جرافات الحكومة فوق بيوت المصريين.. وفاة واستغاثات وتعويضات متأخرة

جرافات ماضية في طريقها، وبيوت تنتظر الإخلاء، وأهالي يرفعون أصواتهم بالاعتراض، يوثقون ما يحدث بالفيديو حتى حدثت الكارثة.. وفاة مواطن فور علمه بقرارات نزع ملكية أراضي وعقارات لإنشاء محور المرج ضمن أعمال توسعة الطريق الدائري.
في أحدث حلقات هذه السلسلة، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2449 لسنة 2026 ليضع مئات الأراضي والعقارات في نطاق جديد من نزع الملكية، بعدما اعتبر مشروع إنشاء محور المرج بنطاق محافظتي القاهرة والقليوبية من أعمال المنفعة العامة، ونص على الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر لصالح الهيئة العامة للطرق والكباري على الأراضي والعقارات اللازمة لتنفيذ المشروع.
القرار، المنشور في الجريدة الرسمية في 10 سبتمبر الجاري، لم يكتفِ بتحديد صفة المشروع، وإنما أرفق به كشوفًا بأسماء الملاك الظاهرين، وكشوفًا بإحداثيات مسار المشروع، و17 خريطة معتمدة للتخطيط الإجمالي.
فيما قدرت المذكرة الإيضاحية التعويضات المبدئية المطلوبة لنزع الملكية بنحو 620 مليون جنيه في نطاق القاهرة و6 مليارات جنيه في نطاق القليوبية، بإجمالي مبدئي يبلغ نحو 6.62 مليار جنيه.
وتكشف بيانات هيئة الطرق والكباري أن ملف التعويضات نفسه ليس واحدًا لكل المتضررين. ففي حالات المباني المقامة على أراضٍ مملوكة للدولة، كان التعويض الاجتماعي المعلن 40 ألف جنيه عن كل غرفة، بينما تختلف أوضاع العقارات المقامة على أراضٍ خاصة بحسب ملكية الأرض وترخيص المبنى وطبيعة الحالة.
ومع استمرار تنفيذ توسعة الدائري، وافقت الحكومة مؤخرًا على صرف تعويضات عن المباني لـ304 حالات كانت من بين الحالات المتعارضة مع المشروع.
وهكذا تتجاوز قصة محور المرج حدود قرار جديد بنزع الملكية. إنها حلقة أخرى في مشهد يتكرر منذ سنوات: طريق جديد يرسمه المخططون، وخط أحمر يمر فوق بيوت قائمة، وجرافات تنتظر انتهاء الإجراءات، ومواطنون ينتظرون أن يعرفوا كم يساوي البيت الذي سيغادرونه.

قرار إزالة يؤدي للوفاة

وتداول مواطنون على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشاب يعلن وفاة أخيه فور معرفته بقرارات الإزالة لتنفيذ محور المرج.
وقال شقيق المتوفي في الفيديو: “اخويا مات بسبب الزعل، يرضي مين ده، بيت عايشين فيه من سنين طويلة ومش عارفين ها نروح فين وهيدونا تعويض كام”.
ونشر أحمد العمدة عبر مجموعة باسم “صدى البلد” على فيسبوك قائلا: “استغاثة للسيد رئيس الجمهورية بسبب محور المرج-أبو زعبل.. البيوت اللي ها تتهد والخراب اللي ها يحصل في البلد الدنيا مش مستحملة يا ريس الناس غلابة تعبانة.. واحنا مش في فلسطين احنا في مصر أم الدنيا”.
فيما كتب مجدي شقرة على جروب “القلج بلدي وأفتخر”: “المنطقة مش محتاجة محور المنطقة محتاجة إزالة التعديات علي الطريق العام ورصفه ورفع كفاءته وتفعيل المحاور العرضية مثل محور الشيخ خليل وطريق مصنع الصابون وطريق سرياقوس.. لو ده حصل ستتحقق السيولة المرورية المطلوبة بدون أذى لأحد أو اقتلاع الناس من بيوتهم”.
وتابع: “على حكماء البلد بالتعاون مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ توصيل احتياجاتنا للمسؤولين وتوضيح أن هذا في الصالح العام وأيضا يقلل كثر من تكاليف التعويضات”.

