فخ الإيجار التمليكي.. الحكومة تورث المواطن ديونا إيجارية بفوائد تصاعدية

تبدأ الحكاية بإيجار يبدو في المتناول، لكن الرقم لا يبقى كما هو، في نظام «الإيجار المنتهي بالتملك» الذي طرحته وزارة الإسكان، ترتفع القيمة الإيجارية سنويًا طوال مدة قد تصل إلى 20 عامًا، مقابل وعد بأن تصبح الوحدة ملكًا للمواطن في نهاية الطريق.

بين الزيادة السنوية، وفوائد التمويل، وشروط السداد والفسخ، يطرح النظام سؤالًا أساسيًا: كم يدفع المواطن في النهاية مقابل شقة بدأت معه كإيجار وانتهت بالتملك؟

10 آلاف وحدة

طرحت وزارة الإسكان، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، 10 آلاف وحدة سكنية بنظام «الإيجار المنتهي بالتملك»، بينها 5 آلاف وحدة منفذة وجاهزة للتسليم، و5 آلاف وحدة مزمع تنفيذها خلال 3 سنوات، في 26 مدينة، بمساحات تتراوح بين 57 و161 مترًا.

وتبدأ القيمة الإيجارية الشهرية للوحدات من 2,535 جنيهًا، بينما تصل إلى 14,687 جنيهًا، وفق بيانات الطرح.

وتُخصص الوحدات بنظام القرعة العلنية بين المتقدمين المستوفين للشروط، والتي تتضمن ألا يقل عمر المتقدم عن 21 عامًا وألا يزيد على 45 عامًا في تاريخ التقديم، وألا يكون المتقدم أو الزوج أو الزوجة أو الأولاد القصر قد سبق لهم تملك وحدة سكنية أو قطعة أرض.

إيجار يرتفع كل عام

حددت وزارة الإسكان، عبر كراسة الشروط، آلية سداد القيمة الإيجارية للوحدات، بحيث تُسدد شهريًا وتزداد بنسبة 10% سنويًا لمدة 20 عامًا، بخلاف قيمة الصيانة الخاصة بالوحدة في بعض المشروعات، والتي تُسدد مع الإيجار الشهري.

وتوضح كراسة الشروط أن القيمة الإيجارية الشهرية تتضمن تكلفة التمويل على مدة السداد البالغة 20 عامًا، بفائدة تختلف بحسب قيمة الوحدة؛ إذ تبلغ 8% للوحدات التي تقل قيمتها عن مليون جنيه، و10% للوحدات التي تتراوح قيمتها بين مليون ومليوني جنيه، و12% للوحدات التي تبلغ قيمتها مليوني جنيه فأكثر.

ويقول محمد عبد الناصر، الكاتب الصحفي المتخصص في أخبار وزارة الإسكان، إن ارتفاع قيمة الإيجار في بعض وحدات الهيئة مقارنة بالإيجار التقليدي يرجع إلى أن المبلغ المسدد يمثل في الأساس جزءًا من ثمن الوحدة التي يتملكها المستفيد على مدار 20 عامًا، وليس مجرد قيمة إيجارية تنتهي بانتهاء مدة التعاقد.

وكانت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، قد أكدت أن طرح الوحدات بنظام الإيجار المنتهي بالتملك يمثل أحد المحاور التي تعمل عليها الوزارة، بما يوفر بدائل سكنية مرنة تتناسب مع القدرات المالية والاحتياجات الاجتماعية لمختلف شرائح المواطنين، إلى جانب نظم التملك التقليدية.

إيجار يتضخم سنويًا

لفهم أثر الزيادة السنوية، يمكن النظر إلى مثال افتراضي يبدأ بإيجار شهري قدره 3 آلاف جنيه، أجراه أحمد فتحي محاسب قانوني، موضحا أنه مع زيادة القيمة بنسبة 10% كل عام، يرتفع الإيجار تدريجيًا مع مرور السنوات؛ ليقترب في السنة العشرين من 18 ألف جنيه.

