لم يعد سعر الدواء في مصر معلومة يقرأها المريض بمجرد الإمساك بالعبوة، بل أصبح مرتبطًا بهاتف ذكي ورمز إلكتروني.
فمع بدء تطبيق قرار حذف الأسعار المطبوعة على عبوات الأدوية، يجد ملايين المرضى أنفسهم أمام نظام جديد تقول الحكومة إنه يحقق الرقابة والشفافية، بينما يرى منتقدوه أنه ينتزع من المواطن حقًا ظل مكفولًا لعقود.
ويأتي القرار في وقت شهدت فيه سوق الدواء موجات متتالية من زيادات الأسعار، ما أثار مخاوف من أن يتحول إخفاء السعر إلى وسيلة تجعل متابعة تلك الزيادات أكثر صعوبة، وأن يصبح المريض الحلقة الأضعف في معادلة تجمع الشركات والصيدليات والجهات المنظمة للسوق.
بداية التطبيق
تبدأ هيئة الدواء المصرية، تنفيذ المرحلة الأولى من حذف الأسعار المطبوعة على عبوات الأدوية، على أن يقتصر التطبيق في البداية على الشركات المنضمة إلى منظومة التتبع الدوائي الجديدة.
وقال محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، إن الشركات غير المنضمة ستواصل طباعة الأسعار، بينما تتوقف الشركات المنضمة عن ذلك، موضحًا أن عددها يقترب من 10 شركات فقط، بما يعني أن السوق سيشهد خلال المرحلة الانتقالية عبوات تحمل أسعارًا وأخرى لا تحمل أي سعر ظاهر.
وأوضح أن القانون ينص على طباعة السعر على العبوة، لكنه لا يرى تعارضًا مع النظام الجديد، لأن السعر سيكون محفوظًا داخل رمز الـQR، ويمكن تحديثه إلكترونيًا فور اعتماد أي تسعيرة جديدة.
وأضاف أن هذه الآلية ستقضي على أزمة وجود عبوات من الدواء نفسه بأسعار مختلفة، وهي المشكلة التي تكررت بعد موجات تحريك الأسعار، وألحقت خسائر ببعض الصيدليات وشركات التوزيع.
ويعتمد نظام الـQR على قيام المريض أو الصيدلي بمسح رمز الاستجابة السريع باستخدام الهاتف المحمول لإظهار السعر الرسمي وبيانات الدواء.
مبررات الهيئة
تؤكد الجهات المؤيدة للقرار أن الهدف ليس تحرير أسعار الدواء، وإنما تحديث طريقة إعلانها للمواطن.
وقال محمد البهي، مستشار غرفة صناعة الدواء وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، إن رمز الـQR سيتيح للمستخدم معرفة سعر الدواء، وبيانات تصنيعه، وتاريخ صلاحيته، والتأكد من أنه غير مغشوش، معتبرًا أن النظام يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.
وأوضح علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن تسعير الدواء في مصر ما زال يخضع للتسعير الجبري الذي تحدده هيئة الدواء، ولا تستطيع أي شركة تعديل الأسعار دون موافقتها.
وأشار إلى أن المتغيرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع تكلفة الإنتاج، فرضت إعادة النظر في آليات التسعير، مؤكدًا أن النظام الجديد لا يغير فلسفة التسعير، وإنما يطور آلية إعلان السعر.
اعتراض المرضى
في المقابل، يرى معارضو القرار أن المشكلة لا تتعلق بالتحول الرقمي، وإنما بحق المواطن في معرفة سعر العلاج بسهولة.
وقال محمود فؤاد، مدير مركز الحق في الدواء، إن حذف السعر من العبوة يمثل انحيازًا لصالح الشركات والمصانع والصيدليات، بينما يتحمل المريض وحده نتائج القرار.
وأوضح أن السعر المطبوع كان يمنح المواطن وسيلة مباشرة للتأكد من قيمة الدواء داخل الصيدلية، أما الآن فسيتعين عليه استخدام الهاتف المحمول والدخول إلى منظومة إلكترونية لمعرفة السعر.
وتساءل: “هل كل المواطنين يمتلكون هواتف ذكية؟ وهل كبار السن وسكان القرى والمناطق الفقيرة قادرون على استخدام هذه التقنية بسهولة؟”
وأكد أن الاعتراض لا يستهدف منظومة التتبع نفسها، بل يرفض حذف السعر من العبوة، لافتًا إلى أن كثيرًا من الدول تطبق أنظمة تتبع حديثة مع استمرار كتابة السعر بشكل واضح على المنتج.
