجيهات والانتقادات والقرارات أمام الجمهور.. وبينما يفترض أن تكشف تلك الزيارات الخلل وتدفع إلى إصلاحه، تتزايد الأسئلة حول أن الهدف من الجولات رقابة ميدانية حقيقية، أم أن «الشو» أصبح جزءًا من المحاسبة؟

أزمة اختصاص حكومية

أحدثت زيارة عمرو لاشين، محافظ أسوان، إلى أحد مكاتب الشهر العقاري في 10 سبتمبر الجاري، جدلًا تجاوز حدود الجولة نفسها، بعدما دخلت الواقعة سريعًا إلى منطقة شائكة تتعلق بحدود صلاحيات المحافظ أمام جهة تتبع وزارة العدل إداريًا.

وقال أيمن أحمد علي، مدير مأمور بالشهر العقاري والتوثيق، إنه فوجئ أثناء تأدية عمله بزيارة المحافظ، الذي تحدث معه عن قوة المكتب وسير العمل «بأسلوب» رأى أنه لا يتناسب مع طبيعة ومكانة الموظف، مضيفًا أنه طُلب منه الوقوف ثم مغادرة مكتبه، وهو ما رفضه تمسكًا بحدود وظيفته وموقعه الإداري.

وأضاف أنه، بسبب عدم وضوح الصفة والاختصاص، اتصل بوكيل الوزارة المختص، قبل أن يفاجأ، بحسب روايته، برد بما معناه: «أنا الوزير.. مفيش وزير غيري»، ثم فوجئ بأخذ دفتر الحضور والانصراف من المكتب، ليرد بأن الإجراء يحتاج إلى سند قانوني واختصاص محدد.

لم تترك وزارة العدل الواقعة في إطار السجال الإعلامي، فأصدرت بيانًا أكدت فيه أن وجود مقر الشهر العقاري داخل النطاق الجغرافي للمحافظة لا ينشئ، في حد ذاته، سلطة رئاسية للمحافظ على أعمال المصلحة.

وأوضحت الوزارة أن قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 ينظم اختصاصات المحافظ، مع وجود استثناءات تتعلق بالهيئات القضائية والجهات المعاونة لها، فيما تخضع مصلحة الشهر العقاري والتوثيق لوزارة العدل وفق نظامها القانوني والإداري والفني.

وشددت الوزارة على ضرورة الفصل بين التفقد الميداني لمستوى الخدمات والوقوف على احتياجات المواطنين ومشكلاتهم، وبين ممارسة سلطة رئاسية أو إجراء تفتيش فني على العاملين بالمصلحة، مؤكدة أن لكل إجراء نطاقه القانوني واختصاصه المحدد بما يمنع تداخل السلطات بين الجهات الحكومية.

وأعادت الواقعة فتح النقاش في أسوان، حيث وصفت صفحات محلية بعض هذه الجولات بأنها «استعراضية»، فيما طالب مواطنون بتنظيم دورات تدريبية للقيادات التنفيذية لتعريفها بحدود الصلاحيات وقواعد التعامل الإداري مع الهيئات والجهات التي لا تتبع المحليات.

جولة تقلب «السحر على الساحر»

لكن أزمة الاختصاص لم تكن وحدها التي فجرت الجدل. قبل أيام، أثارت جولة لمحافظ القليوبية حسام عبد الفتاح داخل عدد من المدارس انتقادات واسعة، بعدما انتهت بمواجهة مع مديرة مدرسة واستبعاد مدير آخر، في وقت كانت فيه روايات العاملين تشير إلى نقص الإمكانات والعمال والخدمات الأساسية.

وخلال الجولة في كفر شكر وبنها، قرر المحافظ استبعاد مدير «مدرسة برقطا الإعدادية» الذي حضر مرتديًا جلبابًا. وعندما انتقد المحافظ مظهره، أوضح المدير أنه يعمل بيده داخل المدرسة في الصيانة والنظافة بسبب نقص العمال.

وفي «مدرسة الشهيد أحمد سمير»، ردت المديرة صالحة أبو الفضل على انتقادات المحافظ بالإشارة إلى غياب فرد الأمن ونقص المرافق، مؤكدة: «أنا أدخلت الكهرباء والمياه والغاز للمدرسة من أموالي الخاصة».

