«يا ريس.. السياحة ذنبها إيه؟».. الحرب ودعم السعودية يهددان حلم الـ20 مليون سائح

قد تبدأ الحروب بقرار سياسي، لكن فواتيرها لا تتوقف عند حدود الميدان، أحيانًا تصل إلى فندق تتراجع حجوزاته، أو شركة سياحة تفقد عملاءها، أو عامل ينتظر موسمًا يضمن له دخلًا يكفي أسرته.
وفي مصر، حيث تراهن السياحة على استقبال 20 مليون سائح خلال 2026، تفتح موافقة البرلمان على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم الدعم للسعودية بابًا جديدًا للقلق: ماذا لو امتدت نيران التصعيد الإقليمي إلى القطاع الذي تعوّل عليه البلاد لتعزيز إيراداتها من النقد الأجنبي؟المخاوف لا تتعلق فقط برحلات قد تُلغى أو حجوزات قد تتراجع، وإنما بقطاع تتشابك إيراداته مع استثمارات الفنادق وشركات السياحة والنقل، وتمتد آثاره إلى ملايين العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة. 

حجوزات مهددة

في حسابات السياحة، لا ينتهي أثر الحرب بانتهاء المواجهات؛ فقد تستمر تداعياتها في قرارات السائحين وشركات السياحة حتى بعد عودة الهدوء، وهو ما يضع المنشآت الفندقية أمام تحديات تتجاوز فترة الصراع نفسها.
ويحذر مجدي صادق، الخبير السياحي وعضو مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية السابق، من التداعيات المحتملة لأي تصعيد عسكري في المنطقة على حركة السياحة الوافدة إلى مصر، معتبرًا أن الاضطرابات الأمنية تنعكس سريعًا على الحجوزات وتدفقات السائحين.
ويزداد القلق، بحسب صادق، مع اقتراب نهاية عام كانت الآمال معلقة خلاله على استقبال 20 مليون سائح للمرة الأولى، بما يعزز إيرادات القطاع ويدعم خطط التوسع والاستثمار.
لكن خلف أرقام السائحين وإيرادات الفنادق، تظهر دائرة أوسع من المتضررين المحتملين، ويوضح صادق أن نحو 15 مليون مواطن يعتمدون على إيرادات النشاط السياحي، بينهم 5 ملايين يعملون بصورة مباشرة و10 ملايين بصورة غير مباشرة.
ويطرح الخبير تساؤلًا بشأن كيفية توفير سبل المعيشة لهذه الأعداد إذا تعرض النشاط السياحي للتوقف أو التراجع الحاد، مشددًا على أن التعامل مع الأزمات لا ينبغي أن يقتصر على مساندة الشركات والمنشآت، بل يمتد إلى حماية العاملين وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية.
شبح كورونا يعود للحسابات
تستدعي هذه المخاوف تجربة جائحة كورونا، حين توقفت حركة السفر وواجهت المنشآت السياحية ضغوطًا غير مسبوقة، واضطرت الحكومة إلى تقديم برامج دعم لمساعدة القطاع على تجاوز الأزمة.
ويستشهد صادق بما قدمته الحكومة آنذاك من منح وقروض بلغت قيمتها 70 مليار جنيه لدعم رواتب العاملين، معتبرًا أن برامج الدعم ساعدت المنشآت على الاحتفاظ بجزء من قوتها العاملة والوفاء بالتزامات الأجور.
وأتاح توقف النشاط لبعض المستثمرين فرصة لتجديد الفنادق ورفع كفاءتها وتطوير وسائل النقل السياحي، في محاولة لاستغلال فترة الركود في تحسين الجاهزية لاستقبال السائحين عند استئناف الحركة.
غير أن استحضار تجربة كورونا لا يعني بالضرورة تكرار سيناريو الأزمة نفسه؛ فالتحدي الذي يشير إليه صادق يرتبط أساسًا بصعوبة تحديد المدى الزمني للأزمات. وعندما لا يعرف المستثمر متى تنتهي الاضطرابات أو متى تستعيد الأسواق ثقتها، تصبح قرارات التوسع والإنفاق أكثر تعقيدًا.
وفي السياق نفسه، يرى الخبير السياحي ماجد شوشة أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب توسيع نطاق الصراعات ينبغي أن يكونا في مقدمة الأولويات.
أما خبير النقل أشرف صديق، فيحذر من تداعيات الدخول في حرب جديدة، معتبرًا أن الظروف الحالية لا تسمح لمصر بتحمل أعباء صراع عسكري إضافي قد تترك آثاره انعكاسات طويلة الأجل على الاقتصاد ومشروعات التنمية.
ويعرب صديق عن أمله في أن تكون التحركات الحالية مجرد مناورة سياسية، لا تمهيدًا لمشاركة عسكرية فعلية.

