رُكلوا من قضايا الدولة والنيابة الإدارية.. 800 دعوى و1200 تظلم من أوائل الحقوق

 

تفوقوا في دراستهم واجتازوا التقديرات، لكن عند التعيين في قضايا الدولة والنيابة الإدارية استُبعدوا.. هكذا حال مئات الخريجين من الحقوق والشريعة والقانون، الذين لم يشفع لهم تفوقهم الدراسي، فانتقل اعتراضهم من التظلمات إلى ساحات القضاء، عبر أكثر من 800 دعوى خلال شهرين فقط.
وتعود الأزمة إلى قراري رئيس الجمهورية رقمي 51 و52 لسنة 2026، الصادرين في 27 يناير، بشأن تعيين خريجي دفعتي 2019 و2020 بهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة.
وضم قرار تعيين النيابة الإدارية دينا عدنان فنجري أبو جبل، ابنة وزير العدل حينها، ونغم محمد الشريف، ابنة محافظ الإسكندرية الأسبق، ضمن المعينين بوظيفة معاون نيابة إدارية.
تقدم أكثر من 1200 مستبعد بتظلمات على نتائج التعيينات خلال مارس الماضي، فيما كشف مصدران قضائيان بمجلس الدولة بدرجة نائب رئيس المجلس، لوسائل إعلام محلية، عن إقامة أكثر من 800 دعوى أمام القضاء الإداري خلال أبريل ومايو للطعن على قرارات تخطي أصحابها في التعيين بالهيئتين.
واختصم الطاعنون رئيس الجمهورية ووزير العدل، إلى جانب رئيس الهيئة المعنية بكل دعوى، فيما أحالت محكمة القضاء الإداري الدعاوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقاريرها، التي بدأت تصل خلال أغسطس وسبتمبر.
ويقول الطاعنون إن أوراق عدد منهم خلت من أي سبب واضح يحول دون تعيينهم، سواء فيما يتعلق بالمقابلات الشخصية أو اللياقة أو السمعة الشخصية، معتبرين أن غياب سبب محدد يثير مسألة مشروعية قرارات التخطي.

استبعاد لأسباب أمنية و”لياقة مجتمعية”

لكن مع وصول تقارير هيئة مفوضي الدولة، ظهرت أسباب استند إليها الدفاع عن قرارات التخطي في بعض الحالات، من بينها وجود أسباب أمنية تحول دون التعيين، وصدور أحكام قضائية تخص والد المرشح أو أحد أفراد أسرته من الدرجة الأولى.
وتضمنت بعض الحالات أيضًا الاستناد إلى عدم “اللياقة المجتمعية”، من غير توضيح في المادة المنشورة لماهية الواقعة أو المعيار الذي بُني عليه هذا الوصف في كل حالة.
في المقابل، تمسك بعض الطاعنين بأن التحريات الخاصة بهم جاءت خالية من وقائع تحول دون تعيينهم، وأن ما نُسب إلى آبائهم أو أفراد أسرهم لا يعكس موقفهم الشخصي، مطالبين بفحص المستندات التي استندت إليها جهة الإدارة.
وأشار بعضهم إلى أخطاء في البيانات الواردة بمذكرات الدفاع، منها بيانات تتعلق بالجامعة التي تخرجوا فيها أو بتقديراتهم الدراسية، وإلى أن بعض الوقائع الواردة في المذكرات جاءت، بحسب دفوعهم، نتيجة نقل أو نسخ من حيثيات أحكام سابقة دون مواءمتها مع حالة كل طاعن.

