«مستقبل مصر» يزاحم مستثمري البحر الأحمر.. محفظته تبتلع مئات القطع

من المستثمرين إلى «مستقبل مصر».. هكذا تبدلت خريطة مئات القطع من أراضي البحر الأحمر خلال أشهر. أراضٍ سُحبت من شركات بسبب التأخر في التنفيذ، وأخرى أعيد تسعيرها، ثم انتقلت مئات القطع المستردة إلى إدارة جهاز «مستقبل مصر»، ضمن محفظة تضم 662 قطعة، لتبدأ مرحلة جديدة من إدارة واستغلال هذه الأصول السياحية.

ولا تتوقف القصة عند سحب الأراضي من المستثمرين، وإنما تمتد إلى مسار الأرض نفسها؛ من التخصيص، إلى السحب وإعادة التسعير، ثم انتقال إدارتها إلى «مستقبل مصر» وتوقيع اتفاق لتطوير واستغلال الأراضي السياحية، في تحول يعيد رسم خريطة استغلال جانب مهم من أراضي البحر الأحمر.

سحب 200 قطعة 

بدأت الهيئة العامة للتنمية السياحية خلال العام الحالي إجراءات لسحب أراضٍ من مستثمرين في مناطق سياحية بالبحر الأحمر، خصوصًا مرسى علم والقصير، على خلفية التأخر في تنفيذ المشروعات وعدم تحقيق نسب التنفيذ المحددة.

وتجاوز عدد القطع التي شملتها عمليات السحب خلال النصف الأول من العام 200 قطعة، تركز معظمها في مناطق ساحلية، وتراوحت مساحات عدد منها بين 10 آلاف و100 ألف متر مربع.

وجاءت الإجراءات في إطار توجه حكومي لإلزام الشركات بالجداول الزمنية المقررة والقضاء على ما تصفه الجهات الرسمية بظاهرة “تسقيع الأراضي”، في وقت تستهدف فيه الدولة زيادة الطاقة الفندقية واستغلال المقاصد السياحية القادرة على جذب مزيد من الحركة السياحية.

لكن المستثمرين قالوا إن حالات التعثر لا تعكس وضعًا واحدًا، إذ توجد مشروعات لم تبدأ بالفعل، وأخرى وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، فضلًا عن مشروعات قائمة بالفعل تعثرت في تنفيذ توسعات أو مراحل جديدة.

التعثر ليس واحدًا 

وقال نائب رئيس جمعية مستثمري السياحة بمرسى علم، عاطف عبد اللطيف، إن الإطار الجديد للتعامل مع الأراضي يفرق بين المستثمر الذي لم يبدأ التنفيذ والمستثمر الذي بدأ بالفعل في بناء الفندق وسدد مستحقات الأرض واستثمر مبالغ كبيرة فيها، ثم تأثرت أعماله بارتفاع التكاليف وتداعيات تحرير سعر الصرف.

وأضاف أن غالبية المستثمرين المتضررين لديهم منشآت قائمة بالفعل ويعملون في القطاع السياحي، وأن التعثر في عدد من الحالات طال التوسعات والمشروعات الجديدة أكثر من المشروعات القائمة.

كما أوضح أن المستثمرين لا يطلبون إعفاءهم من الالتزامات، وإنما يطالبون بآلية تراعي طبيعة الاستثمار السياحي الذي يحتاج إلى سنوات ورؤوس أموال كبيرة، مشيرًا إلى أن بعض المستثمرين تحملوا كذلك تكاليف إنشاء أجزاء من البنية الأساسية في مناطق مشروعاتهم.

الأرض تعود.. بسعر جديد 

لكن الأزمة لم تتوقف عند قرارات السحب، إذ دخلت الأرض في مرحلة أخرى خلال مايو، عندما أعيد تسعير المساحات غير المطورة في بعض المشروعات.
ووصل سعر إعادة شراء المتر في بعض الحالات إلى 210 دولارات، مقابل حد أقصى سابق بلغ نحو 130 دولارًا للمتر، ما وضع المستثمرين أمام تكلفة إضافية كبيرة للحفاظ على المساحات التي لم يتم تطويرها.

