تعمير سيناء أولوية وطنية.. مش رفاهية نسيبها للظروف!

الأسبوعين اللي فاتت حصل في أرض الفيروز مشاريع تستحق الإشادة بالدولة وقرارات طال انتظارها تخص سيناء الحبيبة.
عودة قطار القنطرة شرق – بئر العبد، ضمن خطة أكبر لمد خطوط السكك الحديدية وصولًا إلى طابا.
مشهد الأطفال السيناويين وهم بيسلموا على القطر المعدي وهو بيهدي عند بير العبد كان مشهد جميل، الخط ده كان متوقف منذ 50 سنة تقريبا.
القطار هنا مش مجرد وسيلة مواصلات، لكنه فرصة لربط المجتمعات السكانية بالأسواق والموانئ والمناطق الصناعية، وفتح الباب أمام استثمارات وفرص عمل جديدة.
وفي الزراعة كمان، نجح علماء مركز بحوث الصحراء في سيناء في تجربة لزراعة عباد الشمس الزيتي باستخدام مياه آبار مالحة. هذا يعني أن مياه سيناء يمكن تخسين فرص استخدامها في أنشطة زراعية بالغة الأهمية.
صحيح إنها لسه تجربة بحثية محتاجة التوسع والتقييم، لكنها بتفتح باب مهم للاستفادة من موارد كانت تبدو صعبة الاستخدام، خصوصًا إن مصر محتاجة تقلل اعتمادها على استيراد الزيوت والمحاصيل الاستراتيجية.
لكن خلينا نتفق إن كل المشروعات دي، مهما كانت أهميتها، مش هتكون كفاية لوحدها.
فيه حقيقة مهمة لازم نفتكرها كل ما نتكلم عن سيناء، وهي إن الأرض اللي المصريين دفعوا دمهم عشان يحرروها، لازم يبقى عندنا نفس الإصرار إننا نعمرها ونزرعها ونبني فيها حياة. لأن الحفاظ على الأرض مش بس إننا نحمي حدودها بالسلاح، لكن كمان إننا نخليها مليانة ناس وشغل ومصانع ومدارس ومستشفيات، ونحول كل شبر فيها لفرصة جديدة للمصريين.
سيناء بتمثل حوالي 6% من مساحة مصر، ومع ذلك عدد سكانها قليل جدا مقارنة بمساحتها وإمكانياتها. ودي مفارقة تستحق إننا نقف عندها؛ إزاي أرض بالموقع الاستراتيجي ده، وبالثروات والفرص اللي فيها، تفضل لعقود طويلة أقل استغلالا من مناطق تانية في البلد؟
الحقيقة إن السنوات الأخيرة شهدت خطوات مهمة تستحق الإشادة. أنفاق جديدة تحت قناة السويس، وآلاف الكيلومترات من الطرق، ومشروعات إسكان وتجمعات عمرانية، وتطوير للموانئ، ومحاولات جادة لربط سيناء بالوادي والدلتا، بعد عقود كانت فيها حركة الناس والبضائع بين الجانبين صعبة ومكلفة.
لكن المحزن أنه لا تزال هناك قيود على حرية سفر المصريين من الوادي إلى شمال سيناء، كوبري السلام هو المعبر البري الأسرع إلى جانب معديات زي “سرابيوم”، وكلها لسه تخضع لقواعد أمنية باقية منذ زمن محاربة الإرهاب.
الحمد لله هذه الصفحة من تاريخ الوطن تم قلبها إلى غير رجعة, و آن الأوان إن المصريين يزوروا العريش وبير العبد ورفح والقنطرة غرب دون قيود.
لأن تعمير سيناء مش معناه إننا نبني مدن جديدة ونستنى الناس تروح تسكن فيها. إحنا جربنا الفكرة دي في مناطق تانية، واكتشفنا إن العمارات ممكن تتبني بسرعة، لكن الحياة نفسها محتاجة حرية، وكمان وقت وتخطيط وفرص عمل وخدمات حقيقية.
المطلوب إن سيناء تبقى مكان المصري يقدر يروح يعيش فيه ويشتغل ويستقر، مش مجرد منطقة يزورها أو يشتغل فيها فترة ويرجع منها. وده محتاج حوافز حقيقية للمستثمرين، وأراضي مرفقة، ومياه وطاقة، ومصانع مرتبطة بالإنتاج الزراعي والتعدين والثروة السمكية، ومدارس وجامعات ومستشفيات تشجع الأسر على الاستقرار.
والأهم من كل ده إن أهل سيناء نفسهم يكونوا شركاء أساسيين في التنمية. لأن مفيش مشروع وطني ممكن ينجح من غير ما الناس اللي عايشة على الأرض تحس إن ليها نصيب حقيقي من خيرها، وإن الفرص الجديدة بتفتح قدام ولادها، مش بتعدي من جنبهم.
وفي ظل الظروف اللي بتمر بيها المنطقة، من حروب وصراعات وتهديدات حوالين حدودنا، تعمير سيناء مبقاش مجرد هدف اقتصادي، لكنه ضرورة مرتبطة بأمن مصر واستقرارها.
ومش معنى الكلام ده إننا نقلل من أهمية الجيش أو الاستعداد العسكري، بالعكس. لكن الأمن القومي له أكتر من وجه؛ جيش قوي يحمي الحدود، واقتصاد منتج يوفر الاحتياجات، ومجتمعات مستقرة تقدر تعيش وتشتغل وتواجه الأزمات.
عشان كده، محتاجين نتعامل مع تعمير سيناء باعتباره مشروع أجيال، مش مشروع وزارة أو حكومة، ولا مجرد أرقام بنعلنها في المؤتمرات. مشروع يستمر مهما اتغيروا المسؤولين، ويتقاس نجاحه بعدد السكان اللي استقروا، والمصانع اللي اشتغلت، والأراضي اللي اتزرعت، والوظائف اللي اتوفرت.
لأن سيناء مش مجرد مساحة على خريطة مصر.. دي جزء من تاريخنا وكرامتنا ومستقبلنا.
وإذا كان جيل أكتوبر العظيم نجح في تحرير سيناء من الاحتلال، فمسؤولية الأجيال اللي بعده إنها تكمل المهمة بالتعمير والإنتاج والبناء.
سيناء اتحررت بدم المصريين.. ولازم تتعمر بعلمهم وعرقهم، لأن الأرض اللي رجعت لنا بالحرب، تستحق إننا نهتم بيها وبأهلها بعد سنين طويلة من الإهمال.

أضف تعليقك
شارك