ضخت الدولة استثمارات ضخمة في إنشاء مدن الجيل الرابع، ضمن خطة لإعادة رسم خريطة العمران في مصر وزيادة المساحة المأهولة بالسكان.
لكن وراء الأبراج والطرق وشبكات البنية التحتية والتكنولوجيا، تبرز أسئلة تتعلق بقدرة هذه المدن على جذب السكان، وتوفير السكن الملائم وفرص العمل والخدمات، والعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق مقابل المليارات التي أُنفقت عليها.
وبينما تتواصل مشروعات البناء والتوسع العمراني، يظل تقييم هذه السياسة مرتبطًا بما تحقق على الأرض، من معدلات الإشغال والتشغيل إلى تكلفة السكن والخدمات، ومدى استفادة المواطنين من الاستثمارات الحكومية.
مليارات للإنشاءات.. من يتحمل الفاتورة؟
استعرض المركز الإعلامي لمجلس الوزراء جهود الدولة في التوسع العمراني، مشيرًا إلى إنشاء 22 مدينة خلال الفترة من 1977 إلى 2014 على مساحة 700 ألف فدان، مقابل البدء في إنشاء 39 مدينة من مدن الجيل الرابع منذ عام 2014، على مساحة إجمالية تبلغ نحو 1.5 مليون فدان.
وبحسب البيانات الحكومية، ارتفعت نسبة المساحة المأهولة بالسكان إلى 14.5%، مقابل 7% عام 2014، فيما تستهدف المدن الجديدة استيعاب نحو 60 مليون نسمة بعد اكتمالها.
ويتزامن هذا التوسع مع نمو متوقع في سوق الإنشاءات المصرية. فوفق تقديرات شركة «موردور إنتليجنس»، يُتوقع ارتفاع حجم السوق من 48.67 مليار دولار عام 2025 إلى 70.27 مليار دولار بحلول 2031، مدفوعًا بالإنفاق على المشروعات العمرانية والبنية التحتية والنقل والطاقة، إلى جانب الاستثمارات الخاصة.
وعلى مستوى تكلفة إنشاء المدن الذكية، نقلت تصريحات سابقة عن خالد عباس، نائب وزير الإسكان السابق، تقديرات باستثمارات تبلغ نحو 700 مليار جنيه، تتحمل الدولة قرابة 70% منها لتوفير الشبكات المركزية والمرافق الأساسية، بينما يساهم القطاع الخاص بالنسبة المتبقية من خلال تطوير المشروعات السكنية والتجارية والخدمية.
ولا تقتصر تكلفة هذه المشروعات على تشييد الوحدات السكنية والأبراج، بل تشمل تجهيز الأراضي، وإنشاء الطرق وشبكات المياه والصرف والكهرباء والاتصالات، وتنفيذ المنشآت الخدمية، فضلًا عن تكاليف التشغيل والصيانة.
وتبرز العاصمة الإدارية الجديدة بوصفها أحد أكبر مشروعات التوسع العمراني، إذ تقدر بعض المصادر تكلفتها بنحو 58 مليار دولار، مع اختلاف التقديرات بحسب نطاق المشروعات التي تشملها وطريقة احتساب التكلفة.
وفي ظل هذه الاستثمارات، تناول الكاتب الصحفي عبد الرحمن أياس في مقال المفاضلة بين التوسع في إنشاء المدن الجديدة وتوجيه الاستثمارات إلى تطوير البنية التحتية والخدمات في المدن القائمة، في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية واحتياجات متزايدة إلى تحسين الخدمات القائمة.
أما على مستوى تقييم المدن، فتراجع ترتيب القاهرة في مؤشر المدن الذكية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) من المركز 117 عام 2025 إلى المركز 125 عام 2026. ويعتمد المؤشر على مجموعة من المعايير المرتبطة بالبنية والخدمات والتكنولوجيا وتصورات السكان، لكنه لا يقيس بصورة مباشرة أداء جميع مدن الجيل الرابع، ولا يمثل حسابًا للعائد المالي من إنشائها.
مدن جديدة.. أين السكان؟
لا يتوقف نجاح المدن الجديدة عند استكمال الإنشاءات، بل يرتبط بقدرتها على جذب السكان وتحويل الوحدات السكنية والمناطق العمرانية إلى مجتمعات مأهولة تتوافر فيها مقومات الحياة والعمل.
وفي هذا السياق، قدّرت دراسة نُشرت عام 2025، تناولت 22 مجتمعًا عمرانيًا جديدًا من الأجيال السابقة، عدد السكان بنحو 8.54 مليون نسمة، مقابل مستهدف سكاني يقارب 27.49 مليونًا، بما يعادل نحو 31% من المستهدف.
ورصدت الدراسة تفاوتًا بين المدن في معدلات جذب السكان، إلى جانب تحديات تتعلق بجودة الحياة والاستقلال الاقتصادي. وتخص هذه النتائج المجتمعات التي شملتها الدراسة، ولا تمثل حصرًا شاملًا لجميع مدن الجيل الرابع.
