سرقات تهدد أرواح ركاب القطارات.. لماذا يعجز كامل الوزير عن حماية مهمات السكك الحديدية؟

إن تسرب مهمات «السكة الحديد» يضع وزارة النقل أمام مسؤولية مباشرة عن عجز منظومة التأمين والتفتيش في حراسة أصول تتوقف عليها حياة الركاب. فبينما تُباهي الوزارة بصفقات خردة بـ340 مليون جنيه، تظل الأسئلة معلقة أمام تفكيك المهمات والتربح الداخلي، وما إذا كانت الرقابة الحالية قادرة على حماية أصول الدولة من التحول إلى غنيمة مستباحة.
 
ولم يعد هذا التربح مجرد تكهنات أو كواليس مغلقة؛ إذ جاء فيديو متداول لسيدة يزيح الستار عن المشهد من الداخل، باتهامها طليقها، الموظف بشركة صناعة الفلنكات التابعة لوزارة النقل، بالتورط في سرقة وتجارة الخردة والمعدات من قلب مقر عمله الرسمي.
 
لكن الفيديو ليس سوى مدخل إلى ملف أوسع؛ فسرقات مهمات السكة الحديد تتكرر في أكثر من محافظة، وتتنوع بين ترانسات المحولات وكابلات الإشارات وصناديق التوزيع والقضبان، بما يطرح سؤالًا مباشرًا أمام وزارة النقل: كيف تخرج هذه الأصول من مواقعها دون أن تلتقطها منظومة التأمين والتفتيش قبل أن تتحول إلى خردة في يد تجارها؟
 
 
ترانسات في سمالوط
 
 
ولم تكن منظومة التأمين في سمالوط أكثر قدرة على منع التسرب؛ ففي أغسطس 2026، كشفت الأجهزة الأمنية بمحافظة المنيا ملابسات سرقة عدد من مهمات السكة الحديد من داخل محول كهربائي صغير بدائرة مركز سمالوط شرق.
 
البداية جاءت ببلاغ من فني كهربائي بإشارات السكة الحديد، أفاد باختفاء ترانسين كهربائيين من داخل محول يقع قبلي مزلقان قرية قلوصنا.
 
وبتشكيل فريق بحث جنائي، أمكن تحديد وضبط متهمين، أحدهما صاحب مخزن خردة يبلغ من العمر 41 عامًا، والآخر فلاح يبلغ 27 عامًا، وكلاهما مقيم بمركز سمالوط.
 
وعثرت الأجهزة الأمنية بحوزتهما على كمية من الأسلاك النحاسية الخاصة بترانسات السكة الحديد. وبمواجهتهما، أقرا بارتكاب الواقعة، فيما أكد أحد فنيي السكة الحديد أن المضبوطات تخص الهيئة.
 
ولا تكمن المشكلة هنا في قيمة النحاس وحدها، وإنما في الثغرة التي سمحت بالوصول إلى مكونات محول كهربائي تابع لمنظومة السكك الحديدية وتفكيكها والاستيلاء عليها. فالمعدات المسروقة كانت جزءًا من منظومة كهربائية مرتبطة بالسكة الحديد، ما يجعل خروجها من مكانها أكثر من مجرد واقعة سرقة تقليدية.
 
 
إشارات خارج الخدمة
 
 
وفي قنا، كشفت واقعة أخرى أن الخلل لم يتوقف عند محول أو ترانس، إذ طالت السرقة مهمات مرتبطة بإشارات السكك الحديدية.
 
بدأت الواقعة باكتشاف سرقة 10 صناديق توزيع كهرباء خاصة بإشارات السكة الحديد، مرفقًا بها الكابلات، من أمام إحدى القرى بالمحافظة.
 
وأدى اختفاء هذه المعدات إلى تعطل الإشارات التحذيرية لمسافة نحو كيلومترين، وبالفحص، تمكنت شرطة محطة سكك حديد قنا من تحديد وضبط 6 متهمين.
 
وهنا يظهر وجه آخر للخطر وللرقابة الغائبة؛ فالمتهمون لم يستهدفوا معدات يمكن الاستغناء عنها، وإنما أجزاء من منظومة الإشارات التي تحذر القطارات وتحمي مسارها.
 