ووصف فتحي، محاسب قانوني، عبر حسابه على «فيسبوك»، نظام الإيجار المنتهي بالتملك بأنه «النصباية الجديدة»، موضحًا أن شقة قيمتها 800 ألف جنيه بنظام التمويل التقليدي كان يمكن أن يبدأ قسطها من نحو 3 آلاف جنيه، بينما في نظام الإيجار المنتهي بالتملك سيصل سعرها لحوالي 2.08 مليون جنيه خلال 20 عامًا.

السداد المُعجل

ولا تغلق كراسة الشروط الباب أمام من يرغب في إنهاء الالتزام مبكرًا، لكنها تضع ضوابط للسداد المعجل.

وينص البند 16 من شروط الحجز والاشتراطات العامة على أنه «لا يجوز سداد قيمة الوحدة سداد معجل لكامل الوحدة إلا بعد مرور 5 سنوات من تاريخ الاستلام مع تطبيق كافة القواعد المالية والمحاسبية في هذا الشأن».

ثمن التعثر

تضع كراسة الشروط كذلك مجموعة من الالتزامات المالية على المستفيد طوال فترة التعاقد.

ويلتزم العميل بسداد القيمة الإيجارية الشهرية في بداية كل شهر، على أن يبدأ أول سداد مع استلام الوحدة وفق المواعيد المحددة من جهاز المدينة المختص.

كما يلتزم بتقديم 21 شيكًا آجلًا ضمانًا لسداد القيمة الإيجارية السنوية المستحقة عن مدة التعاقد.

وفي حالة التأخير عن سداد أي من القيمة الشهرية أو مصاريف الصيانة في موعد الاستحقاق، تنص الكراسة على احتساب غرامة تأخير تعادل فائدة البنك المركزي السارية وقت السداد، بالإضافة إلى 2% مصاريف إدارية و0.5% مصاريف تحصيل، وذلك من تاريخ الاستحقاق حتى تاريخ السداد.

وهنا لا تتوقف تكلفة التأخير عند قيمة الإيجار المستحقة، وإنما تضاف إليها غرامات ومصاريف أخرى وفق ما حددته كراسة الشروط.

فسخ التعاقد وإلغاء التخصيص

ولا تقتصر الضوابط على السداد، إذ تحدد كراسة الشروط الحالات التي يمكن فيها فسخ التعاقد أو إلغاء التخصيص.

وينص البند 14 على فسخ التعاقد تلقائيًا، دون حاجة إلى تنبيه أو إنذار

أو استصدار حكم قضائي، مع تطبيق أحكام اللائحة العقارية وقرارات مجلس الإدارة ذات الصلة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، في حالة تغيير نشاط استخدام الوحدة، الذي حددته الكراسة للاستخدام السكني فقط.

أما إلغاء التخصيص، فتحدده الكراسة في حالات عدة، من بينها تقديم بيانات غير صحيحة، أو طلب المخصص له الوحدة إلغاء التخصيص، أو عدم استكمال سداد التأمين المقرر بما يعادل القيمة الإيجارية لثلاثة أشهر خلال المهلة المحددة.

كما تشمل الحالات عدم تقديم الشيكات الآجلة المطلوبة ضمانًا لسداد القيمة الإيجارية السنوية، أو عدم سداد القيمة الإيجارية لشهرين متتاليين

وفقًا لأسلوب السداد.

وتشمل كذلك التنازل أو التصرف في الوحدة أو عمل توكيلات خاصة أو عامة بشأنها خلال فترة الحظر أو دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهة المختصة في الحالات التي تستلزم ذلك، فضلًا عن تغيير الغرض المخصص للوحدة، أو عدم إشغالها، أو إشغالها من غير المخصص له خلال مدة التعاقد.

مقارنة مع البيع بالتقسيط

ومن بين هذه المقارنات، أجرى عمر مخلوف حسابًا افتراضيًا استند فيه إلى سعر سابق لوحدات «سكن مصر» في مدينة المنصورة الجديدة.

وكان سعر المتر في أحد الطروحات السابقة قد بلغ 15,900 جنيه، مع مساحات تراوحت في الجداول المنشورة بين 106 و133 مترًا، وفق بيانات الطرح المنشورة في 2025.

