ثمن البحث عن تعليم أفضل في مصر.. حرمان من التموين

لم يعد نوع الخبز وحده مؤشرًا على مستوى المعيشة، بل أصبح اسم المدرسة التي يدرس فيها الأبناء قادرًا على تحديد ما إذا كانت الأسرة تستحق الدعم أم لا.

بين فصول حكومية تضم أكثر من 60 تلميذًا، ومدارس خاصة تستنزف دخول الأسر، يجد آلاف الآباء أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ يدفعون ثمن محاولة توفير تعليم أفضل لأبنائهم مرتين، مرة في المصروفات، ومرة أخرى بفقدان بطاقات التموين.

سامح علي واحد من هؤلاء. ففي مطلع الشهر الجاري تلقى اتصالًا من والدته تخبره بحذف اسمه وطفليه من بطاقة التموين العائلية التي تضم سبعة أفراد. لم يحصل على تفسير رسمي لقرار الحذف، لكن بقال التموين رجح أن يكون السبب هو التحاق طفليه بمدرسة خاصة، بحكم معرفته بالأسرة والمدرسة التي يدرس بها الطفلان.

ضريبة التعليم الخاص

يعمل سامح موظفًا بإحدى الشركات الخاصة براتب لا يتجاوز 11 ألف جنيه، بينما تدخر زوجته كامل راتبها البالغ أربعة آلاف جنيه من عملها في خدمة العملاء من المنزل لسداد أقساط المدرسة.

ويقول إن المدرسة الخاصة لا تقدم مستوى تعليميًا استثنائيًا، لكنها توفر فصلًا يضم نحو 35 طالبًا، مقارنة بفصول حكومية يتجاوز عدد طلابها 60 طالبًا، وهو ما يجعل عملية الشرح والمتابعة أكثر انتظامًا.

كان سامح ضمن نحو 850 ألف مواطن أعلنت وزارة التموين استبعادهم من منظومة الدعم خلال يونيو الماضي، ضمن ما وصفته بالمراجعة الدورية لتنقية البطاقات وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وبعد الحذف أصبح سامح مضطرًا لشراء الخبز يوميًا بما يقارب 30 جنيهًا، أي نحو 900 جنيه شهريًا، إضافة إلى فقدان السلع التموينية التي كانت أسرته تحصل عليها.

وتضع وزارة التموين التحاق الأبناء بمدارس خاصة أو دولية تتجاوز مصروفاتها 20 ألف جنيه سنويًا ضمن معايير استبعاد الدعم، إلى جانب امتلاك سيارة حديثة، أو حيازة زراعية، أو وجود محاضر سرقة تيار كهربائي، أو وفاة أحد المستفيدين، أو السفر دون إخطار، أو عدم صرف المقررات التموينية لمدة ستة أشهر.

لكن هذا المعيار يثير تساؤلات، خاصة أن وزارة التربية والتعليم نفسها تتيح مدارس حكومية تتجاوز رسومها هذا الحد، مثل المدارس الرسمية الدولية، فضلًا عن المدارس اليابانية التي ترتفع تكلفتها الإجمالية بعد إضافة رسوم الكتب والزي المدرسي.

اختيار اضطراري

لم يكن المال سبب انتقال ابن تريزا واقيم إلى مدرسة خاصة، وإنما التنمر.

فبعد إلزام الطلاب بالانتظام في الدراسة، تعرض طفلها الأصغر، الذي يعاني صعوبة في النطق، لسخرية متكررة من زملائه داخل المدرسة الحكومية.

تقول تريزا إنها لجأت إلى إدارة المدرسة أكثر من مرة، لكن الرد كان أن المدرسة تضم أكثر من ألف طالب ولا يمكن متابعة كل الحالات، بينما أوضحت معلمة الفصل أن كثافة الفصل البالغة 55 طالبًا تجعلها بالكاد تستطيع شرح المنهج، ولا تمنحها فرصة للتعامل مع مشكلة الطفل.

في النهاية، تكفل أشقاء تريزا بمصروفات نقل الطفل إلى مدرسة خاصة عربية، بينما بقي شقيقاه في التعليم الحكومي، قبل أن تفاجأ بحذفها من الدعم التمويني بسبب المدرسة التي لا تتحمل تكلفتها أصلًا.

أما عبير عبد الواحد، المطلقة منذ أربع سنوات، فكان وضعها مختلفًا. تعيش على راتب حكومي يبلغ سبعة آلاف جنيه، إلى جانب نفقة ودية قدرها ثلاثة آلاف جنيه، بينما يتولى طليقها سداد مصروفات ابنتيهما في مدرسة خاصة تبلغ 35 ألف جنيه سنويًا.