جبهات مختلفة.. اعتراضا على الإخلاء

بينما كتب وليد الفقي: ” أنا مش ضد إنشاء محور لو له ضرورة حقيقية وفائدة اقتصادية ومرورية كبيرة.. لكن سؤالي للحكومة ببساطة: ما الجدوى الاقتصادية من المحور؟ وإيه الإضافة اللي ها يحققها لمصر ولأهالي المنطقة؟ وليه تم اختيار المسار ده تحديدًا؟”.
وتابع: ” نتحدث عن محور سيمر في مناطق سكنية كثيفة، وسيترتب عليه إزالة عقارات ونزع ملكية أراضٍ زراعية، وتم الإعلان عن تخصيص مليارات الجنيهات للتعويضات.. طيب قبل ما ندفع كل التكلفة دي، هل تمت دراسة كل البدائل الممكنة للمسار؟ هل فيه مسار بديل يحقق نفس الهدف ويقلل هدم البيوت ونزع ملكية الأراضي؟”.
واستكمل: “أنا بطلب من الحكومة تقنعنا بأهمية المشروع، وتقنع أهالي المرج والقلج والجبل الأصفر والخانكة وأبو زعبل إن المسار الحالي هو أفضل وأقل الحلول ضررًا. خصوصًا إننا أمام ظروف اقتصادية صعبة، وأمام تجارب أخرى في الوراق وطره خلقت حالة من التوتر بين الدولة وأهالي المناطق المتضررة.. فهل نحتاج نفتح جبهة جديدة مع أهالي هذه المناطق؟”.
لكن اعتراضات أهالي المرج لا تقف وحدها في مواجهة مشروعات الطرق والتطوير؛ ففي مناطق أخرى من القاهرة والجيزة، خاض سكان تجارب مشابهة مع الإخلاء ونزع الملكية والتعويضات.

مسيرة لأهالي طره ضد الإخلاء

قبل أيام خرج المئات من أهالي منطقة طرة البلد في القاهرة في مسيرة جابت شوارع المنطقة، رفضاً لمحاولات إخلاء منازلهم، ورددوا هتافات “مش هنمشي”.
وجاء تحرك الأهالي بعد تداول منشور عبر “فيسبوك”، حمل عنوان “ليلة حزينة على طرة كلها”، تضمن الحديث عن نزع ملكية عدد من المباني الواقعة في نطاق 100 متر من كورنيش النيل وحتى طريق مصر حلوان الزراعي، تمهيدًا لإزالتها للمنفعة العامة.
وتسبب المنشور المتداول في حالة من الجدل بين الأهالي، خاصة مع ارتباط الأمر بمنازل وممتلكات داخل المنطقة، وسط تساؤلات حول حقيقة ما يتم تداوله، وطبيعة الإجراءات الخاصة بالتطوير، وموقف المواطنين الذين قد تشملهم أعمال الحصر أو الإزالة.
وقال النائب وائل سعده، عضو مجلس النواب عن دائرة المعادي وطرة، إن ملف تطوير منطقة طرة البلد يحظى بمتابعة مستمرة منه، وأنه يتابع بشكل دائم مع الجهات التنفيذية المعنية كافة المستجدات المتعلقة بالمنطقة.
وأضاف، في بيان موجه إلى أهالي طرة البلد: “قرار تطوير منطقة كورنيش النيل في طرة البلد صدر وتم نشره في الوقائع المصرية بتاريخ 28 سبتمبر 2025″، لافتاً إلى أن الإجراءات التي تتم حاليًا تأتي في إطار تنفيذ القرار الصادر.

