استثمارات الخليج في مصر.. عقار فاخر بلا إنتاج وطبقة متوسطة خارج الحسبة

أراضٍ ساحلية، منتجعات فاخرة، مدن سياحية ومشروعات عقارية تمتد على آلاف الأفدنة.. هكذا تبدو خريطة جديدة لرؤوس الأموال الخليجية في مصر، من رأس الحكمة إلى علم الروم والجفيرة، حيث تتوالى الصفقات بمليارات الدولارات لإعادة رسم الساحل الشمالي.
لكن خلف هذه الطفرة العقارية سؤال أكثر إلحاحًا: هل تتحول المليارات الخليجية إلى إنتاج ومصانع وقيمة مضافة مستدامة، أم أن الجزء الأكبر من الصفقات الكبرى
يتجه إلى الأرض والعقار والسياحة، بينما ترتفع أسعار السكن إلى مستويات تبتعد معها الطبقة المتوسطة أكثر عن القدرة على التملك؟

الجفيرة.. صفقة جديدة على الساحل

أحدث حلقات هذه الطفرة تظهر في الساحل الشمالي الغربي، حيث تتجه الحكومة المصرية إلى إسناد تطوير أرض «الجفيرة»، البالغة نحو 642 فدانًا، إلى مستثمر إماراتي بنظام المشاركة، في صفقة تقدر قيمتها بنحو 135 مليار جنيه، وفق ما نقلته «الشرق بلومبرغ» عن مسؤولين حكوميين.
وبحسب المصادر نفسها، يتضمن الاتفاق سداد قيمة الأرض على ست سنوات، إلى جانب تطوير مشروع سياحي وفندقي، مع حصول الحكومة المصرية على نسبة من عوائد المشروع وحصة عينية من الوحدات الفندقية. ولم تُعلن هوية المستثمر أو القيمة النهائية للصفقة حتى الآن، فيما لا تزال العقود النهائية قيد الاستكمال.
وتأتي الجفيرة بعد صفقات خليجية ضخمة جعلت الساحل الشمالي أحد أبرز مراكز الاستثمار العقاري والسياحي في مصر، وفي مقدمتها رأس الحكمة مع الإمارات، وعلم الروم مع قطر.

رأس الحكمة.. صفقة بـ35 مليار دولار

في فبراير 2024، أعلنت شركة «القابضة» (ADQ) الإماراتية اتفاقًا بقيمة 35 مليار دولار لتطوير مدينة رأس الحكمة، منها 24 مليار دولار مقابل حقوق تطوير المشروع، إلى جانب تحويل 11 مليار دولار من ودائع إماراتية لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات داخل الاقتصاد المصري.
ويمتد المشروع على مساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع، ويشمل مناطق سكنية وسياحية وتجارية وترفيهية، إلى جانب مرافق، وبنية أساسية، ومنطقة حرة واستثمارية.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفع إلى نحو 46.1 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، مقابل نحو 10 مليارات دولار في العام السابق، وأرجع البنك المركزي الزيادة بصورة أساسية إلى التدفقات المرتبطة بصفقة رأس الحكمة.
لكن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر تراجع إلى نحو 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، بعد انتهاء الأثر الاستثنائي للتدفقات المرتبطة بالصفقة.

علم الروم.. 29.7 مليار دولار

في نوفمبر 2025، وقعت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وشركة «الديار» القطرية اتفاقية لتطوير مشروع عمراني وسياحي في منطقة علم الروم بمحافظة مطروح، على مساحة تقارب 4900 فدان، وباستثمارات معلنة تبلغ نحو 29.7 مليار دولار.
ويمتد المشروع على نحو 7.2 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، ويشمل أنشطة سكنية وسياحية وتجارية وترفيهية، إلى جانب مرافق وخدمات ومارينا لليخوت ومشروعات فندقية.
وقالت «الديار» إن المشروع من المتوقع أن يوفر أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتتضمن الصفقة 3.5 مليار دولار ثمنًا نقديًا للأرض، بينما تبلغ قيمة الاستثمار العيني لتنفيذ المشروع نحو 26.2 مليار دولار، مع حصول هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على حصة قدرها 15% من أرباح المشروع بعد استرداد الشركة كامل تكلفتها الاستثمارية.