وفي أغسطس 2026، نُقلت عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية تقديرات بأن المدن الجديدة جذبت نحو 1% فقط من السكان المستهدفين.
وتتأثر قرارات الانتقال إلى المدن الجديدة بعوامل تتجاوز توافر الوحدة السكنية، إذ تشمل فرص العمل والمدارس والمستشفيات والأسواق والخدمات الحكومية، فضلًا عن وسائل النقل التي تربط مناطق السكن بمراكز العمل والنشاط الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، قال أستاذ التخطيط العمراني الدكتور سيف الدين فرج إن المدن الجديدة ينبغي ألا تقتصر على توفير السكن، بل يجب أن تضم فرص عمل وخدمات أساسية، من بينها المدارس والمستشفيات، حتى تصبح مجتمعات عمرانية متكاملة.
وتدخل تكلفة الانتقال والمعيشة بدورها في حسابات الأسر، بدءًا من سعر الوحدة ومقدم الحجز والأقساط، وصولًا إلى مصروفات المواصلات والصيانة والخدمات اليومية. وتختلف هذه الأعباء من مدينة إلى أخرى بحسب موقعها وتوافر الخدمات ومدى ارتباطها بمناطق العمل.
السكن والعمل.. لمن بُنيت المدن الذكية؟
تقدم مدينة نور، التي تطورها مجموعة طلعت مصطفى في شرق القاهرة على مساحة تبلغ نحو 5 آلاف فدان، نموذجًا للمشروعات السكنية الجديدة التي تضم وحدات ومناطق خدمية وتجارية.|
وتظهر إعلانات إعادة البيع المنشورة على موقع «بروبرتي فايندر» عروضًا لوحدات في المدينة بأسعار مطلوبة تبلغ نحو 4.14 مليون جنيه و7.82 مليون جنيه، فيما تصل بعض العروض إلى 10.7 مليون جنيه. وهذه أسعار معلنة في إعلانات فردية، وليست متوسطًا لأسعار جميع الوحدات أو أسعارًا مؤكدة لصفقات بيع نهائية.
وفي دراسة لمركز «حلول للسياسات البديلة» بالجامعة الأميركية في القاهرة، تناول باحثون التوسع في مشروعات الإسكان الفاخر وفوق المتوسط، والتحديات المرتبطة بتلبية احتياجات الإسكان منخفض التكلفة.
وحذر الخبير الاقتصادي أحمد بدرة، في تصريحات صحفية سابقة، من توجيه رؤوس الأموال إلى أصول عقارية لا تحقق إنتاجًا مباشرًا على حساب قطاعات مثل الصناعة والزراعة، فيما أعرب الخبير الاقتصادي جودة عبد الخالق عن مخاوفه من اتساع ظاهرة المدن الشاغرة والوحدات السكنية المغلقة.
وتتجاوز القضية بذلك عدد الوحدات التي يجري بناؤها إلى طبيعة الطلب عليها، والفئات القادرة على شرائها، ومدى ارتباط السكن بفرص العمل والخدمات. فوجود وحدات سكنية مكتملة لا يعني بالضرورة تسليمها أو إشغالها، كما أن انتقال السكان لا يضمن وحده توافر فرص العمل والخدمات بالقرب من مساكنهم.
وتوضح بيانات حكومية عن مساكن الموظفين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية ومدينة بدر جانبًا من الوحدات التي وصلت إلى مرحلة التسليم. ففي يوليو 2025، أعلنت الحكومة تسليم 13,334 وحدة من أصل 14,361 وحدة مخصصة للموظفين، موزعة بين الحي السكني الثالث بالعاصمة الإدارية ومشروع «زهرة العاصمة» بمدينة بدر.
وتشمل هذه الأرقام 3,921 وحدة جرى تسليمها من أصل 4,192 وحدة في الحي السكني الثالث، و8,514 وحدة من أصل 8,593 وحدة في المرحلة الأولى من «زهرة العاصمة»، و899 وحدة من أصل 1,576 وحدة في المرحلة الثانية.
لكن هذه الأرقام تخص مساكن الموظفين المرتبطة بالانتقال إلى العاصمة الإدارية ومدينة بدر، ولا تمثل إجمالي الوحدات المسلّمة في جميع مدن الجيل الرابع، كما أن التسليم لا يثبت بالضرورة الإشغال الدائم.
أما فرص العمل، فتستهدف العاصمة الإدارية توفير مليوني فرصة عند اكتمال نموها. وتحدد البيانات الحكومية كذلك مستهدفات مستقبلية تبلغ 200 ألف فرصة عمل في أسوان الجديدة، و80 ألفًا في ناصر الجديدة بغرب أسيوط، و150 ألفًا في غرب قنا.
