بيزنس الأدوية المغشوشة.. تجارة بآلام المرضى تتحدى الرقابة الحكومية

الدواء الذي يفترض أن ينقذ حياة المرضى، تحول بالنسبة للبعض إلى سلعة تُزوَّر وتُباع لتحقيق أرباح سريعة.
وبين عبوات مقلدة، وتشغيلات غير مطابقة للمواصفات، ومنصات إلكترونية تروج لمستحضرات مجهولة المصدر، تتسع تجارة تستغل حاجة المرضى وتختبر كفاءة منظومة الرقابة، بينما يجد بعض المرضى أنفسهم ضحايا لدواء يفترض أن يكون وسيلة للشفاء.
كان الطفل يونس، ذو العامين، أحد هؤلاء.
بدأت رحلة يونس عندما وصف له الطبيب مضادًا حيويًا لعلاج التهاب باللوزتين، إلا أن حالته الصحية ساءت بصورة مفاجئة رغم التزام أسرته بتعليمات العلاج.
وتقول والدته، سارة، إن الطبيب اشتبه في سلامة العبوة بعد استمرار الأعراض، لتكتشف لاحقًا وجود اختلافات واضحة في شكل الملصق الخارجي، قبل أن تتقدم بشكوى رسمية إلى هيئة الدواء المصرية ضد الشركة المنتجة والصيدلية التي صرفت الدواء
وتضيف أن طبيبًا من هيئة الدواء تواصل معها وطلب الحصول على صور ومقاطع فيديو للعبوة لفحصها، مؤكدة أن الطبيب المعالج حذرها من أن استمرار الطفل في تناول الدواء كان قد يعرضه لمضاعفات أكثر خطورة.
ورغم أن هيئة الدواء المصرية تواصل إصدار منشورات تحذيرية وسحب تشغيلات غير مطابقة للمواصفات، فإن الأدوية المغشوشة لا تزال تجد طريقها إلى بعض المرضى.
يثير هذا الأمر التساؤلات بشأن قدرة منظومة الرقابة على سد الثغرات التي تستغلها شبكات الغش، ويكشف عن تجارة واسعة تمتد من مصانع غير مرخصة، مرورًا بشبكات توزيع غير قانونية، وصولًا إلى منصات إلكترونية تعرض مستحضرات مجهولة المصدر.

17 تحذيرًا 

تكشف مراجعة أجرتها “أحوال مصرية” لمنشورات هيئة الدواء المصرية أن الهيئة أصدرت 17 منشورًا تحذيريًا خلال الفترة من بداية مايو وحتى منتصف يوليو.
تضمنت هذه المنشورات التحذير من تشغيلات دوائية مجهولة المصدر أو غير مطابقة للاشتراطات الفنية المعتمدة، في مؤشر يعكس استمرار محاولات تسلل مستحضرات غير آمنة إلى السوق الدوائية.
ورغم هذه التحذيرات، لا توجد تقديرات رسمية لحجم الأدوية المغشوشة المتداولة في السوق المصرية، إلا أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن نسبة الأدوية المغشوشة في إفريقيا قد تصل إلى 30% من إجمالي سوق الدواء.
وأوضحت المنظمة أن نسبة الأدوية المغشوشة تتراوح عالميًا بين 10 و30%، وتتسبب في وفاة نحو ألفي شخص يوميًا، ما يجعلها واحدة من أخطر الجرائم المرتبطة بالصحة العامة.
وفي المقابل، تمتلك مصر نحو 180 مصنعًا للأدوية، وأكثر من 150 مصنعًا للمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، إلى جانب نحو 1600 مخزن وموزع، وما يزيد على 71 ألف صيدلية مرخصة.
يفرض هذا تحديًا رقابيًا متواصلًا لضمان سلامة سلسلة تداول الدواء، بدءًا من المصنع وحتى وصوله إلى المريض.
وبين اتساع حجم السوق الدوائية وتعدد حلقات التداول، تبدأ رحلة الدواء المغشوش بعيدًا عن المصانع المرخصة، داخل ورش ومصانع غير قانونية، قبل أن يشق طريقه عبر منافذ توزيع مختلفة وصولًا إلى المريض.