وتقدم مستثمرون بتظلمات ضد قرارات السحب، ووصل عدد الطلبات التي كان مقررًا نظرها إلى نحو 200 تظلم لمستثمرين في البحر الأحمر.

وفي مرسى علم وحدها، تجاوز عدد قطع الأراضي المسحوبة 33 قطعة، قبل أن تدخل التظلمات في مسار جديد انتهى بقبول نحو 95% منها، وفق ما أعلنته مصادر مرتبطة بملف الاستثمار السياحي.

مئات القطع في جعبة “مستقبل مصر” 

في خضم هذه الأزمة، دخل جهاز مستقبل مصر إلى ملف أراضي البحر الأحمر، بعد انتقال إدارة مساحات واسعة إليه، شملت أراضي غير مطورة وأراضي سبق تخصيصها ثم استُردت من المستثمرين.

وشملت المحفظة التي انتقلت إدارتها 477 قطعة أرض فضاء غير مخصصة، إلى جانب 185 قطعة سبق تخصيصها ثم استُردت، بما يصل إلى 662 قطعة ضمن نطاق الأراضي التي أصبحت تحت إدارة الجهاز.

ولم يتوقف الأمر عند انتقال إدارة هذه الأراضي، إذ اتجه التعاون بين جهاز مستقبل مصر والهيئة العامة للتنمية السياحية إلى إطار أكثر تنظيمًا لتطوير واستغلال الأصول السياحية.

وشهد مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في أغسطس الماضي، توقيع بروتوكول تعاون بين الجانبين يستهدف استغلال وتطوير الأراضي المملوكة للجهاز في المناطق السياحية، مع الاستفادة من الخبرات الفنية والتخطيطية للهيئة في إعداد الدراسات والمخططات اللازمة للمشروعات.

وبموجب البروتوكول، تتولى الهيئة تقديم الدعم الفني والاستشاري وإعداد الدراسات والمخططات العامة والتفصيلية، والمساهمة في استصدار الموافقات والتصاريح اللازمة، إلى جانب تقديم الرأي الفني خلال مراحل التنفيذ، فيما يتضمن الاتفاق تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ وتذليل العقبات أمام المشروعات.
وقال بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر، إن البروتوكول يمثل خطوة جديدة ضمن استراتيجية الجهاز لتعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، من خلال شراكات مع الجهات الوطنية المتخصصة، بما يتيح تنفيذ مشروعات تعتمد على أسس فنية وتخطيطية وتستهدف تحقيق عائد اقتصادي وتنموي.

المستثمرون يعودون بتظلمات 

وبحسب التصريحات الرسمية، يستهدف التعاون فتح المجال أمام تنمية عدد من المواقع السياحية وإقامة مشروعات متكاملة، بما يعزز الاستفادة الاقتصادية من الأراضي ويدعم جذب الاستثمارات.
وفي الوقت نفسه، بدأ مسار آخر لمعالجة أوضاع المستثمرين الذين تقدموا بالتظلمات، إذ جرى وضع قواعد جديدة لتوفيق أوضاع المشروعات بحسب نسب التنفيذ.
وبموجب هذه القواعد، تواجه المشروعات التي تقل نسبة الأعمال الإنشائية فيها عن 20% قرار السحب، بينما تحصل المشروعات التي تتراوح نسبة إنجازها بين 20% و80% على مهلة إضافية لمدة عام وفق أسعار جديدة، في حين تحصل المشروعات التي تجاوزت نسبة تنفيذها 80% على معاملة أكثر تيسيرًا في التسوية، دون الرسوم الإضافية المرتبطة ببعض حالات إعادة التسعير.

