سوريا تكتفي ومصر تستورد.. أين تعثر حلم الاكتفاء الذاتي من القمح؟

سوريا، التي ارتبط اسمها خلال سنوات الحرب بأزمات الغذاء، تتجه في 2026 إلى تغطية احتياجاتها المحلية من القمح، بينما لا تزال مصر، صاحبة واحدة من أكبر منظومات إنتاج القمح في المنطقة، تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها.

وتطرح المفارقة سؤالًا أوسع: هل تعثرت مصر فعلًا في طريق الاكتفاء الذاتي، أم أن محدودية مواردها دفعتها إلى تبني نموذج يقوم على الاكتفاء النسبي، واستيراد جزء من القمح مقابل توجيه الأرض والمياه إلى محاصيل أخرى؟

سوريا تفتح السؤال

في يونيو 2026، أعلنت السلطات السورية بدء موسم استلام القمح، مع توقعات رسمية بأن يصل الإنتاج إلى نحو 2.5 مليون طن، وهو مستوى قالت المؤسسة السورية للحبوب إنه يمكن أن يغطي الاحتياجات المحلية المقدرة بنحو 2.5 مليون طن، بما يدعم الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.

تأتي هذه التطورات بعد موسم قاسٍ شهدته سوريا؛ إذ أدت موجة الجفاف في 2024/2025 إلى انخفاض حاد في إنتاج القمح، وقدرت الأمم المتحدة العجز بنحو 2.7 مليون طن، مع تراجع إنتاج القمح بنحو 60%.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إن نحو 13.4 مليون سوري كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في منتصف 2026.

وبالتالي، فإن تجربة سوريا لا تعني أن طريق الاكتفاء الذاتي أصبح مضمونًا، وإنما تكشف أن إنتاج القمح يمكن أن يتغير بشدة من موسم إلى آخر تحت تأثير المناخ والمياه.

وهنا تصبح المقارنة أكثر تعقيدًا.. سوريا تحاول تأمين محصول استراتيجي في مواجهة هشاشة غذائية حادة، بينما تواجه مصر فجوة هيكلية بين إنتاج القمح واستهلاكه.

حلم الاكتفاء يتراجع

على مدار أكثر من عقدين، لم تتحرك معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر في اتجاه صاعد ومستقر، بل تذبذبت بصورة واضحة.

وبحسب البيانات الرسمية الواردة في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي نحو 54.9% عام 2002/2003، واستقرت عند 54.8% عام 2008/2009، قبل أن تسجل قفزة استثنائية إلى 74.4% عام 2009.

لكن هذه القفزة لم تتحول إلى اتجاه مستدام؛ إذ بلغت النسبة نحو 40.5% عام 2011/2012، ثم ارتفعت إلى 48.8%، ووصلت إلى 56.7% عام 2012/2013، قبل أن تتراجع إلى 49.1% عام 2014/2015، ثم تهبط إلى نحو 34.5% عام 2017 مع اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وفي 2019، تراوحت تقديرات الاكتفاء الذاتي بين 43% و45%، وفق تصريحات وزير الزراعة الأسبق عز الدين أبو ستيت.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت النسبة 41.4% عام 2020، و48.2% عام 2021، و50.6% عام 2022، قبل أن تتراجع إلى 44.6% عام 2023 و44.3% عام 2024، ثم ترتفع إلى نحو 49% عام 2025، وتقترب من 50% خلال العام الجاري.

وهكذا، ظلت مصر خلال السنوات الأخيرة تدور حول نقطة تقارب نصف احتياجاتها، رغم الزيادة في الإنتاج المحلي.

الإنتاج يرتفع.. والاستيراد مستمر

قال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق في يونيو 2026 إن واردات مصر من القمح تراجعت إلى نحو 12.5 مليون طن خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 13.2 مليون طن في العام المالي السابق، بانخفاض يقارب 700 ألف طن.

وفي المقابل، ارتفع الإنتاج المحلي بأكثر من 6.5% على أساس سنوي ليتجاوز 10 ملايين طن خلال السنة المالية 2025/2026، بحسب الوزير، وارتفعت المساحة المنزرعة إلى نحو 3.76 مليون فدان، وهو مستوى قياسي وفق البيانات المعلنة.

واستلمت وزارة التموين خلال الموسم الحالي نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي، وهو ما يعكس تحسنًا في حجم التوريد.

لكن ارتفاع الإنتاج وتراجع الواردات لا يعنيان أن الفجوة اختفت؛ فمصر لا تزال من كبار مستوردي القمح عالميًا.

لماذا لا تستطيع مصر زراعة كل احتياجاتها؟

تظل مصر أمام معادلة أكثر صعوبة: مياه محدودة، ورقعة زراعية محدودة، وسكان يتزايدون، ومحاصيل أخرى تنافس القمح على الأرض والمياه.

وتعكس التصريحات الرسمية إدراكًا لهذه المعادلة.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة التنموي بمنطقة الضبعة في 17 مايو 2026، إن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من المحاصيل الزراعية لنحو 110 ملايين مواطن ليس أمرًا واقعياً، حتى مع إضافة ملايين الأفدنة الجديدة.

وأشار إلى أن مصر تحتاج سنويًا إلى ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف للماشية والدواجن، إلى جانب احتياجاتها من القمح ومحاصيل أخرى.