ورش «بير السلم»

لا تبدأ رحلة الدواء المغشوش داخل الصيدلية، وإنما في ورش ومصانع غير مرخصة تعمل بعيدًا عن أعين الرقابة، قبل أن تجد طريقها إلى الأسواق عبر سلاسل توزيع غير قانونية.
ويقول رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، علي عوف، إن بعض القائمين على هذه التجارة يعتمدون على ماكينات إنتاج دواء خرجت من الخدمة داخل المصانع، أو على ماكينات بدائية تُصنع محليًا، لتُستخدم في إنتاج مستحضرات مقلدة يصعب تمييزها عن الأصل.
وأوضح أن بعض هذه المستحضرات لا تحتوي على أي مادة فعالة، إذ تُستبدل أحيانًا بمساحيق عديمة القيمة، مثل بودرة السيراميك أو غيرها من المواد، بينما تُقلد العبوة الخارجية والنشرة الداخلية والملصق بدرجة عالية من الاحتراف، بما يجعل اكتشافها أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة للمستهلك العادي، بل وأحيانًا للصيدلي نفسه.
وأوضح “عوف” أن بعض الورش ما زالت تصنع هذه المعدات أو تتاجر بها بعيداً عن الرقابة، وهو ما يمثل أحد أهم المنافذ التي تستغلها مصانع “بير السلم” لإنتاج الأدوية المغشوشة.

فواتير مزورة

لا تتوقف رحلة الغش عند مرحلة التصنيع، بل تمتد إلى حلقات التوزيع، حيث تلجأ بعض الشبكات إلى تزوير الفواتير وانتحال صفة موزعين معتمدين لإدخال الأدوية المغشوشة إلى السوق.
وأضاف عوف أن بعض هذه المنتجات تصل إلى الصيدليات من خلال عروض وخصومات قد تبلغ 40%، رغم أن أسعار الدواء في مصر تخضع للتسعير الجبري، وهو ما يثير تساؤلات حول مصدر هذه المستحضرات وآليات وصولها إلى منافذ البيع.
وأكد أن الصيدليات مطالبة قانونًا بعدم التعامل إلا مع موزعين معتمدين يحملون سجلًا تجاريًا وبطاقة ضريبية وترخيصًا رسميًا من هيئة الدواء.

عصابات دولية

ولا تقتصر تجارة الأدوية المغشوشة على التصنيع المحلي، إذ يشير رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، محفوظ رمزي، إلى أن جزءاً من هذه المستحضرات يدخل إلى مصر عبر شبكات تهريب منظمة.
وأوضح “رمزي” أن هذه تدخل من خلال  شحنات مستلزمات الإنتاج أو لعب الأطفال وغيرها لإخفاء الأدوية المغشوشة، بينما يُصنع جزء آخر داخل البلاد باستخدام معدات غير مرخصة.
وأكد “رمزي” أن استمرار بيع الدواء عبر “تجار الشنطة” أو من خلال كيانات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي يزيد من صعوبة إحكام الرقابة.
وطالب بتشديد القوانين، وإلزام جميع الصيدليات بالتعامل بالفواتير الرسمية فقط، مع تشديد الرقابة على تصنيع ماكينات إنتاج الدواء، باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة الغش.

