380 ألف صيدلي و25 ألف خريج.. هل يسبق التعليم احتياجات سوق العمل؟

يدخل الطالب كلية الصيدلة وهو يتصور نهاية واضحة لرحلته، وهي سنوات من الدراسة تنتهي بشهادة، ثم مهنة وفرصة عمل مستقرة، لكن بالنسبة إلى آلاف الطلاب، قد يكون الوصول إلى الشهادة هو بداية السؤال الأصعب: أين سيعمل الخريج؟
 
في مصر نحو 380 ألف صيدلي، وفق الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة تصنيع الدواء بنقابة الصيادلة، بينما يبلغ عدد خريجي كليات الصيدلة نحو 25 ألفًا، بحسب الدكتور عبد الناصر سنجاب، رئيس قطاع كليات الصيدلة بالمجلس الأعلى للجامعات ونائب رئيس جامعة عين شمس الأسبق، وفي الوقت نفسه، وصل عدد كليات الصيدلة إلى 74 كلية.
 
خلف هذه الأرقام استثمار تعليمي كبير، ففي إحدى الجامعات الخاصة، على سبيل المثال، تصل المصروفات المعلنة لكلية الصيدلة في العام الدراسي 2026/2027 إلى 240 ألف جنيه لبرنامج «دكتور صيدلة»، و250 ألفًا للصيدلة الإكلينيكية.
 
وهكذا لا تتعلق القصة فقط بعدد الخريجين، وإنما بما يحدث عندما يلتقي هذا العدد بسوق عمل لا يتوسع بالوتيرة نفسها.
 
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كم صيدليًا تحتاج مصر؟ وإنما أيضاً.. كم صيدليًا ينبغي أن تخرّج الجامعات بعد خمس سنوات؟ ومن يربط قرار قبول الطالب اليوم باحتياجات سوق العمل عندما يصل إلى التخرج؟
 
 
البداية من سوق العمل
 
 
يوضح الدكتور محفوظ رمزي أن هذه المشكلة تتلخص في عدد الصيادلة، الذي وصل إلى 380 ألف صيدلي ونحو 80 ألف صيدلية، بينما يتراوح عدد الصيادلة على مستوى العالم بين 4.5 و5 ملايين، رغم أن عدد سكان العالم يقترب من 8 مليارات نسمة.
 
ويعتبر رمزي أن هذه الأعداد تمثل تحدياً أمام المنظومة الصحية، وتستدعي التعامل مع حجم المعروض من الصيادلة باعتباره جزءاً أساسياً من الأزمة.
 
ومن زاوية سوق العمل، يؤكد محمد الشيخ، نقيب صيادلة القاهرة، أن التشبع أصبح أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب، بينما لا تتجاوز الاحتياجات الفعلية لسوق العمل ربع هذا العدد تقريباً.
 
ويوضح الشيخ أن دول الخليج كانت تستقبل في السابق أعداداً كبيرة من خريجي الصيدلة المصريين، لكن سياسات التوطين وغيرها من الإجراءات أدت إلى تراجع الإقبال عليهم.
 
لذلك يشدد الشيخ على ضرورة معرفة الطالب وأسرته فرص العمل المستقبلية قبل اتخاذ قرار الالتحاق بالكلية.
 
 
25 ألف خريج.. والجامعات تراجع أعداد القبول
 
 
إذا كان السوق يعاني بالفعل من التشبع، فإن السؤال التالي يصبح.. كم خريجاً يدخل إلى هذا السوق؟
 
الدكتور عبد الناصر سنجاب، رئيس قطاع كليات الصيدلة بالمجلس الأعلى للجامعات ونائب رئيس جامعة عين شمس الأسبق، أعلن في يونيو 2026 أن عدد كليات الصيدلة في مصر وصل إلى 74 كلية، وأن عدد خريجيها يبلغ نحو 25 ألف خريج، واصفاً الرقم بأنه كبير.
 
وأشار إلى أن النسبة العالمية التي يستند إليها هي صيدلي لكل ألف مواطن، بينما توجد في مصر نسبة أعلى من ذلك.
 
وفي تصريحه، كشف سنجاب أن اللجنة التنسيقية للعلوم الطبية بالمجلس الأعلى للجامعات تقدمت بمقترح لخفض أعداد المقبولين في الكليات الطبية بنسبة 20% خلال تنسيق 2026/2027 مقارنة بالعام السابق.
 
