فشل حكومي في كبح الاستيراد.. فاتورة الواردات تتجاوز 108 مليارات دولار والعجز يقفز إلى 64.8 مليارًا

للمرة الأولى، تتجاوز فاتورة الواردات المصرية 100 مليار دولار، بينما يتسع العجز التجاري رغم نمو الصادرات، في مؤشر على اتساع الفجوة بين أهداف زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الخارج، والنتائج الفعلية للتجارة المصرية.
وبينما تواصل الحكومة التعهد بزيادة الصادرات وتوطين الصناعة، تكشف الأرقام عن استمرار تفوق نمو الواردات على الصادرات، وارتفاع العجز إلى 64.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بما يضع حصيلة السياسات الحكومية في هذا الملف أمام اختبار الأرقام.

فاتورة الاستيراد

أظهرت بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي المصري ارتفاع الواردات إلى 108.7 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 91.2 مليار دولار في العام السابق، بزيادة تقارب 17.5 مليار دولار.
وسجلت الواردات غير البترولية 83.9 مليار دولار، مقابل 71.7 مليار دولار، بارتفاع 16.9%، فيما زادت الواردات البترولية إلى 24.9 مليار دولار، مقابل 19.5 مليار دولار، بنمو 27.6%.
واستحوذت السلع الوسيطة على 55.2% من الزيادة في الواردات غير البترولية، بما يعكس ارتباط جانب كبير من الفاتورة بمستلزمات الإنتاج.

وفي قطاع الطاقة، ارتفعت واردات الغاز الطبيعي بنحو 4.7 مليار دولار والبترول الخام بنحو 1.9 مليار دولار، بينما تراجعت واردات المنتجات البترولية بنحو 1.2 مليار دولار، وفق بيانات البنك المركزي.

صادرات ترتفع.. وعجز يتسع

في المقابل، بلغت الصادرات المصرية 43.9 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 40.2 مليار دولار في العام السابق، وفق بيانات البنك المركزي المصري. لكن الزيادة لم تمنع ارتفاع عجز الميزان التجاري السلعي إلى 64.8 مليار دولار، بنمو 27.1%.

كما ارتفع عجز التجارة غير البترولية إلى 46.6 مليار دولار، مقابل 37.1 مليار دولار، بالتزامن مع نمو الواردات غير البترولية بنسبة 16.9%.
وكان وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد قد أعلن ارتفاع الصادرات غير البترولية بنسبة 4% إلى 33.6 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مشيرًا إلى أن النمو يصل إلى 12% بعد استبعاد بعض المنتجات والسلع الاستثنائية. وخلال النصف الأول من العام، بلغت الصادرات غير البترولية 25.5 مليار دولار، بنمو 3%، يرتفع إلى 12% بعد استبعاد الذهب.

العجز يرتفع 53.95% في شهر واحد

وتكشف بيانات التجارة الخارجية الشهرية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن اتساع الفجوة في يوليو 2026، إذ ارتفع العجز التجاري إلى 8.04 مليار دولار، مقابل 5.22 مليار دولار في يوليو 2025، بزيادة 53.95%.
وبحسب بيانات الجهاز، ارتفعت الصادرات بنسبة 0.58% فقط إلى 3.93 مليار دولار، بينما قفزت الواردات بنسبة 31.13% إلى 11.97 مليار دولار.
وعلى صعيد الصادرات، ارتفعت صادرات المنتجات البترولية بنسبة 55.1%، والملابس الجاهزة 18.2%، والبلاستيك بأشكاله الأولية 6.6%، والمكرونة والمحضرّات الغذائية المتنوعة 2.4%. في المقابل، تراجعت صادرات الأسمدة 47.1%، والبترول الخام 39%، والأدوية 17.9%، والسكر المكرر 18.5%.

أما الواردات، فسجلت زيادة في الغاز الطبيعي بنسبة 88.5%، والأدوية 40.7%، والحديد والصلب بأشكالهما الأولية 4.3%، والبلاستيك بأشكاله الأولية 5.3%. وتراجعت في المقابل واردات المنتجات البترولية 13.4%، وسيارات الركوب 13.3%، والذرة 12.8%، والزيوت المكررة 34.1%.
ورغم أن بيانات يوليو شهرية ولا تمثل حصيلة العام المالي كله، فإنها تكشف الفارق بين نمو محدود للصادرات وقفزة أكبر في الواردات، وهو ما يفسر استمرار الضغط على الميزان التجاري.

احتياجات الإنتاج أم اعتماد متزايد على الخارج؟

قال خالد نور الدين، عضو مجلس إدارة الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن الواردات تلبي احتياجات السوق من مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والطاقة، ولا تقتصر على السلع الاستهلاكية، بل تشمل المواد الخام ومستلزمات التشغيل والآلات والمعدات.
بينما أرجع الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب جانبًا من اتساع العجز إلى ارتفاع واردات الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية لتأمين الاحتياجات المحلية، إلى جانب زيادة الأسعار والمشكلات الهيكلية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، التي أثرت على استيراد الخامات ومدخلات الإنتاج والإنتاج والصادرات.

