لم يمضِ سوى 6 سنوات على افتتاح مطار العاصمة الجديدة، الذي قُدّم باعتباره بوابة جوية حديثة تخفف الضغط عن مطار القاهرة وتخدم العاصمة الإدارية ومشروعات شرق القاهرة، حتى عادت الحكومة لتبحث عن استثمارات جديدة لتوسعته وإقامة منطقة لوجستية وصناعية في محيطه.
وبين مطار لم يستكمل عقده الأول وخطط توسع جديدة، تبرز أسئلة لا تتعلق فقط بما ستضيفه الاستثمارات المقبلة، وإنما بما تحقق من الاستثمارات السابقة: هل استُغلت الإمكانات التي أُنشئ بها المطار، أم أن الحكومة تبحث الآن عن دور اقتصادي جديد لمشروع لم يصل بعد إلى كامل طموحاته؟
في 27 أكتوبر 2026، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا لاستعراض مقترحات تطوير مطار العاصمة والمنطقة المحيطة به، بحضور وزيري المالية والطيران المدني ومسؤولين عن شركة العاصمة الإدارية الجديدة ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وكشف الاجتماع عن تلقي الحكومة طلبات من مستثمرين دوليين لإقامة مشروعات في المنطقة، إلى جانب عروض لتوسعة المطار وتطويره.
ووجّه مدبولي بتشكيل مجموعة عمل من الوزارات والجهات المعنية لدراسة المقترحات وإعداد تصور متكامل لفرص التطوير وتقييم البدائل الاستثمارية، بهدف تعظيم العائد الاقتصادي والتنموي من المنطقة.
لكن البيان الحكومي لم يحدد حجم الاستثمارات المطلوبة، أو طبيعة التوسعات المقترحة، أو الجدول الزمني لتنفيذها، كما لم يعلن عن أسماء المستثمرين أو تفاصيل العروض المقدمة.
من مطار جديد إلى مشروع يحتاج توسعة
بدأ التشغيل التجريبي لمطار العاصمة الإدارية الجديدة في يوليو 2019، قبل افتتاحه رسميًا في يونيو 2020، باعتباره أحد المشروعات المرتبطة بالعاصمة الجديدة، وضمن خطة إنشاء بنية تحتية للنقل الجوي تخدم التجمعات العمرانية شرق القاهرة وتخفف الضغط عن مطار القاهرة الدولي.
وأُقيم المطار على مساحة إجمالية تقارب 16 كيلومترًا مربعًا، ويضم مدرجًا بطول 3650 مترًا وعرض 60 مترًا، ومبنى للركاب تبلغ مساحته نحو 4 آلاف متر مربع، بطاقة استيعابية تصل إلى 300 راكب في الساعة، إلى جانب ساحة انتظار للطائرات تستوعب 8 طائرات عريضة البدن.
ولم يقتصر الهدف المعلن من إنشائه على خدمة موظفي العاصمة الإدارية وزوارها، بل ارتبط كذلك بموقعه القريب من محور قناة السويس والعين السخنة والمناطق الصناعية والموانئ البحرية، بما يؤهله للقيام بدور في حركة التجارة والاستثمار والنقل الجوي.
لكن بعد مرور أكثر من 6 سنوات على افتتاحه الرسمي، يطرح الحديث عن توسعته سؤالًا أساسيًا “ما الذي تحقق من أهداف المشروع الأصلية؟ وهل استُغلت الإمكانات التي أُنشئ بها المطار بالفعل، أم أن الحكومة تبحث الآن عن أنشطة جديدة لتعويض محدودية الاستفادة من إمكاناته الحالية؟”.
توسعة بعد الاحتفاء!
المفارقة أن التحركات الحكومية الأخيرة تأتي بعد سلسلة من الاحتفاءات الرسمية والإعلامية بإنجازات المطار وجاهزيته التشغيلية.
ففي يونيو 2025، استقبل مطار العاصمة أولى رحلات شركة “سمارت وينجز” السلوفاكية القادمة من براتيسلافا، وعلى متنها 152 راكبًا، في خطوة قُدمت باعتبارها انضمامًا للمطار إلى خريطة الطيران الأوروبي، مع إعلان الشركة اعتزامها تسيير رحلة أسبوعية كل أربعاء، بإجمالي 23 رحلة حتى 31 أكتوبر 2025.
ووقتها تحدث وزير الطيران المدني سامح الحفني عن أهمية الخط الجديد في تعزيز حركة السياحة الأوروبية، وجذب مزيد من الخطوط الجوية المباشرة إلى المطارات المصرية، والاستفادة من البنية التحتية المتطورة لمطار العاصمة.
وفي الأول من فبراير 2026، استقبل المطار أولى رحلات شركة “إير كايرو” إلى مدينة جدة، إيذانًا ببدء التشغيل المنتظم لرحلات الشركة من المطار بواقع 6 رحلات أسبوعيًا، في خطوة قالت وزارة الطيران إنها تستهدف تعظيم الاستفادة من المطارات الحديثة، وتنويع نقاط التشغيل، وتخفيف الضغط عن مطار القاهرة الدولي.
وبين الاحتفاء بالرحلات الأوروبية، والإعلان عن بدء التشغيل المنتظم إلى جدة، ثم العودة إلى طرح التوسعة والتطوير في أكتوبر 2026، تبرز أسئلة عن حجم الحركة الجوية الفعلية التي نجح المطار في اجتذابها، ومدى انتظام الخطوط التي أُعلن عنها، ونسبة استغلال طاقته التشغيلية، والعائد الذي حققه خلال سنوات عمله.