ولإجراء المقارنة، افترض مخلوف زيادة سعر المتر بنسبة 20% عن السعر السابق، ليصل إلى 19,080 جنيهًا.

وبناءً على هذه الفرضية، يصل سعر وحدة مساحتها 133 مترًا إلى نحو 2.54 مليون جنيه.

وفي سيناريو البيع بالتقسيط الذي افترضه، ومع اختيار مدة سداد تبلغ 7 سنوات وبنظام الأقساط ربع السنوية، قدر إجمالي التكلفة في نهاية فترة التقسيط بنحو 4.42 مليون جنيه، حيث يصل سعر المتر لحوالي 33 ألف جنيه.

وفي المقابل، قدر أن استمرار الوحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك لمدة 20 عامًا يرفع التكلفة الإجمالية للمتر لحوالي 77 ألف جنيه  مقارنة بسيناريو البيع الذي وضعه.

لماذا يثير الطرح الجدل؟

أثار الطرح الجديد لشقق الإسكان موجة انتقادات واسعة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال كريم أمين، عبر حسابه على «فيسبوك»: «الإيجار التمليكي ده خازوق وكشاف على عينك، اللي كان كويس خلاص مبقاش في زيه.. دار مصر وجنة مصر وبثمن مدينتي والرحاب عادي».

وانتقد أحمد جلال، عبر حسابه على «فيسبوك»، ما اعتبره زيادة كبيرة في القيمة الشهرية على مدار سنوات التعاقد، وقال: «يعني مثلًا فيه قسط شقة في سكن مصر أكتوبر، قسطها 13 ألف في كراسة الشروط، لما أبقى عندي 56 سنة، في آخر سنة في قسط الشقة، أبقى بدفع 77 ألف جنيه شهريًا».

وأضاف: «حسبتها كده لقيت إن شقة سكن مصر دلوقتي اللي بـ2 مليون و200 ألف جنيه سعر السوق، هبقى أنا اشتريتها بـ8 مليون و600 ألف جنيه، مع العلم إن سكن مصر إسكان مقربش من المتوسط».

وقال حسين إبراهيم: «يا سيدي الفاضل، الخلاصة هو مديلك شقة حاسب سعرها بعد 20 سنة هتكون مثلًا بـ6 مليون، فبيدهالك من دلوقتي بقيمتها. ده كمان بيقولك إن ده سعر مبدئي، وإن السعر هيزيد بنسبة 20%. تبقى شقة دور أرضي وآخر، محدش أخدها لما كانت بـ600 ألف، وبيدهالك على إنها لقطة».

هل يستهدف محدودي ومتوسطي الدخل؟

الجدل لم يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ انتقد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب، مدى ملاءمة الطرح لبعض الفئات، معتبرًا أن الوحدات المطروحة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك لا تخاطب محدودي أو متوسطي الدخل.

وقال حسن إن الطرح الذي يتضمن 5 آلاف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك يناسب، من وجهة نظره، شريحة فوق المتوسطة، وقدّر ملاءمته لمن يتراوح دخلهم بين 25 و30 ألف جنيه.

واستشهد النائب بوحدة من «دار مصر» تبلغ قيمة إيجارها 9 آلاف جنيه، وتحدث عن زيادة مركبة بنسبة 10% إلى جانب فائدة 8% على قيمة الوحدة، معتبرًا أن الحساب على مدار 20 عامًا يمكن أن يدفع قيمة الوحدة إلى أكثر من 6 ملايين جنيه.

ويرى حسن أن هذه الحسابات تطرح تساؤلًا حول مدى قدرة النظام على الوصول إلى الفئات التي تحتاج إلى حلول سكنية مدعومة أو ميسرة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الإقبال على الوحدات لا يعني بالضرورة أنها مناسبة لجميع شرائح الدخل.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بكون الوحدة ستؤول إلى ملكية المواطن بعد 20 عامًا، وإنما أيضًا بحجم الالتزام المالي الذي يقطعه على نفسه منذ اليوم الأول، وما إذا كان قادرًا على الاستمرار فيه حتى النهاية.

أضف تعليقك
شارك