الكشك بـ60 ألف جنيه.. تطوير حضاري أم سبوبة على قفا أرزاق الغلابة؟

بعد أن ظل “الكشك” لسنوات طويلة بابًا صغيرًا للرزق تعيش منه أسر، يدخل اليوم في منظومة جديدة بالقاهرة، لها شكل موحد ومواصفات محددة وفاتورة تصل إلى 60 ألف جنيه، تحت عنوان “التطوير الحضاري”.. فهل يتحول تطوير الكشك من تحسين للمظهر العام إلى عبء يهدد مصدر رزق أصحابه؟

2739 كشكًا و1790 فاترينة

أعلن إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، بدء تطبيق منظومة الأكشاك الموحدة على مستوى أحياء العاصمة، في إطار خطة تستهدف الارتقاء بالمظهر الحضاري للشوارع والميادين، وتنظيم أوضاع الأكشاك والحد من التجاوزات والمخالفات.
وأشار صابر، خلال اجتماع المجلس التنفيذي للمحافظة في 17 سبتمبر الجاري، إلى أن القاهرة تضم 2739 كشكًا و1790 فاترينة.
وأوضح أن المنظومة الجديدة تستهدف توحيد الشكل العام للأكشاك المرخصة من خلال تصميم حضاري يتناسب مع طبيعة شوارع القاهرة وعراقتها، مع منح أصحاب الأكشاك المرخصة مهلة3 أشهر لتوفيق أوضاعهم وتطبيق النموذج الموحد.

كود لكل كشك

وبحسب المحافظ، ستتم إدارة منظومة الأكشاك الجديدة إلكترونيًا من خلال QR Code يوضع على واجهة كل كشك، ويمكن مسحه باستخدام الهاتف المحمول لإظهار بيانات صاحب الرخصة، والشارع والحي الموجود به الكشك، وتاريخ بداية الترخيص وموعد انتهائه، وما عليه من متأخرات، وغيرها من البيانات.
كما ستتضمن واجهة الكشك شعار المحافظة واسمه ورقم الترخيص، إلى جانب الـQR Code الخاص ببياناته، مع تخصيص مساحة محددة للإعلانات.

تصميم موحد ومساحات محددة

وأوضح صابر أن الكشك الموحد سيقام بمساحة2×3 أمتار أو 3×3 أمتار، ويضم طفاية حريق وعداد كهرباء، مع تصميم يتناسب مع طبيعة النشاط ويحافظ على الشكل العام للكشك وعدم التعدي على المساحات المحيطة به.
ويتضمن التصميم أماكن مخصصة لثلاجات المشروبات والحلوى، وأرففًا لعرض الأغذية والمنتجات المختلفة، فيما تدرس المحافظة أيضًا إمكانية توفير زي موحد للبائعين داخل الأكشاك.

تكلفة تصل إلى 60 ألف جنيه

وفيما يتعلق بتنفيذ النموذج الجديد، أشار محافظ القاهرة إلى أن صاحب رخصة الكشك يمكنه تنفيذ النموذج بمعرفته، أو الاستعانة بالورش التابعة للهيئة العامة لنظافة وتجميل وإنارة القاهرة، مع إمكانية تقسيط قيمة التنفيذ على عامين، بما ييسر على أصحاب الأكشاك توفيق أوضاعهم.
وأوضح أنه في حالة التنفيذ من خلال الورش الإنتاجية التابعة لهيئة نظافة وتجميل وإنارة القاهرة، يسدد صاحب الترخيص 25% من تكلفة تنفيذ الكشك مقدمًا، على أن يتم تقسيط باقي القيمة شهريًا لمدة عامين دون فوائد.
أما في حالة قيام صاحب الترخيص بتنفيذ نموذج الكشك المطور خارج الورش الإنتاجية، فيتم خصم 20% من قيمة حق الانتفاع لمدة عام واحد فقط، على أن تتم مراجعة تنفيذ وتصميم الكشك من خلال الورش الإنتاجية وفقًا للنموذج المعد من قبل المحافظة.

وبحسب ما نقله وائل فايز، الصحفي المتخصص في تغطية أخبار محافظة القاهرة، فإن التكلفة الإجمالية للتطوير عبر المحافظة تتراوح بين 50 و60 ألف جنيه، مع دفع 25% مقدمًا وتقسيط الباقي شهريًا على عامين، أو تولي صاحب الكشك التطوير بنفسه شريطة الالتزام بتصميم المحافظة ومساحته ومواصفاته المحددة.