مخاوف التلاعب
ويرى فؤاد أن نقل السعر إلى النظام الإلكتروني فقط قد يفتح الباب أمام تعديل الأسعار دون أن يلاحظ المواطن ذلك بسهولة.
وأضاف أن القرار قد يشجع بعض الصيدليات أو مخازن الأدوية على الاحتفاظ بالأدوية عند توقع زيادة جديدة في الأسعار، ثم إعادة طرحها بالسعر المحدث، بما يحقق لها أرباحًا إضافية ويؤدي إلى تفاقم نقص بعض الأصناف.
واعتبر أن حذف السعر من العبوة يخالف فلسفة التسعير الجبري، ويجعل المريض أقل قدرة على مراقبة السعر الحقيقي للدواء، واصفًا القرار بأنه “اعتداء على حق المواطن في معرفة سعر العلاج”.
زيادات متكررة
لا يأتي القرار بمعزل عن التطورات التي شهدها سوق الدواء خلال السنوات الأخيرة؛ فقد اتبعت هيئة الدواء سياسة التحريك التدريجي للأسعار، وشهد عام 2023 عدة موجات لزيادة أسعار مئات الأصناف، بينما وافقت الهيئة خلال عام 2024 على أكبر موجة زيادات، تراوحت بين 20 و25% لأدوية الأمراض المزمنة، ووصلت إلى نحو 50% لبعض الفيتامينات والمكملات الغذائية.
وفي مارس 2025، أطلقت هيئة الدواء المرحلة الأولى من منظومة التتبع الدوائي، التي تعتمد على منح كل عبوة رمزًا إلكترونيًا يمكن من خلاله متابعة مسار الدواء منذ خروجه من المصنع وحتى وصوله إلى المريض.
وأكد رئيس هيئة الدواء، علي الغمراوي، أن المنظومة تستهدف تعزيز الرقابة على سوق الدواء، وضمان سلامة المستحضرات المتداولة، وحماية البيانات الخاصة، إلى جانب مكافحة تداول الأدوية المغشوشة.
ويأتي تطبيق القرار في واحدة من أكبر أسواق الدواء بالمنطقة؛ حيث تضم مصر نحو 180 مصنعًا مرخصًا للأدوية، وأكثر من 150 مصنعًا للمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، إضافة إلى نحو 1600 مخزن وموزع، وأكثر من 71 ألف صيدلية مرخصة، وهو ما يجعل أي تغيير في آليات تداول الدواء أو إعلان أسعاره مؤثرًا بشكل مباشر على ملايين المواطنين.
غضب الشارع وتفاعل المنصات
ولم يقتصر الجدل على المتخصصين، بل امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر كثير من المواطنين عن رفضهم للقرار.
ورأى أحد مستخدمي منصة “إكس”، ويُدعى مايكل، أن “حذف السعر من العبوة سيؤدي إلى استغلال نقص بعض الأدوية ورفع أسعارها، كما سيخلق خلافات دائمة بين المرضى والصيادلة”، مؤكدًا أن “تثبيت السعر على العبوة كان أحد أهم ضمانات التسعير الجبري”.
وقال المواطن أحمد حسن، عبر حسابه على “فيسبوك”، “إن من حق الشارع معرفة أسباب حذف السعر من العبوة والفائدة التي ستعود عليه من هذا القرار، متسائلًا عن الجهة المستفيدة من هذا التغيير”.
أما المتابع مصطفى عبدالمجيد، فعلق محذرًا من أن “القرار سيحول الصيدليات إلى “سوبر ماركت”، بحيث يختلف السعر من مكان لآخر”.
فيما تساءل المواطن محمد العجمي عما إذا كانت هيئة الدواء تعمل لصالح المرضى أم لصالح شركات الأدوية والصيدليات، مطالبًا بتوضيح فلسفة إلغاء كتابة السعر الظاهر على العبوات.
اختبار الثقة
يبقى قرار حذف أسعار الأدوية من العبوات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين التحول الرقمي وحماية حقوق المرضى.
فبينما تؤكد هيئة الدواء أن النظام الجديد سيقضي على ازدواجية التسعير ويعزز الرقابة على سوق الدواء، يرى منتقدوه أن الرقمنة لا ينبغي أن تأتي على حساب أبسط حقوق المواطن، وهو أن يعرف ثمن العلاج الذي يشتريه دون الحاجة إلى هاتف ذكي أو تطبيق إلكتروني.
وفي ظل استمرار موجات تحريك أسعار الأدوية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستصبح التكنولوجيا أداة لتعزيز الشفافية، أم ستتحول إلى حاجز جديد يفصل المريض عن حقه في معرفة سعر دوائه؟