عرض هواوي للذكاء الاصطناعي.. هل يعرض بيانات المصريين للخطر؟

قوبل عرض هواوي الصينية لتزويد مصر ببنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي باحتفاء على مواقع التواصل الاجتماعي، مع التركيز على آلاف الرقائق التي قد تنقل البلاد إلى مرحلة جديدة من الحوسبة. لكن تفاصيل العرض التي اطلعت عليها «بلومبرغ» تكشف أن المشروع لا يتعلق بالرقائق وحدها، بل يتضمن أنظمة للتعرف على الأفراد والمركبات بالاعتماد على قاعدة بيانات وطنية ومراقبة المدن. وبين سباق واشنطن وبكين لبيع القاهرة «العقل»، يظل السؤال الأهم: من يملك البيانات التي ستصنع ذاكرته؟

خدمة قطاعات عسكرية وحكومية

قدّمت شركة هواوي الصينية عرضًا للحكومة المصرية ردًا على مناقصة طرحتها القاهرة، يتضمن بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تخدم قطاعات عسكرية وأمنية وحكومية، بحسب وثائق اطلعت عليها شبكة بلومبرغ.
ويتضمن العرض تصدير 1408 رقاقة من طراز Ascend 950 المتطور لإنشاء سحابة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى 600 رقاقة أخرى من الطراز نفسه أو من طراز Ascend 910B الأقدم، لتشغيل نموذجين للاستدلال بعد انتهاء التدريب.
ويصل إجمالي الرقائق التي عرضتها الشركة إلى 2008، مع خطة لإنجاز البنية التحتية خلال 12 شهرًا. لكن وثائق العرض تشير إلى أن المشروع يتجاوز إنشاء قدرة حوسبية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
فبحسب بلومبرغ، تتضمن التطبيقات المقترحة أنظمة للتعرف على الأفراد والمركبات بالاعتماد على قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب نظام للمراقبة الحضرية وصفته الشركة بأنه يوفر «رؤية بانورامية للمدينة على شاشة واحدة».
وتتضمن الشراكة شركة «آي فلايتك» الصينية المتخصصة في تقنيات التعرف على الوجه والصوت والمراقبة، وهي شركة مدرجة على القائمة السوداء الأمريكية منذ عام 2019، فيما تخضع هواوي نفسها لقيود أمريكية.
كما تحمل إحدى شرائح العرض شعار وزارة الأمن العام الصينية باعتباره مثالًا على «التطبيقات المرئية الأساسية».
وحتى الآن، لم تُعلن الحكومة المصرية فوز أي جهة بالمناقصة، فيما رفضت هواوي التعليق على العرض، ولم ترد وزارة الخارجية المصرية على أسئلة بلومبرغ.
لكن التطبيقات الواردة في الوثائق تضع ملف البيانات في صدارة المشروع، لأن أنظمة التعرف على الأشخاص والمركبات لا تعمل بالرقائق والكاميرات وحدها، وإنما تعتمد على تحليل المعلومات ومقارنتها وربطها بقواعد بيانات موجودة مسبقًا.

من يملك حق الوصول؟

تحتاج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى أكثر من الرقائق؛ فإلى جانب مراكز البيانات توجد البرمجيات وأنظمة الإدارة والتحديث والصيانة والدعم الفني، وهي مكونات يمكن أن تحدد عمليًا الجهات التي تستطيع الوصول إلى النظام.
وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر عندما تتعامل البنية مع بيانات شخصية أو مع تطبيقات للتعرف على المواطنين والمركبات، لأن حماية البيانات لا ترتبط فقط بالمكان الذي توجد فيه الخوادم. فحقوق الوصول إلى الأنظمة، وإدارة مفاتيح التشفير، وصلاحيات الدعم الفني والتحديث، كلها عناصر يمكن أن تحدد الجهة التي تملك السيطرة الفعلية على المعلومات التي تمر عبر البنية.
ويأتي ذلك في وقت تثار فيه مخاوف دولية من اعتماد الدول على بنى رقمية أجنبية في تشغيل أنظمة حساسة، خصوصًا عندما تجمع البنية بين المورد الخارجي والبرمجيات وخدمات الصيانة وإدارة البيانات.
وكان العرض المقدم من هواوي جزءًا من منافسة أوسع بين الولايات المتحدة والصين على سوق الذكاء الاصطناعي، إذ ذكرت بلومبرغ أن وزارة الخارجية الأمريكية تواصلت مع شركات إنفيديا وAMD ومايكروسوفت لبحث تقديم عرض منافس للمشروع المصري.
لكن تغيير المورد لا يحسم بمفرده سؤال حماية البيانات، إذ تظل الضمانات مرتبطة بشروط العقد والقوانين المنظمة لمكان معالجة البيانات ونقلها، وبصلاحيات الوصول التي يمكن أن تمنح للمورد خلال تشغيل البنية.
وفي هذا السياق، حذر محلل البيانات أحمد عبد الحميد، في منشور عبر «فيسبوك»، من الاعتماد الكامل على منظومة واحدة في الرقائق والبرمجيات والتدريب والصيانة، سواء كانت صينية أو أمريكية، معتبرًا أن الارتباط بمورد واحد قد يصعّب تغيير البنية أو إدارة مكوناتها بشكل مستقل في المستقبل.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية في مشروع يعتمد على بنية خارجية لتشغيل تطبيقات حكومية وأمنية، إذ لا تتوقف السيطرة على البيانات عند مكان تخزينها، بل ترتبط أيضًا بالجهات التي تملك المعرفة التقنية والقدرة على تشغيل الأنظمة وصيانتها وتحديثها.