تحذير برلماني

وفي طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ونائبه للشؤون الاقتصادية والوزراء المعنيين، حذر النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، من اتساع عجز الحساب الجاري والميزان التجاري، رغم تسجيل ميزان المدفوعات فائضًا إجماليًا.

وبحسب تقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي المصري، بلغ الفائض الكلي 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل عجز قدره 2.1 مليار دولار في العام السابق، بينما ارتفع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار، مقابل 15.4 مليار دولار، بزيادة 45.6%.
وأشار فؤاد إلى ارتفاع عجز ميزان دخل الاستثمار بنسبة 33.8% إلى 21.2 مليار دولار، وبلوغ مدفوعات دخل الاستثمار إلى الخارج 23.9 مليار دولار، بينها 8.1 مليار دولار فوائد. كما أشار إلى أن تحويلات المصريين بالخارج بلغت 47.3 مليار دولار، فيما سجلت التدفقات الصافية إلى الحساب الرأسمالي والمالي 23.2 مليار دولار.

ولفت إلى تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع البترول والثروة المعدنية من 598.3 مليون دولار إلى 190.2 مليون دولار، بانخفاض يقارب 68%، رغم وصول التدفقات الداخلة إلى القطاع إلى 6.7 مليار دولار، مقابل تحويلات للخارج بلغت 6.5 مليار دولار.
واعتبر أن ذلك يستدعي التمييز بين إجمالي التدفقات وصافي الاستثمار الفعلي، وبين الاستثمارات التي تحافظ على الإنتاج القائم وتلك التي تضيف طاقات جديدة.
كما دعا إلى تقييم خطط زيادة إنتاج الغاز والبترول، في ظل استمرار الحاجة إلى الاستيراد، مشيرًا إلى أن نحو 956 مليون دولار من إجمالي الزيادة البالغة مليار دولار في الصادرات البترولية تحققت خلال الربع الأخير وحده، فيما ساهم الذهب في نمو الصادرات غير البترولية، ما يستدعي فحص مدى استدامة هذا النمو.
وطالب فؤاد الحكومة بتوضيح أسباب اتساع العجز الجاري، وخطط زيادة الصادرات وخفض فاتورة استيراد الطاقة، وتحسين نوعية الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب بيان هيكل الاقتراض الخارجي وآجاله ومخاطر إعادة تمويله، ووضع مستهدفات قابلة للقياس لخفض العجز التجاري والبترولي.
وأكد أن النجاح لا يُقاس بمجرد تدبير الدولار لتغطية العجز، بل بالقدرة على تقليصه عبر زيادة الإنتاج والتصدير واستعادة إنتاج الطاقة وتقليل الاحتياجات التمويلية الخارجية، بدلًا من إعادة تمويلها عامًا بعد آخر.

انتقادات لضعف التصنيع

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد شريف البارودي اعتماد الاقتصاد على الاستيراد، وكتب عبر “فيسبوك”: “تخيل كل سنة عندك عجز في الميزان التجاري 65 مليار دولار عشان بتستورد كل حاجة من الإبرة للصاروخ.. بلد 120 مليون مش بتصنع حاجة خالص”.وأضاف أن مصر كانت تصنع السيارات منذ عقود، بينما تستورد الآن منتجات مثل الدراجات البخارية والسكوتر، معتبرًا أن اقتصاد دولة كاملة لا يمكن أن يقوم على العقارات وحدها.

دعم الصادرات.. هل يحقق النتيجة المطلوبة؟

يبلغ عدد الشركات المصدرة نحو 50 ألف شركة، بينما تستحوذ أكبر 45 شركة على 43% من إجمالي الصادرات، بحسب ما نقله موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، عن تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد خلال فعالية مبادرة “مصر تنطلق بالتصدير” في دمياط سبتمبر الماضي.
وفي إطار دعم المصدرين، ارتفعت مخصصات برنامج دعم الصادرات إلى 48 مليار جنيه خلال العام المالي 2026/2027، مقابل 28 مليار جنيه في العام المالي السابق، بزيادة تقارب 55%.
وقال وزير المالية أحمد كجوك إن الحكومة سددت 12.6  مليار جنيه لنحو 2500  شركة مصدرة خلال العام المالي 2025/2026، مستهدفة تسوية المتأخرات خلال عامين، وفقًا لبيانات وزارة المالية والهيئة العامة للاستعلامات.
وبينما تتزايد فاتورة الاستيراد ويتسع العجز التجاري، لم تنجح السياسات الحكومية في تحقيق توازن بين الصادرات والواردات، رغم خطط دعم المصدرين وتوطين الصناعة، لتمتد آثار ذلك إلى المواطن عبر تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع.

تطور الصادرات والواردات المصرية خلال آخر 5 سنوات مالية
السنة المالية الصادرات السلعية الواردات السلعية العجز التجاري
2021/2022 43.9 87.3 43.4
2022/2023 39.6 70.8 31.2
2023/2024 32.6 72.1 39.5
2024/2025 40.2 91.2 51.0
2025/2026 43.9 108.7 64.8

 

أضف تعليقك
شارك