الحكومة تدمر “النسر للإطارات”.. مسلسل قتل الصناعة الوطنية مستمر

كيف تُهدم مصنعاً بيدك.. ثم تدفع الملايين لتبني مصنعاً آخر يرفع نفس اليافتة؟ هذا هو اللغز الذي أسرّته تصفية الحكومة شركة “النقل والهندسة.
رحلة كشفت كيف تحولت علامة “نسر” الشهيرة من خطوط إنتاج تحكم السوق، إلى مجرد ذكريات تُباع أصولها لسداد الديون، بينما تبحث الدولة عن غريب يُعيد تصنيعها!

900 ألف إطار.. خطة لإنقاذ الشركة على الورق

لم تكن أزمة “النقل والهندسة” وليدة قرار التصفية، بل سبقتها سنوات من الخطط لإعادة تشغيلها وتطوير خطوط إنتاجها.
وفي يونيو 2019، أعلنت وزارة قطاع الأعمال العام التوصل إلى اتفاق مع مستثمر عالمي لإنشاء مصنع جديد لشركة النقل والهندسة، في مشروع كان يستهدف رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 900 ألف إطار سنويًا، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة التي يقدمها المستثمر الأجنبي.
كان الإعلان وقتها يحمل وعودًا بإعادة الشركة إلى الإنتاج والمنافسة، لكن المشروع لم يتحول إلى مصنع يعمل على الأرض.
ولم تكن تلك المحاولة الأولى؛ ففي 2016، طرحت الشركة القابضة للصناعات الكيماوية مشروعًا لإعادة هيكلة «النقل والهندسة» وإنشاء مصنع جديد في كفر الدوار، على مساحة تقارب 350 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 3.3 مليون إطار سنويًا لسيارات الملاكي والنقل.
ودرست الشركة القابضة عروضاً ومقترحات من شركات عالمية، بينها «بريدجستون» اليابانية، و«ميشلان» الفرنسية، و«مالتي سترادا» الإندونيسية، كما أعدت شركة «أفيك» الصينية دراسة شاملة للتطوير بتكلفة قُدرت بنحو 360 مليون دولار.. لكن هذه المشروعات جميعها لم تصل إلى مرحلة التشغيل.

من خطط التطوير إلى تراكم الخسائر

في الوقت الذي كانت فيه مشروعات التطوير تتعثر، كانت الأوضاع المالية للشركة تزداد سوءًا.
وتشير بيانات وتقارير الشركة إلى توقف النشاط منذ سنوات وتراجع الإيرادات، بينما ارتفعت الخسائر وتآكلت حقوق الملكية.
وارتبطت الأزمة بعدة عوامل، بينها عدم ضخ استثمارات كافية، وارتفاع تكلفة المواد الخام المستوردة بعد تحرير سعر الصرف، وتأخر التحول من المازوت إلى الغاز، وضعف القدرة التنافسية أمام المنتجات المستوردة، إلى جانب مشكلات تسويقية وتأخر مشروعات التطوير التي قدرت تكلفة إحداها بنحو 400 مليون دولار.

“إطارات معيبة”

في فبراير 2023، دخل ملف «النقل والهندسة» إلى لجنة الصناعة بمجلس النواب، وسط تساؤلات حول توقف خطوط الإنتاج لسنوات. وناقشت اللجنة طلب إحاطة بشأن توقف المصنع، في وقت تعاني فيه السوق من نقص الإطارات وارتفاع أسعارها.
وفي شهادة رسمية أمام البرلمان، كشف العضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة للصناعات الكيماوية أن خطًا جديدًا بدأ تشغيله بعد عام 2001، لكنه أنتج “إطارات معيبة”، وهو ما ساهم في توقفه نهائياً، مشيراً إلى حصول الشركة في 2019 على 105 ملايين جنيه منحة لتعويض خسائرها دون جدوى.
وفي أبريل 2023، عادت الأزمة إلى البرلمان؛ وتركز النقاش حول قدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات السوق، حيث أشار ممثل الإنتاج الحربي إلى أن صناعة الإطارات يمكن أن تحقق فائضًا للتصدير لو تم تجاوز عقبات مدخلات الإنتاج المستوردة.