وأظهرت المديرة أوراقًا ومراسلات وجهتها إلى الجهات المحلية بالمحافظة تستغيث فيها من نقص الخدمات وعدم وجود فرد أمن، وكان آخرها قبل جولة الوزير مباشرة، لتتحول المواجهة من محاسبة على القصور إلى سؤال آخر: من المسؤول عن ترك هذه المشكلات قائمة رغم مخاطبة الجهات المختصة بها؟

عقوبة أمام الكاميرا

المحامي حسن شومان رأى أن جولة محافظ القليوبية تضمنت عدة مخالفات قانونية، معتبرًا أن التصوير والنشر العلني قد يحملان شبهة تشهير بموظف عام، خصوصًا أن المسؤول، بحسب رأيه، لا يملك معاقبة الموظف لحظيًا دون إجراء تحقيق في المخالفة.

وأوضح شومان أن تصوير الواقعة ونشرها قبل التحقيق قد يعد تشهيرًا، خصوصًا إذا ترتب على ذلك أضرار مادية أو معنوية للموظف، بما يفتح سؤالًا حول الحد الفاصل بين إعلان المسؤولية أمام الرأي العام وبين احترام الإجراءات القانونية الواجبة.

وفي المقابل، قال المحافظ في تصريحات لوسائل إعلام محلية إن مدير المدرسة لم يُعفَ من منصبه بسبب ارتداء الجلباب، وإنما بسبب تقاعسه عن التصرف وعدم طلب الدعم من الجهات المعنية، مكتفيًا، بحسب روايته، بموقف المشاهد أمام أوجه القصور.

وبشأن مديرة المدرسة، قال المحافظ إنها لم تقدم المستندات التي تثبت دفعها المبالغ من مالها الخاص، لكنه لم يتخذ ضدها إجراء لأنها خاطبت الإدارة التعليمية رسميًا أكثر من مرة للوصول إلى حلول عاجلة للمشكلات الموجودة بالمدرسة.

الإقالة والتوبيخ.. والنهاية اعتذار

لم تتوقف المشاهد عند المدارس والمصالح الحكومية. ففي يوليو الماضي، تقدمت النقابة العامة للأطباء بشكوى رسمية إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري الصحة والتنمية المحلية ضد محافظ قنا اللواء مصطفى الببلاوي، بعد تعنيفه العلني لمدير مستشفى قنا العام وإقالته.

وجاءت الشكوى على خلفية فيديو نشرته الصفحة الرسمية للمحافظة، ظهر خلاله المحافظ ينتقد نقص الأطباء ونظافة بعض العيادات، بينما تلقى شكاوى من المرضى وذويهم بشأن إلزامهم بشراء الأدوية والمستلزمات من خارج المستشفى وتأجيل العمليات الجراحية.

وعقب الجولة، أعلنت المحافظة إقالة مدير المستشفى وتكليف قائم بالأعمال، إلى جانب نقل مدير الشؤون الإدارية إلى مركز أبو تشت وإحالة مسؤول الدفاتر الإدارية للتحقيق.

وفي مايو الماضي، شهدت جولة وزير النقل الفريق كامل الوزير في أسيوط واقعة أخرى، بعدما وبخ أحد المهندسين المشرفين على مشروع محور ديروط وطلب منه مغادرة موقع الشرح بسبب ارتباكه أثناء عرض تفاصيل المشروع. وبعد أن صحح الوزير المعلومات التي أخطأ فيها المهندس، عاد وداعبه وطلب منه استكمال العرض والجولة بصورة طبيعية.

حتى المريض استغلوه في «الشو»

وفي مارس من العام الماضي، أثارت جولة نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة خالد عبد الغفار في مستشفى حكومي بمركز العدوة في المنيا انتقادات واسعة، بعدما اشتكى مرضى خلال تفقد وحدة الغسيل الكلوي من طول الانتظار وعدم معاملتهم بطريقة لائقة.

