تطبيق يرصد فروق الأسعار، وكارت يتتبع تحركات المفتشين، ومنظومة تستعد لتتبع السلع من مصدرها حتى يد المستهلك.. أدوات تكنولوجية جديدة تعود بها الحكومة إلى معركة قديمة مع الغلاء، بعد سنوات من الحملات الرقابية والتوجيهات والتحذيرات لضبط الأسواق. وبينما تتوسع الدولة في استخدام التكنولوجيا لمراقبة الأسعار وحركة السلع، يبرز التساؤل حول مدى اختلاف هذه الأدوات عن محاولات سابقة لم تنجح في إنهاء موجات الغلاء.
أعلنت الحكومة مجددًا تشديد الرقابة على الأسواق ومتابعة حركة الأسعار، من خلال تطوير آليات المتابعة والرقابة باستخدام منظومة “كارت المفتش” وتطبيق “رادار الأسعار” ومنظومة “رصد الأسعار”
منظومة لتتبع السلع
وجاء الإعلان خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي نهاية أغسطس الماضي لمتابعة توافر السلع وضبط حركة الأسواق، حيث استعرض وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق عددًا من الإجراءات لإحكام الرقابة ورفع كفاءة المتابعة الميدانية، إلى جانب التوسع في منافذ البيع الحكومية.
وقال شريف فاروق إن الوزارة ستبدأ اعتبارًا من 10 سبتمبر الجاري طرح 12 سلعة أساسية بأسعار وكميات مناسبة للمواطنين كمرحلة أولى، على أن تتوسع القائمة تدريجيًا لتصل إلى 30 سلعة، من خلال المنافذ المنتشرة على مستوى الجمهورية.
وأوضح الوزير أن تطوير منظومة الرقابة يعتمد على نظم المعلومات والأدوات التكنولوجية الحديثة، ومن بينها “كارت المفتش” و”رادار الأسعار” و”رصد الأسعار”.
تستهدف منظومة إلى إنشاء نظام لتتبع المنتجات الغذائية وغير الغذائية من المصدر حتى المستهلك. ووفق ما عرضته وزارة التموين، يمكن أن تسهم المنظومة في مراقبة أسعار السلع وربطها بالتكلفة الفعلية، بما يساعد على الحد من الارتفاعات غير المبررة، إلى جانب متابعة توزيع السلع جغرافيًا وضمان توافرها وتجنب حبسها.
وقال حازم المنوفي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالإسكندرية، إن “رادار الأسعار” خدمة أطلقتها وزارة التموين تتيح للمواطن معرفة متوسطات أسعار السلع والنطاق الذي تتحرك فيه، كما تمكنه من تقديم شكوى في حال وجود مبالغة في الأسعار.
وأوضح المنوفي أن “كارت المفتش” مخصص لمفتشي التموين، ويتيح متابعة أعمال المفتش خلال الحملات الميدانية من خلال غرفة عمليات، بما يشمل معرفة موقعه وعدد المحال التي قام بالتفتيش عليها وخط سيره.
ومن جانبه، قال هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة، إن تسجيل المحاضر إلكترونيًا يتيح للمفتش العامل في منطقة معينة الاطلاع على المخالفات السابقة للمنشآت، بما يساعد على متابعة المنشآت التي سبق ضبطها، بدلًا من اقتصار التعامل مع المخالفة على تحرير محضر ثم انتهاء الأمر بانتقال المفتش من المنطقة.
وفيما يتعلق بـ”رادار الأسعار”، أوضح الدجوي أنه لا يمثل تسعيرة جبرية للتجار، وإنما يتيح للمستهلك معرفة متوسطات أسعار السلع ومقارنتها بالسعر المعروض عليه.
وأضاف أن التاجر في ظل السوق الحرة ليس ملزمًا بالبيع وفق السعر المتوسط الذي ترصده المنظومة، لكنه ملزم بالإعلان عن سعر السلعة للمستهلك.
أدوات جديدة-قديمة
رغم تقديم الأدوات الحالية باعتبارها جزءًا من تطوير منظومة الرقابة على الأسواق، فإن “رادار الأسعار” نفسه ليس جديدًا بالكامل، إذ طوّر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بالتعاون مع جهاز حماية المستهلك، التطبيق منذ عام 2024، ليتيح للمواطنين رصد أسعار سبع سلع غذائية استراتيجية ومشاركتها جغرافيًا.
وفي مايو 2025، قال وزير التموين إن التطبيق أثبت فاعليته خلال شهره الأول من التشغيل، من خلال تمكين المواطنين من الاطلاع على متوسطات الأسعار وتقديم البلاغات.