نزيف الكوادر وضياع “صنعة” عقود

بالتوازي مع تآكل الآلات، شهدت الشركة نزيفاً حاداً في أثمن ما تملكه وهو “الخبرة البشرية المتراكمة”. فعلى مدار سنوات التعثر، اضطر معظم الفنيين والمهندسين من ذوي الخبرة النادرة في صناعة الإطارات إلى الخروج عبر بوابة “المعاش المبكر الاختياري”.
وهكذا، لم تفقد الصناعة المصرية فقط مصنعاً، بل فقدت مدرسة صناعية كاملة تمتد جذورها لعام 1956، وهو ما يجعل إعادة إحياء العلامة التجاريّة “نسر” يواجه تحدياً أعمق من مجرد بناء الجدران؛ وهو إعادة بناء الفنيين والكوادر المدربة.

“نسر”.. نهاية القلعة التاريخية

تأسست “النقل والهندسة” عام 1946، وبدأت إنتاج الإطارات عام 1956، وتوسعت منتجاتها تحت العلامة التجارية «نسر» لتعبر عن جودة مطابقة للمواصفات المصرية الأوروبية والأمريكية.
لكن بحلول السنة المالية المنتهية في يونيو 2023، وصلت الشركة إلى طريق مسدود؛ حيث توقف النشاط وقُدرت الخسائر بنحو 250 مليون جنيه.
وفي 27 يونيو 2024، وانعقاد الجمعية العامة غير العادية، تقرر حل الشركة وتصفيتها وفقاً للمادة 38 من قانون قطاع الأعمال العام، ونُشر القرار رسمياً في الوقائع المصرية.
ومع تعيين المصفّي العام، فتح التقرير ملف أصول الشركة الشاسعة في كفر الدوار والإسكندرية (والتي تُقدر بـ 350 ألف متر مربع)؛ حيث تحولت المباني والأراضي من قاعدة إنتاجية إلى مجرد “أصول عقارية” تُحصر للبيع والمزاد لسداد الديون والخسائر وتغطية مستحقات المعاش المبكر.

خريطة بديلة

تظهر المفارقة الأوضح في القصة عقب قرار التصفية؛ حيث تبحث الدولة عن مستثمرين لإقامة مصنع جديد للإطارات وإحياء العلامة التجارية “نسر”، في وقت تتراوح فيه فاتورة استيراد الإطارات بين 400 و500 مليون دولار سنوياً.
ويكشف التتبع الرسمي لخريطة التنمية الصناعية أن السوق المصرية تكاد تخلو تماماً من إنتاج محلي فعلي لإطارات الركوب، باستثناء مشروع واحد يتهيأ للبدء وهو مصنع مجموعة “سايلون”. Sailun» الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس
وفي المقابل، انتقل ملف البديل الحكومي من أروقة قطاع الأعمال إلى ولاية وزارة الدولة للإنتاج الحربي؛ حيث تتجه الدولة لتنفيذ المصنع الجديد المخصص لإحياء العلامة التجاريّة بنظام الشراكة مع القطاع الخاص، على مساحة تبلغ 217 فداناً بالمنطقة الصناعية في مدينة العاشر من رمضان.
وتطرح هذه التحولات المفارقة الهيكلية الكبرى في الملف: كيف تحولت شركة كانت تنتج الإطارات وتملك خبرة وعلامة تجارية وشهادات جودة إلى شركة متوقفة انتهت بالتصفية، لتعد الدولة من الصفر تحت مظلة جديدة واستثمارات أجنبية لبناء مصنع جديد وإحياء العلامة ذاتها؟

 

 

 

أضف تعليقك
شارك