وسبق أن قال السيسي، في مايو 2024، إن مصر لا تحتاج بالضرورة إلى زراعة المزيد من القمح، وإنما يمكن استغلال الأراضي الزراعية في إنتاج محاصيل أخرى قابلة للتصدير، ثم توجيه جزء من عوائدها إلى استيراد القمح.

وقال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي إن مصر تستطيع نظريًا الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح، لكن ذلك سيكون على حساب التوقف عن زراعة محاصيل أخرى مهمة للدولة.

وشدد مدبولي على أن المحدد الرئيسي الذي يعوق مصر فعليًا هو محدودية الموارد المائية.

القمح ليس المحصول الوحيد

يرى خبراء الزراعة أن الوصول إلى الاكتفاء الكامل من القمح لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، وإنما يتطلب إعادة توزيع الموارد الزراعية والمائية، وهو ما قد يأتي على حساب محاصيل أخرى.

وقال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة وخبير الزراعة الدولي، إن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح يتطلب زراعة جميع الأراضي الزراعية القديمة بالقمح، مع الاستغناء عن زراعة البرسيم، وتهديد الثروة الحيوانية والتوقف عن زراعة محاصيل الفول والعدس والكتان والحمص وبنجر السكر والشعير.

وهنا تظهر المفاضلة الأساسية في ملف القمح: كل فدان إضافي يذهب إلى القمح هو فدان لن يذهب إلى محصول آخر.

كم نفقد مما ننتج؟

إذا كانت زيادة إنتاج القمح تصطدم بحدود الأرض والمياه، ولكن ماذا يحدث للمحصول بعد خروجه من الحقل؟

وقال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، إن مصر تفقد سنويًا نحو 15% من الحبوب بسبب سوء التخزين، وهي نسبة تفوق المعدلات العالمية، بحسب تقديره.

وأوضح أن حجم الفاقد يقترب من 3 ملايين طن سنويًا من إجمالي نحو 35 مليون طن يستهلكها المصريون من القمح والذرة والأرز، مرجعًا ذلك إلى ضعف منظومة التخزين، بما يؤدي إلى تلف كميات من المحاصيل الاستراتيجية.

وحمّل صيام عددًا من الجهات الحكومية المعنية، بينها وزارات الزراعة والتموين وقطاع الأعمال والبنك الزراعي، مسؤولية استمرار هذا النزيف.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن نسبة الفاقد من القمح وحده قد تصل في بعض السنوات إلى 30% من الكميات المخزنة داخل الشون والصوامع.

ولا يعني تقليل الفاقد أن مصر تستطيع أن تنهي استيراد القمح؛ فالفجوة أكبر من أن تعالجها أداة واحدة.

الاكتفاء النسبي

في المقابل، يرى عدد من الخبراء أن الأمن الغذائي يمكن أن يتحقق من خلال استغلال الموارد المحدودة بأعلى كفاءة.

وقال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، إن المشكلة الأساسية في زراعة القمح بالصحراء لا تتمثل فقط في ارتفاع التكلفة الاستثمارية، وإنما في محدودية المياه، موضحًا أن مصر تُصنف ضمن الدول الجافة.

وأضاف “فهيم” أن مصر لا تستطيع زراعة 6 ملايين فدان بالقمح من إجمالي 10 ملايين فدان تمثل كامل الرقعة الزراعية، متسائلًا: «فأين ستزرع بقية المحاصيل؟”؟

نبيع محاصيل ونشتري القمح

هنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة في المعادلة المصرية.

يقول فهيم إن مصر تصدر إلى الدول نفسها التي تستورد منها القمح، ولكن بأضعاف قيمة المنتج المستورد.

وضرب مثالًا بالبطاطس، موضحًا أن كيلو البطاطس يُصدر بأكثر من 100 جنيه، بينما يُستورد كيلو القمح بنحو 15 جنيهًا، رغم أن فدان القمح ينتج نحو 3 أطنان، بينما ينتج فدان البطاطس أكثر من 15 طنًا.

ومن هذا المنظور، فإن استيراد القمح لا يمثل بالضرورة تخليًا عن الأمن الغذائي، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من سياسة تقوم على استغلال الميزة النسبية لكل محصول.

ولهذا فإن الاكتفاء النسبي لا يعني أن الاستيراد بلا مخاطر، كما أن الاكتفاء الكامل لا يعني بالضرورة أنه الخيار الأكثر كفاءة.

رقمان متشابهان وسياقان مختلفان

تبدو المقارنة بين مصر وسوريا مغرية: دولة تعلن تغطية احتياجاتها من القمح، وأخرى لا تزال تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها.

لكن المقارنة المباشرة تحتاج إلى قدر من الحذر.

فطبيعة الزراعة مختلفة؛ فجزء كبير من القمح السوري يعتمد على الزراعة البعلية (المطرية)، بينما تعتمد مصر بصورة أكبر على الري.

وفي سوريا، لا تزال البنية التخزينية بحاجة إلى إعادة تأهيل؛  فالطاقة التخزينية لأحد فروع الحبوب في إدلب تراجعت من نحو 450 ألف طن إلى 150 ألف طن نتيجة تدمير معظم الصوامع، بينما يجري العمل على إعادة تأهيل المنشآت.

أضف تعليقك
شارك