لا تراخيص جديدة.. ولا تجديد دون النموذج

وأشار محافظ القاهرة إلى أن موقع الكشك سيحدد بناءً على رؤية الحي ووفقًا للقواعد المنظمة، بما لا يعيق حركة المرور، مع مراعاة عرض الرصيف.
وشدد على أنه لن يتم تجديد ترخيص أي كشك لا يلتزم بالشكل الموحد الجديد، مؤكدًا الحظر الكامل لتجاوز المساحة المقررة للكشك أو إشغال المساحات المحيطة به، وأن مخالفة الضوابط قد يترتب عليها إلغاء الترخيص وفقًا للقواعد المنظمة.
كما شدد على عدم قبول أي طلبات تجديد إلا بعد قيام المرخص له بتنفيذ النموذج المعتمد، ليصبح تنفيذ النموذج شرطًا أساسيًا للتجديد.
وأكد المحافظ أيضًا أنه لن يتم إصدار أي تراخيص جديدة لإقامة أكشاك بالقاهرة، موضحًا أن المنظومة الجديدة تقتصر على تنظيم أوضاع الأكشاك المرخصة القائمة بالفعل، ولن يُسمح بإقامة أكشاك جديدة، حفاظًا على الشكل الحضاري للعاصمة.

من التنظيم إلى مصدر الرزق

واعتبر المحافظ أن المنظومة تأتي في إطار حرص المحافظة على تحقيق الانضباط بالشوارع والميادين، والقضاء على المظاهر غير الحضارية والتعديات المرتبطة بالأكشاك المخالفة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقوق مرخصي الأكشاك وتنظيم أنشطتهم في إطار قانوني وحضاري.
وأوضح أن الأكشاك تعد من أملاك الدولة، ويتم إدارتها من خلال رسوم الإشغال والتراخيص المنظمة لها، مشددًا على أن الالتزام بالمساحة والتصميم المعتمدين يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار الترخيص.
وفي المقابل، حذر مؤمن حسن، صاحب كشك بحي مصر الجديدة، من تأثير تلك المنظومة على بعض أصحاب الأكشاك.
وقال: “نريد بالتأكيد أن تبدو المدينة أفضل.. لكن كثيرين من أصحاب الأكشاك في المناطق الأفقر لن يتمكنوا من تحمل التكلفة. بعضهم لن يجد خيارًا سوى الإغلاق”.

الأكشاك.. طوق نجاة الأولى بالرعاية

ولا تقتصر الأكشاك في بعض المبادرات على كونها مشروعات تجارية صغيرة، إذ استخدمت أيضًا كوسيلة للتمكين الاقتصادي وتوفير مصدر دخل لفئات من الأولى بالرعاية.
ففي يونيو 2022، شهدت إحدى مبادرات التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، توزيع 150 كشكًا مجهزًا بالكامل على 150 مواطنًا من ذوي الهمم من مختلف فئات الإعاقة، ضمن محور التمكين الاقتصادي لمبادرة “وصل الخير 2”.
وأُعلن وقتها أن المبادرة تستهدف دعم ذوي الهمم وخلق فرص عمل مناسبة لهم.

إعلانات على الكشك.. ومَن يستفيد؟

وتتضمن التصميمات الجديدة تخصيص مساحة للإعلانات على واجهة الكشك، إلا أن الجهات الرسمية لم توضح حتى الآن آلية استغلال هذه المساحات أو الجهة التي ستتولى تسويقها.
كما لم تُعلن تفاصيل بشأن المستفيد من عوائد الإعلانات، وما إذا كانت ستعود إلى صاحب الكشك لتغطية جانب من تكلفة التطوير، أم ستدار مركزيًا لصالح المحافظة أو جهة استثمارية أخرى، وهو ما يترك آلية الاستفادة من هذه المساحات دون تفاصيل معلنة حتى الآن.

تجربة سابقة باءت بالفشل

وليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها محافظة القاهرة إعادة تشكيل منظومة الأكشاك؛ ففي عام 2020 كان بالعاصمة نحو 2753 كشكًا مرخصًا، بينما قدرت مصادر وقتها إجمالي عدد الأكشاك، بما فيها المخالفة، بنحو 5 آلاف كشك، من بينها نحو 1250 كشكًا غير مرخص.
وكانت المحافظة قد بدأت آنذاك حصر الأكشاك المخالفة والمرخصة، تمهيدًا لتطبيق منظومة جديدة تستهدف تحديث الشكل وتقليص الإشغالات وتنظيم المساحات.
لكن المنظومة لم تكتمل، إذ اصطدمت بتكلفة استبدال الأكشاك القديمة، بعدما وصل سعر الكشك الجديد وقتها إلى نحو 75 ألف جنيه، وهو ما رفضه أصحاب الأكشاك، لتنتهي التجربة عمليًا عند استبدال 4 أكشاك فقط في حي باب الشعرية، قبل أن يتوقف المشروع.
وتأتي هذه التجربة السابقة في سياق النقاش الحالي حول تكلفة تطوير الأكشاك، بعدما سبق أن واجهت محاولة استبدال الأكشاك القديمة اعتراضات مرتبطة بتكلفة النموذج الجديد.
وبينما تستهدف محافظة القاهرة تنظيم الأكشاك وتحسين المظهر العام للشوارع وضبط المساحات والإشغالات، يبقى أمام أصحاب الأكشاك الانتقال إلى النموذج الجديد وفق القواعد المعلنة، في تجربة تعود بعد سنوات من تعثر محاولة سابقة.

 

أضف تعليقك
شارك