ويقدر سنجاب أن أعداد خريجي الصيدلة تحتاج إلى خفض بنسب تقترب من 40%، في ظل كبر أعداد الخريجين والعقبات التي تواجه وزارة الصحة في ملف التكليف.
 
 
المشكلة لا تبدأ عند التخرج
 
 
أزمة الصيدلة لم تعد مرتبطة فقط بالحصول على وظيفة بعد التخرج، وإنما أصبحت مرتبطة بالطريقة التي يجري بها التخطيط لأعداد الطلاب قبل دخولهم الكلية.
 
فوزارة الصحة أعلنت في فبراير 2026 بدء إجراءات تكليف خريجي الصيدلة دفعة 2023 وفقًا للاحتياجات، مع إخضاع التوزيع للاحتياجات والمجموع والرغبات.
 
وفي الوقت نفسه، أعلنت نقابة الصيادلة رفضها تكليف نسبة 45% فقط من خريجي دفعة 2023، وقالت إن الخريجين انتظروا قرابة ثلاث سنوات قبل بدء إجراءات التكليف، وطالبت بتكليف الدفعة كاملة ووقف التوسع في إنشاء كليات صيدلة جديدة وإعادة النظر في أعداد المقبولين.
 
وفي 25 أغسطس 2026، اعتمدت وزارة الصحة قرار تكليف 10,925 صيدليًا من دفعة 2023، بينهم 8,860 صيدليًا عامًا و2,065 صيدليًا إكلينيكيًا.
 
 
من 43 كلية إلى 74
 
 
ولفهم كيف وصلت الأعداد إلى هذا المستوى، يجب العودة إلى خريطة التعليم الصيدلي نفسها.
 
في عام 2019، أظهرت دراسة لقطاع الدراسات الصيدلية أن عدد كليات الصيدلة في مصر بلغ نحو 43 كلية، منها 22 كلية حكومية و21 كلية خاصة، كما بلغ عدد خريجي كليات الصيدلة في عام 2017 نحو 14,573 خريجًا.
 
وكانت الدراسة قد بحثت أصلًا في احتياجات سوق العمل بهدف المساعدة في رسم سياسات التعليم الصيدلي المستقبلية.
 
وبحلول يونيو 2026، أعلن الدكتور عبد الناصر سنجاب، رئيس قطاع كليات الصيدلة بالمجلس الأعلى للجامعات، وصول عدد الكليات إلى 74 كلية، أي أن عدد الكليات ارتفع بنحو 31 كلية مقارنة بالرقم الذي أظهرته دراسة 2019، بزيادة تقارب 72%.
 
 
لماذا استمر التوسع؟
 
 
الدكتورة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، تربط جزءاً من الأزمة بضعف التنسيق بين وزارتي التعليم العالي والصحة عند تحديد أعداد المقبولين.
 
وقالت سعيد إن هناك سوء تنسيق مبكرًا بين الوزارتين بشأن أعداد المقبولين، وإن عددًا كبيرًا من الكليات الخاصة افتُتح دون ربط أعداد الطلاب الجدد باحتياجات سوق العمل.
 
وتربط التوسع الأكبر بتخصصات مثل الصيدلة والأسنان والعلاج الطبيعي، التي اعتبرتها أسهل من الناحية الاستثمارية مقارنة بالطب البشري الذي يحتاج إلى مستشفى ملحق بالكلية.
 
وتقول سعيد إن هذا التوسع أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من الخريجين الذين كانوا يعولون على التكليف الحكومي، بينما لم تكن آلية التكليف مرتبطة منذ البداية بتخطيط مشترك بين الجهات المعنية.
 
وتراجع الإقبال على كليات الصيدلة بنحو 40 إلى 50% عندما توقف التكليف أو أصبح غير مضمون، بعدما بدأ الطلاب وأسرهم في حساب فرص العمل قبل اختيار التخصص، بحسب د. إيرين سعيد.
 