الوراق ترفع شعار “بيت مقابل بيت”

بالعودة لقضية مستمرة منذ سنوات، رفعت حملة “باقون على الجزيرة” التي شكلها عدد من أهالي جزيرة الوراق رفضاً لتهجيرهم، شعار “بيت مقابل بيت”.
جاء ذلك بعد أن وافقت الحملة على بدء التفاوض مع الحكومة بعد طرح تصور جديد يسمح ببقاء جميع السكان على الجزيرة، وإغلاق ملف التعويضات المالية أو الحصول على شقق في أبراج سكنية.
وكانت الحملة عقدت اجتماعاً مؤخرا، لاختيار ممثلين للاجتماع مع مسؤولي ملف جزيرة الوراق، لمناقشتهم في طرحهم الجديد الذي زعموه فيما يخص بقاء أهالي جزيرة الوراق في الجزيرة.
وأعلنت أنها تلقت اتصالاً من أحد المسؤولين عن ملف جزيرة الوراق أكد أن الدولة بصدد تقديم طرحٍ جديدٍ يخص أهالي الجزيرة، وأنه لا بد من مناقشة هذا الطرح مع ممثلين عن الأهالي، سعياً للوصول إلى حلٍ يرضي جميع الأطراف.

حتى صرف التعويضات.. يأتي متأخرا

ورصدت تقارير إعلامية أن 5 ملايين جنيه فقط، من إجمالي قيمة التعويضات البالغة نحو مليار و340 مليون جنيه، هو المبلغ الذي حصل عليه المتضررون من نزع ملكية العقارات التي تمت إزالتها لصالح مشروع المتحف المصري الكبير بمحافظة الجيزة.
انتقد النائب ايهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، في سؤال برلماني تقدم به للحكومة آليات تنفيذ قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، مؤكدا أن تأخر صرف التعويضات أو عدم حصول المواطنين على تعويضات كافية يمثل أزمة متكررة.
ووصف ما يتعرض له عشرات الآلاف من المواطنين في بعض الحالات بأنه “جريمة يومية” ومخالفة صريحة للمادة 35 من الدستور.
وأوضح أن المادة 35 تقرر حماية الملكية الخاصة، ولا تجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما وفقا للقانون، مشيرا إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في عدم الالتزام بهذا المبدأ عند التنفيذ.
وضرب عضو مجلس النواب مثالا لتوضيح تأثير تأخر صرف التعويضات، قائلا إن العقار الذي تبلغ قيمته السوقية مليون جنيه يمكن أن يصل التعويض عنه إلى مليون و200 ألف جنيه، وفقا للنسبة الإضافية التي أقرها تعديل قانون نزع الملكية عام 2020.
وأضاف أن بعض المواطنين قد يحصلون، عند الإخلاء والإزالة، على دفعة أولى محدودة، ثم ينتظرون عدة سنوات للحصول على باقي المستحقات، موضحا أن المواطن قد يجد نفسه خلال هذه الفترة مضطرا إلى استئجار مسكن، بينما ترتفع أسعار العقارات بصورة كبيرة.
وأشار إلى أنه في نموذج طرحه للتوضيح، قد يحصل المواطن على 140 ألف جنيه عند الإزالة، ثم يحصل بعد أربع سنوات على 760 ألف جنيه أخرى، ليصل إجمالي ما تقاضاه إلى 900 ألف جنيه، في الوقت الذي قد ترتفع فيه قيمة العقار البديل إلى نحو مليوني جنيه.
وأكد أن المشكلة في هذه الحالة لا تتعلق فقط بقيمة التعويض، وإنما أيضا بالتوقيت الذي يحصل فيه المواطن على مستحقاته، وتأثير ارتفاع الأسعار على القيمة الفعلية للمبلغ.
وكشف منصور أن تقديراته تشير إلى تضرر وإزالة أكثر من 15 ألف وحدة سكنية في محافظة الجيزة نتيجة مشروعات الطرق والمحاور، من بينها تطوير الطريق الدائري، ومحور عمرو بن العاص، وتطوير شارع ترسا، ومحور الفريق كمال عامر.
وأضاف أن مشكلات التعويضات لا تقتصر على الجيزة، وإنما تظهر في محافظات أخرى، بينها القاهرة وأسوان، مشيرا إلى أنه تابع عددا من الحالات على أرض الواقع واطلع على معاناة المواطنين قبل الإزالة وبعدها.
قد ينتهي الطريق إلى كوبري جديد، أو محور أسرع، أو سيولة مرورية أكبر.. لكن بالنسبة لمن هُدم بيته في مساره، تبدأ بعد ذلك رحلة أخرى “البحث عن بيت جديد، وانتظار التعويض، ومحاولة استعادة حياة تركها خلفه مع آخر جدار سقط”.

أضف تعليقك
شارك