الحكومة تضع الفلاح بين النار والسجن.. 50 ألف جنيه غرامة لحرق المخلفات الزراعية

انتهى موسم دريس الذرة، لكن بالنسبة إلى عرفة محمد رمضان، أحد أبناء مركز العدوة بمحافظة المنيا، لم تنتهِ الحكاية.
أمام أرضه، بقيت أكوام البوص المتراكمة بعد الدريس، بينما بقي معها سؤال لا يجد له إجابة سهلة: ماذا يفعل الفلاح بالبوص؟
يعرف رمضان أن حرق المخلفات يضر بالناس والبيئة، لكنه يتساءل في رسالة وجهها عبر حسابه على «فيسبوك» إلى مسؤولي المحليات والزراعة والبيئة: ماذا يفعل الفلاح إذا لم يجد وسيلة لجمع البوص أو فرمه أو كبسه والاستفادة منه؟ وهل يكون الحل أن يُترك أمامه بلا وسيلة للتخلص منه، ثم يُحرر له محضر عندما يلجأ إلى حرقه؟
بالنسبة إلى رمضان، المشكلة ليست في رفض القانون، وإنما في السؤال الذي يسبقه: أين يذهب بالبوص؟ ومن سيجمعه؟ وبأي تكلفة؟
ويفسر محمد أمين،أحد مزارعي الأرز لـ “أحوال مصرية”، لجوء بعض المزارعين إلى حرق قش الأرز، بسبب “سوء نوعية الأراضي وانتشار الحشائش”، لاعتقادهم أن الحرق يحسن من جودة التربة».
ويضيف خيري أن «كلفة تنظيف الأرض من الحشائش تصل إلى 250 جنيهاً يومية للعامل الواحد لمدة خمس ساعات عمل، وعليه إذا كان المزارع يمتلك فداناً واحداً، فإنه يحتاج إلى خمسة عمال لإزالة الحشائش، مما يكلفه 1250 جنيهاً، مما يبرر عدم استجابتهم إلى دعوات التخلص الآمن من قش الأرز»، مضيفاً «الأدوية المستخدمة لمكافحة الحشائش إما مغشوشة وإما تحتوي على مواد فعالة ضعيفة، مما يجعل الحرق خياراً ملائماً وأقل كلفة للمزارعين».
لكن ما يراه بعض المزارعين مخرجاً من عبء المخلفات الزراعية، تراه الدولة مخالفة قانونية قد تنتهي بالمحضر والغرامة التي تصل لـ 50 ألف جنيه والحبس.

عادة متأصلة

الأسباب التي تدفع المزارعين المصريين إلى حرق قش الأرز يتطرق إليها حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، «حرق القش أصبح عادة متأصلة بين المزارعين، لم يعد الأمر مقصوراً على قش الأرز فقط، بل يشمل جميع المخلفات الزراعية، إذ يلجأ المزارعون إلى حرقها بهدف تحويلها إلى سماد للتربة، وتنظيف الأرض من الحشرات، وتوفير كلفة جمع القش».
وأرجع أبو صدام، سبب الأزمة إلى «استسهال المزارعين»، إذ يعتبرون تحويل المخلفات الزراعية إلى علف غير مفيد للحيوانات، مما يدفعهم إلى الحرق، إضافة إلى أن صغر المساحات الزراعية يجعلهم يفضلون الحرق لتوفير جهد الجمع، مع علمهم بأن العائد المادي غير مجز.
ويضرب “أبو صدام” مثلا لحرق المخلفات الزراعية، بقش الأرز، إذ يوضح أن المزارع لا يحرق كل قش الأرز مثلا، بل يحرق البقايا فقط، ملقياً الضوء على «ارتفاع كلفة النقل إلى المكابس، بينما لا يدفع المشترون ثمناً مجزياً لقش الرز».

غرامة تبدأ من 50 ألف جنيه

في المقابل، لم يترك المشرّع الحرق المكشوف للمخلفات الزراعية باعتباره مخالفة بسيطة، فقد حظر القانون رقم 202 لسنة 2020 بشأن تنظيم إدارة المخلفات الحرق المكشوف للمخلفات.
وتنص المادة 70 على معاقبة من يخالف أحكام المادة 20 بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
لكن تشديد العقوبة لم يغلق الباب أمام استمرار الظاهرة، ففي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة رصد 131 نقطة حرق باستخدام الأقمار الصناعية خلال النصف الأول من الشهر، مع تحرك فرق ميدانية للتعامل مع البؤر المرصودة.