وبذلك يأتي التطبيق الحالي ضمن إعادة تفعيل وربط أداة قائمة بالفعل مع أدوات أخرى، بينها “كارت المفتش” المخصص لمتابعة أعمال المفتشين، ومنظومة “Track & Trace” التي ما زالت في مرحلة الدراسة، بدلًا من إطلاق منظومة جديدة بالكامل.
حملات وتحذيرات وقضاء عسكري
ولا تأتي الأدوات التكنولوجية الحالية بمعزل عن تحركات حكومية سابقة لضبط الأسعار ومواجهة التلاعب في الأسواق.
ففي مارس الماضي، وخلال الحرب على إيران، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، مشددًا على ضرورة عدم استغلال الظروف لرفع الأسعار أو التلاعب باحتياجات المواطنين.
وأشار السيسي في ذلك الوقت إلى أن البلاد تمر بحالة شبه طوارئ، مؤكدًا ضرورة عدم التلاعب باحتياجات الناس.
لكن في أغسطس الماضي، قال النائب أحمد فؤاد أباظة، عضو مجلس النواب، إن استمرار موجات ارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة، رغم الجهود التي تبذلها الدولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، يفرض تحركًا حاسمًا لمواجهة جميع أشكال الاحتكار والتلاعب بالأسواق.
وطالب أباظة بتطبيق القانون بكل حسم على من يتلاعب بقوت المواطنين أو يفتعل أزمات في السلع الأساسية لتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما تقدم النائب حسن عمار، عضو مجلس النواب، في مايو الماضي، بطلب إحاطة بشأن ارتفاع الأسعار والاحتكار لبعض السلع، مشيرًا إلى الضغوط المعيشية المتصاعدة وارتفاعات أسعار السلع الأساسية.
وقال عمار إن بعض حلقات التداول التجاري تشهد ممارسات تتمثل في تخزين وإخفاء السلع الاستراتيجية والضرورية، بما يؤدي إلى خلق أزمات في السوق، تمهيدًا لطرحها لاحقًا بأسعار مبالغ فيها وتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين.
تجربة المواطن تروي قصة فشل حكومي
وفي الوقت الذي تتوسع فيه الحكومة في الحملات الرقابية وتطوير أدوات المتابعة، يرى بعض المواطنين أن تأثير هذه الإجراءات على الأسعار والأسواق لا يزال محدودًا.
وقال محمد عبد الحميد، الموظف بإحدى الشركات الخاصة والمقيم بمنطقة غمرة وسط القاهرة، إن تأثير الحملات الرقابية على الأسواق والمتاجر محدود، معتبرًا أن إظهار الدور الرسمي للرقابة على الأسواق أقرب إلى تصريحات إعلامية موجهة للمواطنين منها إلى واقع فعلي في الأسواق والمحال التجارية.
وضربت أمنية قاسم، ربة منزل تقيم بمنطقة المطرية شرق القاهرة، مثالًا بفارق سعر رغيف الخبز السياحي بين مخبزين في الشارع نفسه، معتبرة أن ذلك يعكس غياب رقابة حقيقية على المخابز.
وقال عبد الكريم أحمد إن ارتفاع الأسعار أصبح يمثل ضغطًا متزايدًا على الأسر، مضيفًا: “كثيرًا من البيوت خربت بسبب الغلاء.. الغلاء قنبلة موقوتة قد تطيح بالأخضر واليابس”. وتابع أن الغلاء أصبح الشغل الشاغل للمواطنين، وأن قضية ارتفاع تكاليف المعيشة تحتاج إلى تحرك حكومي لمعالجتها.
هل تكفي معرفة السعر لضبطه؟
يرى الدكتور محمد محمود عبد الرحيم، الخبير الاقتصادي، أن غياب آلية رقابية معلوماتية مرنة قد يدفع التاجر أو المصنع إلى تجنب خفض السعر الرسمي للسلعة خشية تقلبات مستقبلية في التكاليف، والاكتفاء بتقديم تخفيضات مؤقتة يعاود بعدها رفع الأسعار بحجة ارتفاع التكاليف.
وأوضح أن استمرار هذه الممارسة يحرم الاقتصاد من الاستفادة من انخفاض مستدام في الأسعار، مشيرًا إلى أهمية وجود آلية تربط حركة الأسعار بالتغيرات الفعلية في التكلفة.
وبينما تتجه الحكومة إلى توسيع الاعتماد على التكنولوجيا في مراقبة الأسواق، تظل المنظومة الجديدة جزءًا من سلسلة طويلة من الإجراءات الرقابية التي تستهدف مواجهة ارتفاع الأسعار والاحتكار والتلاعب، في وقت تستمر فيه شكاوى المواطنين من الغلاء وتفاوت الأسعار بين المتاجر والمناطق المختلفة