وتظل هذه الأرقام مستهدفات معلنة، ولا توضح بمفردها عدد الوظائف التي تحققت بالفعل، أو عدد المنشآت التي بدأت التشغيل، أو مدى استقرار فرص العمل التي وفرتها المشروعات العاملة. كما لا يجوز جمع هذه المستهدفات باعتبارها وظائف قائمة، أو التعامل معها باعتبارها نتائج تحققت بالفعل.
الإيجار المنتهي بالتملك.. محاولة لتوسيع قاعدة المستفيدين
في مواجهة تحديات القدرة على تحمل تكلفة السكن، اتجهت وزارة الإسكان إلى طرح وحدات بنظام الإيجار المنتهي بالتملك. ففي أغسطس 2026، أعلنت الوزارة استعدادها لطرح نحو 5 آلاف وحدة سكنية بهذا النظام في 25 مدينة جديدة.
وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلنت الحكومة طرحًا أوسع يضم 25 ألف وحدة بنظامي الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك، منها 10 آلاف وحدة من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، و15 ألف وحدة ضمن برنامج الإسكان المخصص للفئات المستحقة.
ويتيح نظام الإيجار المنتهي بالتملك للمستفيدين الحصول على وحدة وفق شروط تعاقدية محددة، مع إمكانية الانتقال إلى التملك وفق ضوابط البرنامج. لكن الإعلان عن الوحدات المطروحة لا يعني بالضرورة تخصيصها وتسليمها أو استقرار المستفيدين فيها.
ويظل أثر هذه المبادرات مرتبطًا بأعداد المتقدمين والمستفيدين الفعليين، وقيمة الإيجارات وشروط التعاقد، ومدى قدرة الفئات المستهدفة على تحمل الالتزامات المالية والاستقرار في المدن التي تتوافر فيها الوحدات.
جدوى الإنفاق.. أين حسابات العائد والرقابة؟
تكشف البيانات الحكومية المنشورة عن حجم الإنفاق على مدن الجيل الرابع ومشروعات الإسكان والمرافق والخدمات، لكنها لا تقدم في المصادر التي أمكن التحقق منها صورة موحدة للعائد الفعلي من هذه الاستثمارات.ففي مدن الجيل الرابع بصعيد مصر، بلغ الإنفاق المعلن خلال الفترة من 2014 إلى 2021 نحو 12.4 مليار جنيه، شمل 7.3 مليار جنيه لقطاع الإسكان وتنفيذ 24,798
وحدة سكنية، إلى جانب 68 مشروعًا خدميًا بتكلفة 1.2 مليار جنيه، ومشروعات للمرافق والطرق.
وتوضح هذه الأرقام حجمًا من الإنفاق والمشروعات المنفذة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد عدد الوحدات التي سُلّمت وأُشغلت فعليًا، أو حجم الوظائف التي وفرتها المنشآت العاملة، أو الإيرادات المتحققة من بيع الأراضي والوحدات مقارنة بتكاليف الإنشاء والتشغيل والصيانة.
وتتيح نشرة الإسكان الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بيانات عن الوحدات المنفذة بحسب نوع الإسكان والمحافظة، لكنها لا تمثل بمفردها حصرًا لمعدلات الإشغال الفعلي أو الوظائف الناتجة عن تشغيل مدن الجيل الرابع.
ويتطلب تقييم النتائج التمييز بين مراحل متعددة: بدء تنفيذ المشروع، واكتمال الوحدات والمرافق، والتسليم، ثم الإشغال الفعلي وتشغيل المنشآت والخدمات. فلكل مرحلة دلالتها، ولا يمكن اعتبار الإنفاق أو اكتمال البناء دليلًا كافيًا على تحقق المستهدفات السكانية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي السياق البرلماني، تقدم عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي بسؤال إلى وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية راندا المنشاوي، ووزير العمل حسن رداد، بشأن جدوى الاستثمارات التي ضختها الدولة في المدن الجديدة على مدار نحو 50 عامًا، وفقًا لما أوردته تقارير صحفية.
ويضع هذا السؤال ملف المدن الجديدة أمام اختبار يتجاوز حجم الإنشاءات والمساحات المضافة إلى الخريطة العمرانية، ليشمل النتائج التي تحققت من الإنفاق العام، ومدى قدرة المدن على جذب السكان وتوفير فرص العمل والخدمات والسكن الملائم.
ويحتاج تقييم هذه السياسة إلى نشر بيانات مالية وتشغيلية وسكانية مفصلة من الجهات المسؤولة عن المشروعات، بحيث يمكن تحديد ما تحقق من مستهدفات الإنشاء والإشغال والتشغيل، ومقارنة النتائج بالتكاليف والاستثمارات المعلنة.
وبينما تستمر الدولة في إنشاء المدن الجديدة وتطوير بنيتها التحتية، تظل بيانات التكلفة الفعلية ومعدلات الإشغال والوظائف والخدمات والإيرادات عناصر أساسية للحكم على النتائج الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشروعات، ومدى استفادة المواطنين منها.