حلم الـ 20 مليون سائح 

في المقابل، لا تزال وزارة السياحة والآثار تتمسك بمستهدفاتها للعام الحالي، مستندة إلى استمرار نمو أعداد الوافدين وفق التصريحات الرسمية، في وقت تضع فيه التطورات الإقليمية هذه الطموحات أمام اختبار جديد.
فقد أعلن وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن مصر استقبلت أكثر من 15 مليون سائح منذ بداية عام 2026، بمعدل نمو بلغ 5% على أساس سنوي، مؤكدًا استمرار توقعات الوزارة بوصول العدد إلى 20 مليون سائح بنهاية العام، مع مراجعة المستهدفات بصورة مستمرة في ضوء تطورات حركة السياحة.
وسبق أن أعلن الوزير استقبال نحو 12.8 مليون سائح خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2026، كما توقع وصول العدد إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، مع تحقيق إيرادات سياحية تتراوح بين 36 و40 مليار دولار.
وتستند هذه الطموحات إلى نتائج العام الماضي، حين استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال 2025، بزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، فيما اقتربت الإيرادات السياحية من 24 مليار دولار، مقابل 15.3 مليار دولار في العام السابق.
وعلى المدى الأبعد، تستهدف الحكومة رفع الإيرادات السياحية إلى 38 مليار دولار بحلول السنة المالية 2029-2030، وفق وثيقة حكومية صدرت في أغسطس الماضي.

أرزاق على المحك

خارج حسابات الفنادق وشركات السياحة، امتدت المخاوف إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انشغل مواطنون بتداعيات القرار، وطرحوا تساؤلات بشأن كلفة أي مشاركة عسكرية محتملة والجهة التي ستتحمل أعباءها.
وفي منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، يرى إبراهيم عثمان أن تأثير الحرب الدائرة في المنطقة على السياحة المصرية «مش بسيط خالص، بس برضه مش انهيار زي ما ناس كتير فاكرة».
ويشير عثمان إلى إلغاء بعض الحجوزات وتأجيل رحلات، خصوصًا من دول الخليج مثل السعودية والإمارات والكويت، نتيجة القلق من التصعيد، إلى جانب اضطراب حركة الطيران وارتفاع الأسعار وتراجع حركة السفر بدرجة ما.
ويلفت إلى أن تحذيرات بعض الدول لرعاياها من السفر إلى المنطقة قد تؤثر في قرارات السائحين نفسيًا، حتى إذا كانت مصر نفسها آمنة.
وبحسب تقديره، بلغ التأثير في بعض الفترات نحو 10% إلى 15%، وهو ما يراه تراجعًا ملموسًا، لكنه لا يصل إلى حد الكارثة حتى الآن. وتظل هذه النسبة تقديرًا منسوبًا إليه، وليست مؤشرًا شاملًا على حجم التراجع في السياحة المصرية.
ويربط عثمان استمرار الحركة السياحية بتنوع الأسواق التي تستقبل منها مصر السائحين، ومن بينها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب روسيا وبولندا. ويوضح أن السائحين من هذه الدول لا يزالون يرون مصر بعيدة عن قلب الأحداث، ويواصلون السفر إليها بصورة طبيعية نسبيًا.
لكن التأثير، وفق قراءته، لا يتوزع بالدرجة نفسها على جميع الوجهات؛ فالمدن التي تعتمد بدرجة أكبر على الطيران الخارجي، مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم، قد تشعر بالتغيرات بصورة أسرع، بينما قد يكون التأثير على القاهرة والأقصر وأسوان أهدأ نسبيًا، لأن الرحلات الثقافية إلى هذه المدن غالبًا ما تكون مخططًا لها مسبقًا.
وتبقى مدة الحرب عاملًا حاسمًا في تقدير الخسائر المحتملة، فبحسب عثمان، قد يتيح انتهاء المواجهة سريعًا عودة الحركة السياحية وتعويض بعض الخسائر، بينما قد تضطر الشركات، إذا طال أمد الصراع، إلى تقديم عروض وخصومات للحفاظ على تدفق السائحين.

فاتورة التعافي 

وعلى مواقع التواصل، اتخذ القلق أحيانًا لغة أكثر حدة؛ إذ عبّر أشرف فوزي عن مخاوفه بعبارة مقتضبة كتب فيها: «كارثة كبيرة.. إلا إذا كانت أوامر من الخارج»، بينما كتب نبيل أمين: «نزلنا الوحل بإيدينا»، مضيفًا: «مغامرة ذات عواقب لا نقدر عليها.. سلم يا رب سلم».
وفي قراءة لتداعيات التدخل العسكري المحتمل، كتب الدكتور خليل العناني عبر صفحته على «فيسبوك» أن تدخل مصر يعني أنها أصبحت رسميًا طرفًا مباشرًا في الحرب، بما يضعها في مواجهة معلنة مع جماعة أنصار الله «الحوثيين» وحليفها الأساسي إيران.
وربط العناني بين اتساع المخاوف من امتداد الحرب إلى مصر أو تهديد الملاحة في محيطها، وبين احتمالات تراجع الإيرادات السياحية وتأجيل الاستثمارات، فضلًا عن المخاطر التي قد تطال مواقع سياحية مثل شرم الشيخ والغردقة وطابا وغيرها.
في النهاية، لا تقف السياحة المصرية أمام معادلة سهلة؛ فمن جهة، هناك مستهدفات رسمية تستند إلى نمو متواصل وأرقام قياسية، ومن جهة أخرى، هناك مخاوف من أن يفرض اتساع المواجهة ضغوطًا جديدة على الحجوزات والاستثمارات ومصادر دخل ملايين العاملين.

 

أضف تعليقك
شارك