 

الدولة تراقب

لم تكن الأقمار الصناعية وحدها في المشهد، فالمنظومة الحكومية تعتمد على الرصد الميداني والحملات والتوعية وجمع قش الأرز، فيما أعلنت الوزارة خلال الفترة نفسها جمع 242049 طنًا من قش الأرز في نطاق القاهرة الكبرى والدلتا، إلى جانب تنفيذ 187 حملة وندوة للتوعية بمخاطر الحرق وطرق الاستفادة من المخلفات الزراعية.
وتكشف الأرقام حجم الجهد الذي تبذله الدولة في مواجهة الظاهرة، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الحرق ما زال حاضرًا رغم هذه الإجراءات، فوجود 131 نقطة حرق رصدتها الأقمار الصناعية خلال نصف شهر واحد يعني أن المشكلة لم تتحول بعد إلى ملف مغلق، وأن المعالجة الأمنية والرقابية وحدها لم تمنع عودة النار إلى الحقول.

ثروة تتحول إلى دخان

تمثل المخلفات الزراعية، جزءًا كبيرًا من منظومة المخلفات في مصر، فيما يمكن استخدام جانب منها في إنتاج الأسمدة العضوية والأعلاف والطاقة وغيرها من الاستخدامات.
ويقول الدكتور ياسر عبدالله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، إن حجم المخلفات الصلبة في مصر يصل إلى نحو 100 مليون طن سنويًا، تشمل المخلفات المنزلية والزراعية والصناعية، إلى جانب مخلفات الهدم والبناء وغيرها، وهو ما يتطلب منظومة متكاملة تعتمد على بنية تحتية قوية وعقود تشغيل فعالة.
وتشير بيانات وزارة البيئة الواردة في المصادر إلى أن المخلفات الزراعية تمثل نحو 32% من إجمالي المخلفات، بينما يقدر الدكتور محسن شكري حجم المخلفات الزراعية بنحو 50 مليون طن، إلى جانب 15 مليون طن من مخلفات الصناعات الغذائية، بما يفتح مجالًا واسعًا لاستخدامها في إنتاج الأعلاف وغيرها.

3 مليار جنيه

وتشير الدراسات التي أعدتها مراكز بحثية وجامعات إلى أن القيمة الاقتصادية للمخلفات الزراعية تقدر بنحو 3 مليارات جنيه سنويًا، مع وجود مكونات عضوية يمكن الاستفادة منها في مجالات متعددة.
ويشير الدكتور أحمد حواش، أستاذ إعادة تدوير المخلفات الزراعية بمركز البحوث الزراعية، إلى إمكانية الاستفادة من المخلفات في إنتاج السماد الطبيعي، بما توفره من بكتيريا نافعة وعناصر غذائية، بينها النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم.
وترى الدكتورة فوزية عامر، رئيس بحوث استخدام المخلفات بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني بمركز البحوث الزراعية، أن إعادة تدوير المخلفات الزراعية يمكن أن تفتح فرصًا للتصدير إلى أسواق مثل الإمارات والكويت، في ظل محدودية الأراضي الزراعية وإنتاج الأعلاف في تلك الدول، إلى جانب مساهمتها في مواجهة أزمة الأعلاف وخلق فرص استثمار وعمل.
أما الدكتور محمد البهي، عضو المكتب التنفيذي باتحاد الصناعات، فيشير إلى أن المخلفات الزراعية تمثل قطاعًا اقتصاديًا يمكن أن يسهم في خفض تكلفة الإنتاج، لافتًا إلى أن بعض المصانع تستورد مدخلات يمكن تصنيعها من المخلفات الزراعية المتاحة محليًا، بينما يؤدي غياب منظومة متكاملة لإعادة التدوير إلى الحد من الاستفادة منها.

الحرق ليس الخطر الوحيد

لا تنتهي مخاطر المخلفات الزراعية عند لحظة اشتعالها، فالدكتور محمد كمال، الرئيس التنفيذي للمعهد العربي لعلوم السلامة، يشير إلى أن التخلص غير الآمن من المخلفات الزراعية يمثل مخاطر بيئية وصحية، خصوصًا الحرق المكشوف الذي ينتج غازات وملوثات ضارة قد تؤثر في الجهاز التنفسي، فضلًا عن مخاطر الحرائق والخسائر المادية والبشرية.
كما أن التخزين غير السليم قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه، فيما يوفر تراكم المخلفات بيئة مناسبة لانتشار الآفات والحشائش، فضلًا عن المخاطر التي قد يتعرض لها العاملون بسبب الأتربة والغازات والمواد الكيميائية والآلات المستخدمة في عمليات الجمع والتدوير.
وفي المقابل، يمكن تحويل هذه المخلفات إلى أعلاف مضغوطة، وسماد عضوي، وسماد دودي، وغاز حيوي ومصادر للطاقة المتجددة، إذا توافرت منظومة متكاملة تبدأ من جمع المخلف ولا تنتهي عند التخلص منه.
وبعد سنوات من حملات التوعية، ورصد الأقمار الصناعية، وتحرير المحاضر، وتوقيع الغرامات، لا يزال السؤال قائمًا: لماذا تعود النار كل موسم إلى الحقول، رغم أن القانون شدد العقوبة، والدولة أعلنت امتلاك منظومة لجمع المخلفات وإعادة تدويرها؟

 

 

أضف تعليقك
شارك