وبينما نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط المتهمين، يبقى السؤال متعلقًا بالمنظومة الوقائية نفسها: لماذا وصلت السرقة إلى مرحلة تعطيل إشارات تحذيرية على امتداد كيلومترين قبل اكتشافها؟
 
 
خطة لسرقة المهمات
 
 
ولم تقف الوقائع عند السرقات الفردية؛ ففي منشأة القناطر بالجيزة، اتخذت السرقة شكلًا أكثر تنظيمًا، بعدما كشفت تحقيقات النيابة العامة أن متهمين اتفقا مسبقًا على وضع خطة للاستيلاء على مهمات السكة الحديد وبيعها.
 
وبحسب التحقيقات، نفذ المتهمان خطتهما قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبطهما وبحوزتهما المسروقات، وأخطرت النيابة المختصة التي باشرت التحقيقات.
 
المشهد هنا لا يتعلق فقط بلصوص يبحثون عن قطعة نحاس أو حديد، وإنما يكشف عن ثغرات تسمح بالتخطيط والاستيلاء على أصول تابعة لهيئة يفترض أن تكون مهماتها تحت رقابة مستمرة.
 
 
استغلال الأصول
 
 
ولا تتوقف علامات الخلل عند الاستيلاء المباشر على مهمات السكة الحديد، إذ تكشف شكوى تقدم بها أحد العاملين بالهيئة إلى الفريق كامل الوزير عن اتهامات بمخالفات مالية وإدارية في منطقة شرق الدلتا، تتعلق باستغلال جرارات الهيئة لصالح شركتي «إيجفراي» و«أوراسكوم» مقابل مبالغ مالية، مع اتهامات بعدم توريد كامل مستحقات الهيئة.
 
وبحسب مقدم الشكوى، تضمنت الوقائع أيضًا إدراج أسماء سائقين ضمن كشوف الحوافز والعدادات دون الاستفادة الفعلية منهم، فيما حصر الفحص مبلغ 149 ألف جنيه مستحقًا للهيئة، لم يُسدَّد منه سوى 40 ألف جنيه، وفق روايته.
 
كما ربط الشاكي بين المسؤول المذكور وعدد من وقائع وحوادث القطارات، مؤكدًا صدور قرارات بإيقافه واستبعاده من أعمال التجديدات قبل عودته إليها لاحقًا، وطالب بتشكيل لجنة من وزارة النقل لفحص المستندات والتحقق من الوقائع وتشديد الرقابة على تشغيل الجرارات والحوافز وساعات العمل.
 
 
سرقات وإقالات
 
 
والأخطر أن الخردة نفسها دخلت دائرة الشبهات والرقابة؛ فالقضية لا تتعلق فقط بمهمات تختفي من مواقع التشغيل، وإنما بخردة تتحول إلى محور واقعة إدارية واسعة داخل هيئة السكة الحديد.
 
وعلى خلفية واقعة تلاعب في خردة الهيئة بمنطقة شرق الدلتا بالزقازيق، أصدر الفريق كامل الوزير قرارًا بإيقاف 11 موظفًا من العاملين بالهيئة عن العمل.
 
وجاء القرار بعد ورود شكوى من إحدى المهندسات العاملات بالإدارة، تضمنت نقل كمية من خردة ناتج أعمال التجديدات إلى موقع غير معلوم، بدلًا من إيداعها في مخزن السكة الحديد بأبوحماد، بالمخالفة للإجراءات الرسمية.
 
 
الخردة تساوي ملايين
 
 
ولا يمكن النظر إلى الخردة باعتبارها بقايا بلا قيمة؛ فأرقام المزايدات تكشف أنها تمثل موردًا ماليًا للهيئة، وليست مجرد مهمات انتهى استخدامها.
 
فقد طرحت وزارة النقل، ممثلة في الهيئة القومية لسكك حديد مصر، مزايدة محلية محدودة لبيع كميات من الخردة الحديدية في منطقة المنيا، تضمنت نحو 2821 طنًا من القضبان والعربات والبواجى والعجل والفلنكات والصاج والخردة المميزة.
 