وتشترط قواعد التسوية وصول نسبة البناء في المشروع إلى 80% على الأقل من إجمالي المخطط الإنشائي، مع إعادة تسعير المساحة اللازمة للوصول إلى هذه النسبة بأسعار تتراوح بين 5800 و6500 جنيه للمتر، بينما تُعفى المساحة المتبقية من المشروع من إعادة التسعير، وفق الضوابط المطبقة على كل حالة.

تمييز بين المستثمرين 

وأوضح عبد اللطيف أن هذه القواعد تضع تمييزًا واضحًا بين المستثمرين بحسب ما أنجزوه بالفعل، معتبرًا أن المستثمر الذي أقام منشأة وسدد قيمة الأرض وضخ استثمارات كبيرة فيها لا يمكن معاملته بالطريقة نفسها التي يعامل بها مستثمر لم يبدأ التنفيذ.

وأشار إلى أن بعض المطورين الذين لا يستطيعون الوصول فورًا إلى نسبة التنفيذ المطلوبة يفضلون الحصول على مهلة إضافية مقابل رسوم محددة بدلًا من إعادة تسعير مساحات كبيرة من الأراضي.

ووفق تقديره، قد تصل تكلفة شراء مهلة لمدة عام إلى نحو 5 آلاف دولار، وهو ما يراه أكثر قابلية للتحمل بالنسبة إلى المستثمر من تحمل تكلفة إعادة شراء ملايين الأمتار بأسعار جديدة.

وبحسب الضوابط الجديدة، تختلف الأسعار والفترات الزمنية المطلوبة لتوفيق الأوضاع من مشروع إلى آخر وفق نسبة التنفيذ الفعلية وطبيعة المشروع، وهو ما يعني أن المستثمر لا يعود إلى وضعه السابق بمجرد قبول التظلم، وإنما يدخل في مسار جديد يرتبط باستكمال نسب محددة من الأعمال وبشروط مالية جديدة.

وهنا تختلف الأسعار الجديدة عن السعر الذي حددته الهيئة في مايو عند 210 دولارات للمتر. فالرقمان لا يعبران عن السعر نفسه في الحالة نفسها؛ إذ ارتبط سعر 210 دولارات بإعادة شراء المساحات غير المطورة ضمن إطار سابق لإعادة التسعير، بينما ترتبط أسعار 5800 إلى 6500 جنيه للمتر بآلية تسوية أوضاع المشروعات التي حصلت على فرصة جديدة لاستكمال التنفيذ وفق نسب محددة.
وبالتالي، فإن مسار الأرض لم يكن مجرد زيادة أو خفض لسعر المتر، وإنما تغيرت آلية التعامل معها بحسب وضع كل مشروع ونسبة التنفيذ التي تحققت على الأرض.

ففي مرحلة أولى، كان التأخر في التنفيذ سببًا في سحب أراضٍ وإعادة التعامل مع المساحات غير المطورة، ثم دخلت أجزاء من هذه الأراضي ضمن محفظة يديرها جهاز مستقبل مصر، بينما أُتيح في مرحلة لاحقة لبعض المستثمرين مسار لتوفيق الأوضاع واستكمال مشروعاتهم وفق شروط ونسب تنفيذ جديدة.

من يملك الأرض.. ومن يطورها؟ 

وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه إدارة مئات القطع من أراضي البحر الأحمر جزءًا من ملف جهاز مستقبل مصر، بينما تستمر الهيئة العامة للتنمية السياحية في تحديد قواعد الاستثمار السياحي وتقديم الخبرات الفنية المرتبطة بالتخطيط والتنمية.

وهكذا تحولت أرض البحر الأحمر خلال أشهر من مساحة مخصصة لمشروع سياحي إلى أصل يعاد تحديد وضعه أكثر من مرة، بين السحب وإعادة التسعير وانتقال الإدارة والتعاون لتطوير الأصول والتظلمات والتسويات.

أضف تعليقك
شارك