 
الطالب يدفع.. والسوق لا يضمن الوظيفة
 
 
هنا تظهر الكلفة الأخرى للقصة، ففي العام الدراسي الجديد 2026/2027، تصل المصروفات المعلنة للصيدلة في الجامعة البريطانية في مصر إلى 240 ألف جنيه سنويًا لبرنامج «دكتور صيدلة»، و250 ألف جنيه للصيدلة الإكلينيكية، وفق القوائم المنشورة للمصروفات.
 
وهذا الرقم يوضح أن قرار الالتحاق بكلية الصيدلة في بعض الجامعات الخاصة لم يعد مجرد قرار تعليمي، وإنما التزام مالي كبير يمتد لسنوات الدراسة.
 
 
الصناعة ليست الحل السهل
 
 
إذا كانت الصيدليات وسوق التكليف لا يستطيعان استيعاب كل الخريجين، فقد يبدو قطاع صناعة الدواء هو البديل الطبيعي.
 
لكن محمد الشيخ نقيب صيادلة القاهرة يؤكد أن مصانع الأدوية لا تستطيع استقبال أعداد كبيرة من الخريجين الجدد إلا في حالات التوسع، لأن عدد المصانع وخطوط الإنتاج لا يتوسع بالسرعة التي تسمح باستيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين.
 
وتشير هيئة الدواء المصرية، في عرضها لبرنامج الامتياز لطلاب الصيدلة، إلى تدريب آلاف الطلاب في مجالات التصنيع الدوائي وضبط الجودة والبحث والتطوير والتسويق والمبيعات واليقظة الدوائية، ما يعكس تنوع المجالات التي يمكن أن يعمل فيها الصيدلي خارج الصيدلية التقليدية.
 
 
خفض الأعداد
 
 
محمد الشيخ يعتبر خفض أعداد المقبولين في كليات الصيدلة الحل الأساسي لمشكلة التشبع، ويقول إن النقابة تطالب بذلك منذ أكثر من 15 عامًا، كما يربط استمرار الأزمة بالتوسع في الجامعات الخاصة والأهلية.
 
ويقترح الشيخ البحث عن أسواق عمل جديدة، وعلى رأسها أفريقيا، من خلال لجنة تضم وزارة الخارجية ووزارة القوى العاملة والنقابات والجهات المعنية، لبحث احتياجات الدول الأفريقية من الكوادر المصرية وتوفير فرص بعقود واضحة ومرتبات مجزية.
 
ويعتقد الشيخ أن هذا المسار يمكن أن يستوعب جزءًا من فائض الخريجين ويدعم تدفقات العملة الأجنبية إلى مصر.
 
 
«سبوبة التعليم»
 
 
وبعيدًا عن تصريحات المسؤولين والنقابيين، خرجت القضية من غرف الاجتماعات والنقاشات المهنية إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
 
هناك، ظهرت الأزمة من زاوية مختلفة، إذ حملت تعليقات المواطنين انتقادات حادة للتوسع في التعليم الصيدلي، وربط بعضهم بين زيادة أعداد الخريجين وما وصفوه بـ«بزنس التعليم».
 
فوزي أبوريان أشار إلى أن هناك، من وجهة نظره، مشكلة تتعلق بوجود ممارسين للمهنة من غير المتخصصين.
 
أما رضا الفراني، فجاء تعليقه ساخرًا: «ربنا يبارك في الجامعات الخاصة».
 
طارق أحمد ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن «سبوبة التعليم الخاص» ساهمت في تفاقم الأزمة، وأن توسع التعليم لا يرتبط دائمًا باحتياجات سوق العمل.
 
ومن جهتها، أرجعت منه زكريا ارتفاع أعداد الخريجين إلى انخفاض الحد الأدنى للقبول بكليات الصيدلة في الجامعات الخاصة.
 
بينما اعتبر فتوح أحمد أن «بزنس التعليم» لا يضع احتياجات السوق في مقدمة أولوياته.
 
وفي النهاية، لا تبدو أزمة الصيدلة مجرد مشكلة في عدد الكليات أو المقبولين، وإنما خللًا في التخطيط يبدأ من مقعد الدراسة وينتهي عند بوابة سوق العمل؛ فخلال نحو 7 سنوات ارتفع عدد كليات الصيدلة من 43 إلى 74 كلية، وأصبح السوق أمام نحو 380 ألف صيدلي ونحو 25 ألف خريج جديد كل عام.
 
أضف تعليقك
شارك