قانون يحمي البيانات.. إلا عندما تصبح أمنية

ينظم قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 جمع البيانات الشخصية ومعالجتها، ويلزم المتحكم في البيانات، في الحالات التي ينص عليها، بالحصول على موافقة صاحب البيانات وتحديد الغرض من جمعها، كما يمنح أصحاب البيانات حقوقًا تتعلق بمعلوماتهم، من بينها التعديل والحذف في حالات محددة.
وتفرض المنظومة القانونية قيودًا على نقل البيانات الشخصية خارج مصر، كما تنص اللائحة على ضوابط خاصة بالبيانات التي يتم رصدها عبر وسائل المراقبة، ومن بينها عدم نقلها أو معالجتها خارج النطاق الجغرافي لمصر إلا في الحالات التي يقررها القانون.
لكن قانون حماية البيانات يستثني معالجة البيانات المتعلقة بالأمن القومي والتحقيقات القضائية وأنشطة إنفاذ القانون من نطاق تطبيقه، وهو استثناء يرتبط مباشرة بطبيعة التطبيقات الواردة في عرض هواوي.
فبحسب الوثائق التي اطلعت عليها بلومبرغ، يستهدف المشروع قطاعات عسكرية وأمنية وحكومية، ويتضمن أنظمة للتعرف على الأفراد والمركبات بالاعتماد على قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب نظام للمراقبة الحضرية.
وتسمح تقنيات الذكاء الاصطناعي بتحليل أعداد كبيرة من الصور والبيانات وربطها بقواعد معلومات، وتحويل التسجيلات إلى معلومات قابلة للبحث والمقارنة والتصنيف، وهو ما يوسع نطاق استخدام البيانات مقارنة بأنظمة المراقبة التقليدية.
ويعني استثناء المجالات الأمنية من القانون أن جانبًا من الضمانات المفروضة على جمع البيانات ومعالجتها ونقلها لا يسري بالطريقة نفسها على هذه التطبيقات، رغم أنها قد تتعامل مع بعض أكثر بيانات المواطنين حساسية.
وكانت هذه الاستثناءات محل مخاوف حقوقيين وباحثين قانونيين منذ صدور القانون عام 2020، وتكررت في دراسات تناولت استخدام الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات، مع التركيز على غياب آليات مساءلة واضحة تحدد من يجمع المعلومات، ومن يستطيع الوصول إليها، ولأي أغراض تستخدم.

تساؤلات حول الضمانات

طرحت الصحفية جورجيت شرقاوي، في منشور عبر «فيسبوك»، تساؤلات بشأن الضمانات القانونية والتقنية التي يمكن أن تحكم أي اتفاق يتعلق بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وربطت شرقاوي بين ملكية البيانات والسيطرة على البنية التي تعالجها، مشيرة إلى أهمية تحديد الجهة التي تملك مفاتيح التشفير وشروط وصول المورد الخارجي إلى الأنظمة خلال عمليات الصيانة والتحديث.
وحذرت من أن عقود الاستضافة والصيانة يمكن أن تمنح المورد صلاحيات للدخول إلى أجزاء من النظام أو تحديثها، ما يجعل تحديد هذه الصلاحيات جزءًا من حماية البيانات الحساس.
واقترحت شرقاوي أن تتضمن أي اتفاقات مستقبلية ضمانات واضحة بشأن ملكية مصر للبيانات، ومنع نقلها أو مشاركتها خارج البلاد إلا وفق ضوابط قانونية محددة. كما دعت إلى الاحتفاظ بمفاتيح التشفير داخل مصر، وتقييد الوصول الخارجي إلى البيانات، ووجود آليات رقابية مستقلة لمتابعة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتعامل مع معلومات المواطنين.

اختبار الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي

تضع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة من 2025 إلى 2030 الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات ضمن أهدافها، كما أقر المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي إطارًا وطنيًا لحوكمة استخدام التكنولوجيا.
لكن المناقصة المطروحة تمثل اختبارًا عمليًا لهذه المبادئ، في ظل الحديث عن بنية يمكن استخدامها في تطبيقات حكومية وأمنية، تشمل التعرف على الأشخاص والمركبات والمراقبة الحضرية.
ولا يزال اسم الشركة التي ستفوز بالمناقصة غير معروف، لكن المورد النهائي لن يكون وحده العامل الذي يحدد مستوى حماية بيانات المصريين.
وبينما تتنافس واشنطن وبكين على بيع القاهرة «العقل» الذي ستعمل به البنية الجديدة، يبقى الاختبار الأهم في «ذاكرتها»: من يملك بيانات المصريين، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يراقب استخدامها عندما تتحول الوجوه والمركبات والمدن إلى معلومات داخل قاعدة بيانات واحدة؟

 

أضف تعليقك
شارك