من يحاسب على الجدوى؟
رغم مرور سنوات على تشغيل المطار، لا تتوافر في المصادر الرسمية المنشورة بيانات سنوية تفصيلية كافية عن أعداد الركاب الذين استقبلهم، أو إجمالي الرحلات، أو نسب استغلال الطاقة التشغيلية، أو الإيرادات المحققة وتكاليف التشغيل والصيانة.
كما لا تتوافر حصيلة مالية معلنة ومفصلة تسمح بمقارنة تكلفة الإنشاء والتشغيل بالعوائد الاقتصادية التي حققها المشروع، وهو ما يجعل تقييم جدواه الفعلية أمرًا صعبًا، خصوصًا مع طرح استثمارات جديدة لتطويره وتوسعته.
ولم تكن التساؤلات بشأن كفاءة إدارة المطارات المصرية وتعظيم الاستفادة من إمكاناتها وليدة التحركات الحكومية الأخيرة؛ ففي يناير 2025، ناقش مجلس الشيوخ طلبًا مقدمًا من النائب محمود القط وأكثر من 20 عضوًا، لاستطلاع سياسة الحكومة بشأن إنشاء وتطوير المطارات المصرية وتعظيم الاستفادة من المجال الجوي المصري.
وخلال مناقشة الطلب، تحدث وزير الطيران المدني سامح الحفني عن خطوات لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في تشغيل وإدارة المطارات، وإعداد دراسة استراتيجية متكاملة للمطارات المستهدفة، وتقييم المشروعات المناسبة للطرح أمام المستثمرين. وأُحيل طلب المناقشة إلى لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل لبحثه وإعداد تقرير بشأنه.
وتكشف هذه التطورات عن سؤال يتجاوز المطار نفسه: إذا كانت الحكومة والبرلمان يناقشان منذ بداية 2025 كيفية تعظيم الاستفادة من المطارات المصرية، فأين كشف الحساب التفصيلي لنتائج تشغيل مطار العاصمة، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التوسعات والاستثمارات؟
هل تغيرت الخطة؟
المقترحات الجديدة لا تتوقف عند زيادة الطاقة الاستيعابية للمطار أو تحديث منشآته، بل تتجه إلى إنشاء منطقة استثمارية ولوجستية وصناعية متكاملة في محيطه، بما يحول المنطقة إلى مركز اقتصادي يضم أنشطة متنوعة مرتبطة بالنقل والتخزين والشحن والصناعة.
وتقول الحكومة إن هذه الخطوة تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، وتوفير فرص عمل جديدة، وتعزيز مكانة العاصمة الإدارية باعتبارها مركزًا جاذبًا للاستثمار والأنشطة الاقتصادية.
لكن موقع المطار الجغرافي، وقربه من محور قناة السويس والعين السخنة والمناطق الصناعية والموانئ، كانت جميعها من المبررات الأساسية لإنشائه منذ البداية. وهو ما يفرض سؤالًا عن مدى حضور الأنشطة اللوجستية والصناعية في التخطيط الأصلي للمشروع، وما إذا كانت المنطقة الجديدة استكمالًا لرؤية اقتصادية سابقة، أم إعادة صياغة لدور المطار بعد سنوات من التشغل.
فإذا كانت هذه الأنشطة جزءًا من الرؤية الأصلية، فلماذا لم تُنفذ بالتوازي مع إنشاء المطار؟ وإذا كانت إضافة جديدة، فما الذي تغير في الدراسات الاقتصادية أو احتياجات المنطقة لتبريرها الآن؟
خسائر بالمليارات.. وطرح 11 مطارًا للقطاع الخاص
ولا تبدو التحركات المتعلقة بمطار العاصمة منفصلة عن توجه أوسع لإعادة هيكلة إدارة وتشغيل المطارات المصرية، إذ أعلن وزير الطيران المدني سامح الحفني، خلال مشاركته في منتدى مصر 2026 يوم 22 أكتوبر، خطة لطرح 11 مطارًا للإدارة والتشغيل والتطوير أمام القطاع الخاص، مع استبعاد مطار القاهرة الدولي من القائمة، مؤكدًا أن المشاركة لا تعني بيع أصول المطارات المملوكة للدولة.
وأوضح الوزير أن مطار الغردقة يمثل المشروع الاسترشادي لهذه التجربة، في إطار الاستفادة من الاستثمارات والخبرات والتكنولوجيا الحديثة للقطاع الخاص، وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة؟
وفي السياق نفسه، كشف الوزير عن بلوغ الخسائر المتراكمة لشركة مصر للطيران 31.5 مليار جنيه، قبل أن تنخفض إلى 5.9 مليار جنيه وفق الأرقام التي عرضها في المنتدى، مشيرًا إلى أن نحو 80% من مصروفات الشركة تعتمد على العملات الأجنبية، وما تسببه تقلبات أسعار الصرف من ضغوط مالية على نشاطها.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التحديات المالية والاستثمارية التي تواجه قطاع الطيران، وتضع خطط التوسع في المطارات أمام اختبار الجدوى والاستدامة المالية، بدلًا من الاكتفاء بزيادة الطاقة الاستيعابية وإقامة منشآت جديدة.
قبل الحديث عن مطار أكبر ومنطقة صناعية ولوجستية، يبقى السؤال الأهم: ماذا حقق المطار القائم بالفعل؟ وهل كانت الاستثمارات التي ضُخت فيه تحقق أهدافها منذ البداية، أم أن المواطن أمام مشروع جديد يحتاج إلى مزيد من الإنفاق قبل أن تظهر جدواه؟