الأونلاين.. منفذ للبيع

ومع تشديد الرقابة على بعض قنوات التداول التقليدية، وجدت تجارة الأدوية المغشوشة منفذًا جديدًا عبر التطبيقات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تعرض مستحضرات مجهولة المصدر بعيدًا عن الرقابة الدوائية.
وكشف نقيب صيادلة القاهرة، محمد الشيخ، عن رصد النقابة عمليات بيع أدوية عبر تطبيقات إلكترونية غير مطابقة للمواصفات ومغشوشة، محذراً من أن استخدامها قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطرة.
وأوضح الشيخ أن أسباب انتشار هذه الظاهرة تعود إلى غياب التوعية بأن الصيدلية هي الجهة الوحيدة المصرح لها بتداول الدواء، بينما لا تخضع هذه التطبيقات لأي ضوابط رقابية، وتعمل بصورة غير قانونية.
وأضاف أن مصدر الأدوية المعروضة عبر هذه التطبيقات مجهول، بخلاف الصيدليات التي تعرف مصادر أدويتها وتخضع لرقابة صارمة، داعيًا إلى تغليظ القوانين والتشريعات لمواجهة التطبيقات التي تبيع الأدوية من دون تراخيص رسمية.
وسبق أن تقدمت عضو مجلس النواب هناء أنيس رزق الله بطلب إحاطة حذرت فيه من خطورة تطبيقات بيع الأدوية على صحة المواطنين في مصر، من خلال بيع الأدوية المغشوشة ومجهولة المصدر.
وبينما تتسع منافذ تداول الدواء المغشوش، تؤكد هيئة الدواء المصرية أنها تواصل تنفيذ إجراءات رقابية تستهدف إحكام السيطرة على سوق الدواء، وملاحقة المستحضرات غير المطابقة للمواصفات، والحد من وصولها إلى المرضى.

تطبيقات بدون ترخيص

في مواجهة هذه الظاهرة، أكد الدكتور محمد سعد، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن الهيئة لا ترخص بيع الدواء عبر الإنترنت، وأن أي مستحضر يُعرض من خلال صفحات التواصل الاجتماعي أو التطبيقات الإلكترونية لا يخضع للرقابة الدوائية المعتادة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تداول أدوية مغشوشة أو مجهولة المصدر.

هل تكفي منشورات السحب؟

وقال محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، إن الرقابة على الدواء يجب أن تكون “سابقة لطرح المستحضرات في الأسواق وليست لاحقة عليه”، موضحًا أن المنظومة الرقابية عالميًا تقوم على منع طرح أي مستحضر إلا بعد استكمال إجراءات الفحص و التأكد من مأمونيته.
وأوضح فؤاد أن “جزءًا من البلاغات الخاصة بعدم المطابقة قد يعود إلى اكتشاف الشركات المنتجة لمحاولات غش أو تداول غير مشروع لمنتجاتها خارج القنوات الرسمية، مما يدفعها للإبلاغ عن ذلك تجنبًا للمساءلة القانونية أو التعويضات”.
وشدد فؤاد على أن “مكافحة غش الدواء تمثل تحديًا عالميًا، إلا أن بعض الدول تطبق عقوبات صارمة تصل إلى السجن لسنوات طويلة، وهو ما تسعى مصر لتطبيقه بتغليظ عقوبات الحبس والغرامة في مثل هذه القضايا”.
وفي السياق ذاته، أوضح محمد البهي، مستشار غرفة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض الغشاشين يستغلون الأدوية منتهية الصلاحية، ويدونون عليها تواريخ جديدة مقلدة.
وأشار “البهي” إلى أن هذا الأسلوب آخذ في الانتشار، بالتزامن مع إتاحة الصين توريد ماكينات تصنيع للأفراد دون وجود ضوابط شراء مماثلة لتلك التي تطبقها دول الاتحاد الأوروبي.
واستشهد رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، علي عوف، بواقعة ضبط سيارة في محافظة الدقهلية كانت تحمل مضادات حيوية مقلدة تُقدر قيمتها بنحو 50 مليون جنيه، بعدما استخدم المتهم فواتير مزورة باسم إحدى شركات التوزيع الكبرى.
ورغم حملات الضبط، والمنشورات التحذيرية، وإجراءات التفتيش التي تنفذها هيئة الدواء المصرية بصورة دورية، لا تزال الأدوية المغشوشة تجد منافذ للوصول إلى المرضى عبر ورش غير مرخصة، وشبكات توزيع غير قانونية، ومنصات إلكترونية تعمل خارج الإطار الرسمي.

أضف تعليقك
شارك