وسبق للهيئة بيع نحو 4000 طن من الحديد الخردة عبر الإدارة المركزية للإمداد والتموين، فيما شهد مارس 2019 صفقة لبيع خردة للسكة الحديد بقيمة 340 مليون جنيه، بعدما بلغت الكمية نحو 60 ألف طن.
 
وتكشف أحدث إعلانات وزارة النقل، ممثلة في الهيئة القومية لسكك حديد مصر، عن طرح مزايدة علنية لبيع كميات من الخردة والمهمات المتنوعة التابعة للهيئة.
 
وحددت الهيئة جلسة المزايدة في 21 سبتمبر 2026، لبيع 12 «لوط» من الخردة، تضم مهمات وأصنافًا متنوعة موجودة في مواقع مختلفة تابعة للهيئة، من بينها معدات، وعبارات علوية، وزجاج، وأسقف، وأشجار، وفلنكات، وأخشاب، وشحوم، وفير، وفلكات خرسانية وتربة وغيرها.
 
وبحسب الإعلان المنشور في جريدة «الأهرام»، حددت الهيئة قيمة كراسة الشروط بـ15 ألف جنيه، بينما بلغت قيمة التأمين المؤقت للمشاركة في المزايدة 750 ألف جنيه.
 
 
إهمال يهدد الأرواح
 
 
لكن الخطر لا يقف عند حدود الخسائر المالية؛ فبعض المهمات المسروقة ترتبط مباشرة بسلامة حركة القطارات، وهو ما يجعل ضعف التأمين والتفتيش قضية تتجاوز المال العام إلى حياة الركاب.
 
اللواء رفعت عبد الحميد، خبير العلوم الجنائية ومسرح الجريمة، يرى أن بعض وقائع السرقة قد تؤدي إلى خسائر بشرية فادحة، مستشهدًا بسرقة أجزاء من خطوط السكك الحديدية، التي قد تتسبب في حوادث قطارات تؤدي إلى إصابات جسيمة أو حالات وفاة.
 
ومن جانبه، يرى اللواء أشرف أمين، الخبير الأمني، أن انتشار هذه الجرائم يرتبط بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الحديد والتوسع في المشروعات الجديدة دون إعادة توزيع الخريطة الأمنية بما يضمن حماية هذه الأصول.
 
ويعتبر أمين أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى تطوير الأدوات التكنولوجية المستخدمة في التصدي للسرقات، وتعزيز الاعتماد على كاميرات المراقبة الإلكترونية، إلى جانب تطوير أنظمة البيع بما يسمح بمراقبة المنافذ التجارية التي قد تستقبل الأجزاء المسروقة.
 
أما الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المحلية، فيرى أن ما يجري من تدمير للبنية الأساسية الحيوية للسكك الحديدية لا يقتصر على سرقة مسامير تثبيت القضبان، وإنما يمتد إلى الكابلات والقضبان نفسها، بما يؤدي إلى أعطال متكررة ويزيد خطر وقوع حوادث كارثية نتيجة انقلاب القطارات.
 
ويعتبر حسان أن الأمر قد يتجاوز السرقات الفردية إلى شبكات تبيع المسروقات لتجار خردة غير خاضعين للرقابة، داعيًا إلى التعامل مع الظاهرة عبر مجموعة من الإجراءات، من بينها تعزيز المراقبة الليلية في المناطق البعيدة والهادئة، وتوسيع نطاق تركيب كاميرات المراقبة على طول المسارات.
 
كما يقترح تركيب أجهزة إنذار على القضبان تطلق إشارات عند محاولة العبث بها، إلى جانب استخدام حلول هندسية تقلل فرص نزع المهمات، مثل أدوات التثبيت غير القابلة للخلع، مع تشديد الحراسات وزيادة وجود شرطة النقل على محاور السكك الحديدية.
 
ويشدد حسان كذلك على أهمية إنشاء منظومة رقابية مشتركة بين هيئة السكك الحديدية وشرطة النقل، إلى جانب توعية العاملين والمجتمع بخطورة هذه الممارسات، لأن الخسارة، بحسب رؤيته، لا تتوقف عند الأموال والممتلكات، وإنما تمتد إلى أرواح المواطنين والبنية الاستراتيجية للنقل.
 