التفوق أمام السلطة التقديرية

يستند الطاعنون إلى المادة 14 من الدستور، التي تنص على أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة ودون محاباة أو وساطة، وإلى المادة 53 التي تقرر المساواة أمام القانون وتحظر التمييز بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو المستوى الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
كما يستندون إلى مبدأ في قضاء المحكمة الإدارية العليا، ورد في الطعن رقم 11434 لسنة 46 قضائية عليا الصادر في 2 يوليو 2011، ومؤداه أن التفوق الملحوظ في المؤهل الدراسي يرتب لصاحبه أولوية في التعيين، ولا يجوز تخطيه بمن هو أدنى منه تقديرًا إلا بمبرر ظاهر ينال من تفوقه أو صلاحيته.
وتكرر الاستناد إلى المبدأ نفسه في الطعن رقم 5733 لسنة 63 قضائية عليا الصادر في 17 أكتوبر 2020، بحسب ما أوردته الدعاوى.
وفي مايو 2026، ألغت المحكمة الإدارية العليا قرارًا بتخطي خريجة حقوق في التعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية، وأمرت بما يترتب على ذلك من آثار قانونية، في حكم تناول قرارًا سابقًا بتعيينات النيابة الإدارية.
لكن أحكام القضاء لا تجعل التفوق الدراسي وحده حاسمًا في كل حالة؛ فقد سبق أن رفضت المحكمة طعنًا لخريجة رغم حصولها على تقدير مرتفع، بعدما اعتبرت أن عدم اجتياز المقابلة الشخصية كان سببًا قائمًا في ملفها، بما يعكس أن النزاع ينصب على مدى ثبوت سبب التخطي ومشروعيته في كل حالة.

أحكام سابقة لمئات الأوائل

ولا يتوقف ملف المستبعدين عند دفعتي 2019 و2020؛ ففي 2023، كشفت تقارير صحفية عن حصول أكثر من 100 من أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون، من دفعات 2006 حتى 2014، على أحكام من المحكمة الإدارية العليا بأحقيتهم في التعيين بالنيابة الإدارية.
وشملت الأحكام، وفق ما ورد في تلك التقارير، خريجين من أوائل كلياتهم بتقديرات مرتفعة، بينهم الأولى على حقوق جنوب الوادي بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف بنسبة 89.39%، والتاسعة على الكلية نفسها بنسبة 84.88%، وخريجون من كليات الشريعة والقانون حصل بعضهم على تقديرات امتياز وجيد جدًا.
وفي يناير 2022، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا بإلغاء تخطي إحدى أوائل الخريجات في التعيين معاونًا للنيابة الإدارية، وكانت حاصلة على ممتاز مع مرتبة الشرف، والثانية على دفعتها بنسبة 91.9%، مع خلو الأوراق من شواهد تؤثر على سمعتها أو سمعة أسرتها.
وفي قضية أخرى، أرست محكمة القضاء الإداري مبدأ بأحقية طالبة كانت الخامسة عشرة على دفعتها في التعيين بوظيفة مندوب مساعد بهيئة قضايا الدولة.
كما شهدت قضايا سابقة أحكامًا اختلفت نتائجها بحسب أسباب الاستبعاد؛ ففي إحدى القضايا أُلغي تخطي خريج شريعة وقانون حاصل على 84.5%، بينما رُفض طعن خريجة حصلت على 86.2% بعدما اعتبرت المحكمة أن عدم اجتياز المقابلة الشخصية يمثل سببًا مؤثرًا في قرار الاستبعاد.
وتوضح هذه الأحكام أن التقدير الدراسي يمثل عنصرًا أساسيًا في الدعاوى، لكنه ليس العنصر الوحيد الذي تنظر إليه المحكمة؛ إذ تبحث أيضًا في الأسباب التي استندت إليها جهة الإدارة ومدى ثبوتها وصلتها بصلاحية المتقدم لشغل الوظيفة.
وفي تعليق على القضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتب محمد عبد الله: “للأسف المشكلة الحقيقية أن الأحكام الصادرة في حالات التخطي لا يتم تنفيذها من جانب الحكومة، ويُكتفى بصرف تعويض لأصحابها، بالضبط مثل الأحكام التي تصدر لصالح المستبعدين من الترشح للمجالس النيابية”.
واتفقت معه نهى علي، قائلة إن هناك أحكامًا صادرة بالفعل منذ عام 2021 حتى الآن لم يتم تنفيذها، رغم إجراء جميع التحريات بعد صدور الحكم وموافقة النيابة الإدارية عليها”.
وبين 1200 تظلم وأكثر من 800 دعوى، ينتظر المستبعدون ما ستنتهي إليه المحاكم بشأن قرارات تخطيهم، وما إذا كانت الأسباب التي استندت إليها جهات الاختيار تكفي قانونًا لاستبعاد متفوقين من التعيين بالهيئات القضائية.

 

أضف تعليقك
شارك