كل شهر، يفتح المواطن العادي محفظته دون تأخير ليدفع نصيبه من الضرائب، حتى في أبسط ما يشتريه، دون أن يجرؤ على التأخر.. في المقابل، ظلت آلاف الفيلات والشاليهات الساحلية، تنعم بسنوات طويلة من “النسيان” الضريبي، حتى جاء اليوم، وبعد ضغوط متزايدة على الموازنة العامة، تتحرك الحكومة لحصر هذه الوحدات، في خطوة متأخرة تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدّم من إجابات حول عدالة التحصيل الضريبي في مصر.
قانون يكافئ المتأخرين
في أبريل الماضي، صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 3 لسنة 2026، المعدّل لبعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية الصادر بالقانون رقم 196 لسنة 2008.
والمفارقة أن القانون نفسه، في مادته الرابعة، أعفى المكلف من أداء الضريبة المستحقة أو غير المسددة عن كل العقارات التي لم يسبق حصرها أو تقدير قيمتها الإيجارية أو إدراجها في سجلات المصلحة، وذلك عن كامل الفترات السابقة على تاريخ العمل بالقانون.
ليكون من نجح في الإفلات من الحصر لسنوات، كافأته الدولة بالتنازل عن كل ما كان مستحقًا عليه، بينما لم يحظَ المواطن الذي يسدد ضرائبه بانتظام بأي تيسير مماثل.
على الأرض، بدأت الخطوات التنفيذية أوائل أغسطس الجاري، حين كشفت مصادر حكومية لوسائل إعلام محلية، أن وزارة المالية أرسلت لجان حصر ميدانية لمراجعة الشاليهات والفيلات والوحدات العقارية في قرى ومنتجعات الساحل الشمالي، بحثًا عن الوحدات غير المدرجة في سجلات المصلحة.
وتخطط المصلحة للانتهاء من حصر الساحل الشمالي أولًا، قبل التوسع في الكومباوندات المسوّرة شرق القاهرة وغربها، والبحر الأحمر، والعاصمة الإدارية الجديدة، ضمن خطة تدريجية تستهدف عشر مناطق على مستوى الجمهورية.
وألزم القانون الجديد شركات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز، ووحدات الإدارة المحلية، وكل الجهات الحكومية، بموافاة مصلحة الضرائب العقارية بكل بيانات ومستندات تطلبها، لإجراء حصر دقيق للعقارات وتقدير قيمتها الإيجارية.
كما ألزم المرخّص لهم بإدارة المنشآت الفندقية واتحادات الشاغلين في التجمعات السكنية المتكاملة بتقديم بيانات أصحاب الوحدات والمنتفعين وأرقامهم القومية ومساحة كل عقار. بعبارة أخرى: المصلحة لم تعد تنتظر أن يبادر صاحب الشاليه بالإفصاح عن نفسه – وهو ما لم يحدث طواعية لسنوات في آلاف الحالات – بل باتت تلاحقه عبر فاتورة الكهرباء وعداد المياه وسجلات الإدارة المحلية.
استيقظت العدالة.. لأن الخزينة فارغة
تستهدف وزارة المالية تحصيل 17.3 مليار جنيه من حصيلة الضريبة العقارية خلال العام المالي الجاري وحده، إلى جانب جزء من المتأخرات المستحقة على الوحدات المسجلة سابقًا، ثم 29 مليار جنيه إضافية خلال العامين الماليين المقبلين.
وتمثل هذه الاستراتيجية ركيزة أساسية لرفع إجمالي الإيرادات الضريبية للدولة في موازنة 2026-2027 إلى 3.5 تريليون جنيه، في وقت تشكل فيه الضرائب أكثر من ثلثي إيرادات الموازنة العامة، بينما لا يزال الدين العام وأعباء خدمته الملف الأصعب أمام وزارة المالية.
ضريبة هزيلة
حتى حين تُحصَر هذه الوحدات، فإن الضريبة المستحقة عليها هزيلة مقارنة بقيمتها الفعلية. فبحسب تصريحات سابقة لمسؤول بمصلحة الضرائب العقارية، فإن مالك شاليه في الساحل أو الإسكندرية بقيمة مليون إلى مليوني جنيه يدفع ضريبة سنوية لا تتجاوز نحو 2500 جنيه فقط، مقسّطة على دفعتين.
القانون يميّز، نظريًا، بين المسكن الرئيسي المعفى إذا قلّت قيمته عن مليوني جنيه – بشرط تقديم طلب إعفاء رسمي لا يُمنح تلقائيًا – وأي وحدة إضافية كبيت المصيف أو الشاليه الساحلي أو الشقة الثانية، والتي تخضع للضريبة كاملة أيًا كانت قيمتها.
قاعدة عادلة على الورق. لكن عمليًا، ظلت آلاف هذه الوحدات “غير خاضعة أصلًا” لغياب الحصر، وهو وضع يختلف قانونًا عن “الإعفاء”: فالوحدة غير الخاضعة تقع خارج نطاق الحصر بالكامل، بينما الوحدة المعفاة تدخل السجلات أولًا ثم يُعفى صاحبها منها.
الفارق ليس شكليًا؛ فعقار بملايين الجنيهات ظل عقودًا خارج أي سجل، بينما يخضع صاحب الشقة الصغيرة لفاتورة كهرباء ومياه تُحتسب الضريبة أحيانًا استنادًا إليها.
أسد على المواطن.. نعامة أمام الفيلات
هنا يتكشف حجم التناقض، فلا تمنح الحكومة دافع ضريبة القيمة المضافة أي هامش تهاون.. غرامة تأخير تبدأ من ثلاثة آلاف جنيه، لتصل إلى مليوني جنيه بعد 60 يومًا مع مضاعفة العقوبة عند التكرار، وقد تتحول إلى حبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.
في المقابل، ظل مالك الشاليه أو الفيلا غير المحصورة خارج أي حساب لعقود، وحين قررت الدولة أخيرًا الالتفات إليه، كافأته بالعفو الكامل عن كل الضريبة المستحقة أو غير المسددة طوال سنوات الغياب عن السجلات، بنص صريح في المادة الرابعة من القانون رقم 3 لسنة 2026.
هل تتوقف الملاحقة عند الفيلات والشاليهات؟
المؤشرات تذهب إلى ما هو أبعد من حملة موسمية عابرة. فمنظومة الفاتورة الإلكترونية والتوجه نحو الأتمتة الكاملة للسوق العقاري خلال 2026 يفتحان الباب أمام تتبع أدق لكل تصرف عقاري، بيعًا أو تأجيرًا أو حتى ميراثًا.
كما يُلزم القانون كل من يؤجر عقارًا – إيجارًا محدد المدة أو مفروشًا – بإخطار المأمورية المختصة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ التأجير، معتبرًا عدم الإقرار عن هذه الإيرادات صورة من صور التهرب الضريبي تستوجب العقوبة.
بالتوازي، لا تزال الحكومة تعتمد على أوعية أخرى ذات صلة بالثروة العقارية، أبرزها ضريبة التصرفات العقارية المفروضة بنسبة 2.5% على قيمة أي عملية بيع لعقار أو أرض بناء.
وبينما تتوسع أدوات الدولة في ملاحقة كل جنيه يمر عبر فاتورة كهرباء أو معاملة بنكية للمواطن العادي، ظلت فيلات وشاليهات بملايين الجنيهات بمنأى عن هذه الدقة لعقود، بل وكوفئت بالعفو عن متأخراتها حين قررت الدولة أخيرًا الانتباه إليها.