 
رقابة داخل القطارات
 
 
وفي مواجهة السرقات والتلاعب، حاولت الهيئة تشديد الرقابة على مهمات القطارات نفسها.
 
وأصدرت الإدارة المركزية للرقابة على التشغيل منشورًا تذكيريًا عاجلًا يحمل رقم «1» لعام 2026، يتضمن إجراءات تستهدف حماية ممتلكات الهيئة وتفعيل بنود لائحة سلامة التشغيل.
 
وألزمت التعليمات مضيفي القطارات بمراجعة مهمات العربات قبل انطلاق الرحلة، بما يشمل الستائر والبياضات والأدوات وطفايات الحريق، مع إثبات أي عجز فورًا من خلال «شهادة فواقد».
 
كما تضمنت التعليمات بقاء المضيفين داخل العربات في المحطات النهائية والتأكد من خروج الركاب، ثم مرافقة العربات حتى وصولها إلى الورشة وتسليمها رسميًا إلى المندوب المختص.
 
ويكشف هذا الإجراء أن المشكلة لا تبدأ فقط عندما تختفي قطعة من على القضبان، وإنما تمتد إلى التفاصيل الصغيرة داخل العربة، حيث يمكن أن تتحول غياب الرقابة إلى فرصة لفقدان أحد ممتلكات الهيئة.
 
لكن تشديد التعليمات بعد وقوع وقائع سرقة لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل تكفي المنشورات الرقابية لمواجهة منظومة تتكرر فيها السرقات من مواقع مختلفة، أم أن الأمر يحتاج إلى رقابة ميدانية وتكنولوجية تمنع خروج المهمات قبل وقوع الجريمة؟
 
 
عقوبة العبث
 
 
وبجانب الإجراءات الإدارية والرقابية، يضع القانون إطارًا عقابيًا للتعامل مع العبث بمعدات السكك الحديدية.
 
وينص القانون رقم 277 لسنة 1959، المعدل بالقانون رقم 94 لسنة 2018، على عقوبات تتعلق بمخالفة المحظورات الخاصة بالسكك الحديدية.
 
وتنص المادة 20 مكررًا على الحبس وغرامة لا تجاوز 20 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من يخالف أحكام المادة 10 مكررًا، فيما تصل العقوبة إلى السجن إذا ترتب على العبث بالمعدات والأجهزة الخاصة بالقطارات أثناء سيرها تعريض حياة الركاب للخطر أو إصابة أو وفاة أحد الأشخاص.
 
وفي جميع الأحوال، يُحكم على المتسبب في الأضرار التي تلحق بالأشخاص أو الممتلكات بالتعويض عن هذه الأضرار.
 
وتحظر المادة 10 مكررًا عددًا من الأفعال، من بينها العبث بالمعدات والأجهزة الخاصة بالقطارات أو بتسيير حركاتها على الخطوط، وتعريض خطوط مسير القطارات للخطر، والتعدي على حرم المحطات أو خطوط السكك الحديدية، فضلًا عن التواجد داخل حرم السكة الحديد بقصد السرقة أو العبث بمهماتها.
 
كما تحظر حيازة أي مكونات أو خدمات تخص السكة الحديد دون سند، والتعدي على الأراضي أو العقارات المملوكة للهيئة، إلى جانب إجراء أعمال أو حفر بجوار خطوط السكك الحديدية دون تصريح مسبق.
 
وفي النهاية، لا يكفي أن تُضبط المسروقات أو يُوقف بعض المسؤولين؛ فالمشكلة الأعمق تظل في منظومة الرقابة نفسها.
 
فحين تتكرر وقائع سرقة الترانسات والكابلات والصناديق والقضبان، ثم تظهر وقائع مرتبطة
بالخردة واستغلال الأصول، فإن وزارة النقل لا تواجه فقط لصوصًا في محيط القضبان، وإنما تواجه سؤالًا مباشرًا عن مدى كفاءة منظومة التأمين والتفتيش والرقابة على ممتلكاتها.
أضف تعليقك
شارك