ورد الوزير على شكاوى المرضى مطالبًا إياهم بتقديم الشكر للدولة على بناء المبنى وتجهيزه بدلًا من الانتقاد، قبل أن ينهي الحديث ويغادر المستشفى، وهو ما دفع إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إلى وصف رد فعله بأنه «غير دبلوماسي».

وأكدت النائبة ضرورة أن يمتلك أي مسؤول القدرة على التعامل مع المواطنين والمرضى وفهم مشكلاتهم والعمل على حلها، معتبرة أن ذلك لم يحدث في الواقعة محل الانتقاد.

الخبز المدعم والطبيبة.. مشاهد تتكرر

وفي الدقهلية، أثارت جولة للمحافظ طارق مرزوق جدلًا بعدما ظهر داخل منزل ريفي في مركز أجا وبجوار أسرة مسنة أكياس من الخبز المدعم. وأظهر الفيديو المحافظ يأمر بمصادرة الأكياس ويوجه إلى تصوير الواقعة، قبل أن تنتشر المشاهد على مواقع التواصل وتفتح نقاشًا حول طريقة التعامل مع المواطنين في الجولات المفاجئة.

وفي يوليو 2024، ظهر محافظ سوهاج عبد الفتاح سراج خلال جولة بمستشفى المراغة المركزي وهو يعنف طبيبة بسبب عدم الكشف على مريض دون تذكرة، قائلًا لها: «قاعدة في مكتبك بتعملي إيه؟»، قبل أن يقرر إحالة جميع العاملين بالدوام المسائي للتحقيق بسبب ما اعتبره تقاعسًا عن أداء مهامهم.

وأثارت الواقعة غضبًا واسعًا بسبب أسلوب التعامل، وانتهت باعتذار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي للطبيبة، لتصبح الواقعة مثالًا آخر على أن ما يبدأ كجولة رقابية قد ينتهي بأزمة أكبر من المخالفة التي خرج المسؤول لرصدها.

«العمل الميداني يتحول لتصوير وإخراج»

على مواقع التواصل الاجتماعي، بدا أن القاسم المشترك بين أغلب الانتقادات ليس مبدأ النزول الميداني نفسه، وإنما حضور الكاميرا والميكروفون في قلب المشهد. وكتب محمد عباري تعليقًا على واقعة محافظ القليوبية: «تصرفات عيال فعلًا والله عاوز ياخد اللقطة ومجهز الكاميرا والمايك.. بيلخص أوضاع كتير عند المسؤولين».

وكتب باسل صفوت أن النزول الميداني ومتابعة العمل «شيء محمود جدًا»، لكنه انتقد تحوله إلى تصوير وإخراج، معتبرًا أن الأهم أصبح أن تكون «الكاميرا والمايك جاهزين»، متسائلًا لماذا لم تُحل مشكلات المدارس قبل الجولة بأسابيع طالما أن الهدف إصلاح فعلي.

وأضاف أن مدير المدرسة الذي كانت مدرسته تعاني من نقص في السور والإمكانات كان يعمل بيده في الدهانات والصيانة، معتبرًا أن «أخذ اللقطة طلع أهم من ده كله»، ومطالبًا بقيادات تعمل بتفانٍ حتى لو لم يرَ الناس مجهودها.

أما أحمد غيث، فعبر عن غضبه من طريقة التعامل مع مديرة المدرسة، متسائلًا: لو دخل المسؤول المدرسة من دون الكاميرا والميكروفون، هل كنا سنرى الصورة نفسها؟ بينما كتب وائل إمام منتقدًا ظهور الميكروفون في الفيديو، ومتسائلًا عن جدوى هذا الأسلوب، ومعتبرًا أن الكاميرا تحولت إلى جزء أساسي من المشهد.

الكاميرا قادرة على كشف الخلل، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاحه؛ والميكروفون يصلح لتسجيل الوقائع، لكن إذا تحولت الجولة من وسيلة للمتابعة إلى مسرح للعقاب العلني، يصبح السؤال الأصعب ليس فقط ماذا اكتشف المسؤول؟ بل هل جاء ليصلح المشكلة، أم ليضمن أن الجميع رأى لحظة اكتشافها؟

أضف تعليقك
شارك