السكن يتصدر اهتمام المستثمرين الخليجيين

ولا تقتصر مؤشرات الاتجاه نحو العقار على الصفقات الحكومية الكبرى. ووفق تقرير «Destination Egypt 2025» الصادر عن «نايت فرانك»، جاء القطاع السكني في مقدمة القطاعات العقارية التي تستهدفها شريحة المستثمرين السعوديين والإماراتيين ذوي الثروات العالية، بنسبة 61%، يليه قطاع المكاتب الإدارية بنسبة 49%، ثم الوحدات السكنية ذات العلامات التجارية بنسبة 45%.
وأشار التقرير إلى أن نحو 1.4 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة العالمية تستهدف السوق السكنية المصرية، فيما جاءت العاصمة الإدارية الجديدة والساحل الشمالي ووسط القاهرة بين أبرز المناطق التي تحظى باهتمام المستثمرين.
وأظهر التقرير اختلافًا في أولويات المستثمرين الخليجيين؛ إذ تصدر السكن اهتمامات المستثمرين الإماراتيين، بينما أظهر المستثمرون السعوديون اهتمامًا أكبر بالمكاتب والصناعة واللوجستيات إلى جانب قطاعات أخرى.
وفي تقييمه لطبيعة الاستثمارات الخليجية، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن الاستثمارات القطرية والإماراتية والسعودية لم تتجه في معظمها إلى قطاعات إنتاجية صناعية، وإنما تركزت في العقارات والمنتجعات، مستشهدًا بصفقتي رأس الحكمة وعلم الروم.
وأشار عبده إلى أن لهذه الاستثمارات فوائد اقتصادية، بينها توفير فرص عمل داخل السوق المصرية وتخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، معتبرًا أن انتقال الدعم الخليجي من الودائع المصرفية إلى الاستثمارات والشراكات يمثل فائدة للاقتصاد المصري والمستثمرين.

«تصدير العقار».. رافد للعملة الصعبة

ومع توسع مشتريات الأجانب للعقارات المصرية، زاد الحديث عن «تصدير العقار» باعتباره مصدرًا للعملة الأجنبية.
وقال طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري ووكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب، إن قيمة تصدير العقار ارتفعت من نحو 500 مليون دولار في 2024 إلى نحو ملياري دولار في 2025، مع توقعات بمزيد من النمو.
وتقول التقارير الاقتصادية إن بيع العقارات للأجانب يوفر تدفقات دولارية إلى السوق المصرية، إلى جانب الإنفاق المرتبط بالإقامة والخدمات والسياحة.

العقار لا يرتفع بسبب الخليج وحده

وتزامن توسع السوق العقارية مع ارتفاعات كبيرة في أسعار الوحدات، إلا أن هذه الزيادة لا ترتبط بالاستثمارات الخليجية وحدها، إذ تتداخل معها عوامل أخرى تشمل تغيرات سعر الصرف وارتفاع تكاليف البناء وأسعار الأراضي وتكلفة التمويل والطلب المحلي.
وبحسب «نايت فرانك»، ارتفع متوسط سعر المتر في مدينة الشيخ زايد بنسبة 24.7% ليصل إلى 1,964 دولارًا، بينما سجلت زايد الجديدة نحو 2,100 دولار للمتر.
وسجلت القاهرة الجديدة متوسطًا بلغ نحو 1,750 دولارًا للمتر، وفق التقرير نفسه.

الأرض ترفع تكلفة الوحدة

وقال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في «الأهلي فاروس»، إن مساهمة سعر الأرض في تكلفة الوحدة السكنية ارتفعت إلى نحو 60% مقارنة بنحو 30% في السابق.
وتضاف إلى تكلفة الأرض تكاليف الإنشاء والتشطيبات والتمويل والتسويق والخدمات، وهي عناصر تأثرت بدورها بارتفاع أسعار مواد البناء وتكلفة التمويل خلال السنوات الأخيرة.

الطبقة المتوسطة بين الإسكان المدعوم والسوق المفتوحة

وأشارت دراسة صادرة عن مشروع «حلول للسياسات البديلة» بالجامعة الأميركية في القاهرة إلى التوسع في مشروعات الإسكان الفاخر وفوق المتوسط، خصوصًا في العاصمة الإدارية والمدن الجديدة، مع استمرار الفجوة بين طبيعة المعروض وحجم الطلب على الوحدات الأقل تكلفة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع تكلفة شراء العقارات بالنسبة إلى الأسر التي تحصل على دخولها بالجنيه، في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.

أسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع

وقال فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري، إن استمرار التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار مواد البناء والطاقة يمكن أن يدفع أسعار العقارات في مصر إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 15% و20% خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الظروف الحالية.وأشار فوزي كذلك إلى استمرار اهتمام المصريين في الخارج والمستثمرين الخليجيين بشراء العقارات المصرية.

دفاع رسمي.. العقار رافد للعملة الصعبة

وقال طارق شكري إن السوق العقارية المصرية أصبحت قادرة على جذب مليارات الدولارات من خلال بيع العقارات للأجانب، معتبرًا أن «تصدير العقار» يمثل مصدرًا للعملة الأجنبية إلى جانب المصادر الأخرى.
كما توفر المشروعات العقارية والسياحية فرص عمل خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، بينما ترتبط المشروعات السياحية والفندقية بعوائد لاحقة من التشغيل والخدمات.
وتكشف الصفقات الخليجية الكبرى المعلنة في مصر عن حضور قوي للعقار والسياحة في خريطة الاستثمار الجديدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السكن وتكاليف التمويل، ما يزيد صعوبة التملك على شرائح من الطبقة المتوسطة.

أضف تعليقك
شارك