وتقول إنها تعمل أيضًا بإعطاء دروس خصوصية لتغطية بقية النفقات، لكنها فوجئت بإيقاف بطاقتها التموينية رغم عدم تغير دخلها، ورغم اعتبارها من الفئات الأولى بالرعاية.

تظلمات معلقة

توضح عبير أن البطاقة التموينية كانت توفر لها ما يقارب 1500 جنيه شهريًا من الخبز والسلع التموينية، وقدمت تظلمًا بعد قرار الحذف، لكنها لا تعرف موعد البت فيه.

وتتيح وزارة التموين التظلم في حالات الاستبعاد بسبب المدارس الخاصة عبر بوابة مصر الرقمية، من خلال تقديم إفادة من المدرسة بقيمة المصروفات ونسب الخصم إن وجدت، إلا أن عددًا من بقالي التموين يؤكدون أن كثرة الطلبات تؤخر الفصل فيها.

تأتي هذه الوقائع في ظل تحديات أوسع يواجهها التعليم الحكومي. فبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم، يدرس نحو 25 مليون طالب في مراحل التعليم قبل الجامعي، مقابل نحو 876 ألف معلم، مع خروج قرابة 30 ألف معلم إلى المعاش سنويًا، بينما لا تكفي التعيينات الجديدة لسد العجز.

وتعتمد المدارس كذلك على نحو 160 ألف معلم بالحصة، يحصل الواحد منهم على 50 جنيهًا للحصة، لا يتبقى منها بعد الاستقطاعات سوى ما بين 32 و37 جنيهًا.

تمويل لا يكفي

رغم إعلان الحكومة رفع مخصصات التعليم إلى 442.3 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، فإن نحو 68.4% من هذه المخصصات يذهب إلى بند الأجور، مقابل 65.4 مليار جنيه فقط للاستثمارات، وهو ما يحد من القدرة على بناء مدارس جديدة وتقليل كثافات الفصول.

ويقول الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، إن زيادة الإنفاق على التعليم لا تقاس بقيمتها المطلقة فقط، وإنما بنسبة ما يخصص له من إجمالي الإنفاق العام، لأنها تعكس مكانة التعليم ضمن أولويات الدولة.

ويرى المصري أن إصلاح المنظومة يتطلب ربط التمويل بمعايير أداء واضحة، واستحداث أدوات تمويل جديدة، وتوسيع الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب تطوير الإدارة المالية والتوسع في التعليم الإلكتروني منخفض التكلفة.

وتؤكد دراسة لمركز حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية أن ضعف الموارد أثر على التحصيل الدراسي لـ72% من طلاب الصف الثاني الإعدادي. كما لا تزال كثافات الفصول مرتفعة، إذ يبلغ متوسطها 44 طالبًا في المرحلة الثانوية، و50 في الإعدادية، و55 في الابتدائية، مع تجاوز نسب من المدارس حاجز 60 طالبًا في الفصل.

معيار جدلي

وأثار قرار الاستبعاد انتقادات برلمانية، إذ أكد النائب فريد البياضي أن الالتحاق بمدرسة خاصة لا يصلح معيارًا وحيدًا للحكم على القدرة المالية للأسر.

وأوضح أن كثيرًا من الأسر تقترض أو تبيع ممتلكاتها لتوفير تعليم أفضل لأبنائها، فيما يحصل آخرون على منح أو تخفيضات كبيرة في المصروفات، مشددًا على أن نوع المدرسة لا يعكس دائمًا الوضع الاقتصادي للأسرة.

وطالب البياضي الحكومة بإعلان معايير واضحة لاستحقاق الدعم، وإتاحة التظلمات، ودراسة كل حالة على حدة، مؤكدًا أن الدعم يجب أن يصل إلى مستحقيه دون معاقبة الأسر التي تحاول توفير مستقبل أفضل لأبنائها.

فالمدرسة الخاصة بالنسبة لكثير من هذه الأسر لم تكن علامة على الرفاهية، بل محاولة لتعويض نقص في منظومة تعليمية لم تعد قادرة على استيعاب الجميع بالكفاءة المطلوبة.

وبين حق الدولة في تنقية منظومة الدعم، وحق الأسر في البحث عن تعليم أفضل، يبقى السؤال قائمًا: هل يكفي اسم المدرسة وحده للحكم على قدرة الأسرة الاقتصادية؟

أضف تعليقك
شارك