حديقة روض الفرج.. أحدث ضحايا هوس الحكومة بأرباح العقارات على حساب حق المواطن في نسمة الهوا

لم يتوقع أهالي روض الفرج أن تصبح الحديقة التي اعتادوا رؤيتها جزءًا من حسابات الاستثمار العقاري لحكومة البيع بالتجزئة.

ففي 6 أغسطس 2026، طرحت هيئة الأوقاف المصرية أرض الحديقة التاريخية، والتي تعتبر آخر متنفس ومساحة خضراء لمواطني شمال القاهرة، طرحتها للبيع أمام شركات التطوير العقاري، ودعت إلى تقديم دراسات لاستغلالها بنظام الشراكة الاستراتيجية.

وبدأ الإعلان كفرصة استثمارية، لكنه فتح سؤالًا آخر لدى سكان المنطقة: ماذا سيبقى من الحديقة إذا دخلت الخرسانة إلى هذه المساحة الأخيرة وسط غابات الأسمنت المسلح؟

وهل تصبح روض الفرج حلقة جديدة في سلسلة حدائق ومساحات مفتوحة بالقاهرة الكبرى دخلت، بأشكال مختلفة، دائرة الاستثمار وإعادة الاستغلال بمنطق تجاري بحت، لا يضع في حساباته حق المواطن في ظل شجرة أو نسمة هواء وسط الزحام؟

ماذا حدث؟

تقع أرض الحديقة في موقع سوق روض الفرج القديم، وتمتد على مساحة 41 ألف متر مربع.

وفي 6 أغسطس 2026، أعلنت هيئة الأوقاف المصرية فتح باب التقدم أمام شركات التطوير العقاري الكبرى لتقديم دراسات متكاملة لاستغلال الموقع بنظام الشراكة الاستراتيجية.

وطلبت الهيئة من الشركات تقديم رؤية تطويرية للموقع، ومخطط عام وتقسيم أمثل للمساحة، إلى جانب دراسة جدوى للاستغلال الاستثماري للأرض.

وقالت الهيئة إن الطرح يأتي ضمن توجهها لتعظيم الاستفادة من أصولها العقارية، من خلال شراكات مع شركات التطوير العقاري لتنفيذ مشروعات تحقق الاستغلال الأمثل للأراضي التابعة لها.

لكن الإعلان لم يحدد طبيعة المشروع الذي يمكن إقامته على الأرض، أو حجم الإنشاءات، أو نسب البناء والارتفاعات، كما لم يحسم مصير الأشجار القائمة.

روض الفرج ليست وحدها

لا يأتي طرح أرض روض الفرج بمعزل عن وقائع أخرى شهدتها حدائق ومساحات مفتوحة في القاهرة ومحافظات أخرى.

فحديقة الميريلاند، التي أنشئت عام 1949، بدأت أعمال تطويرها عام 2004، مع الحفاظ على مساحاتها الخضراء. لكن منذ عام 2017، شهدت الحديقة عمليات تطوير جديدة امتدت حتى مايو 2026، وشهدت تراجعًا في مساحات خضراء وأشجار نادرة لصالح الكتل الخرسانية والمطاعم والكافيهات.

وفي مايو 2025، أعلنت وزارة الإسكان اعتزامها تخصيص 170 فدانًا من حديقة الكفراوي بمدينة العاشر من رمضان لصالح شركة تطوير عقاري كبرى.

وفي سبتمبر 2022، أعلن اللواء إيهاب الشرشابي، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، اقتطاع نحو 80 مترًا من مساحة حديقة اللوتس بمدينة نصر لتنفيذ جراج متعدد الطوابق لخدمة رواد الحديقة والمترددين على محكمة مدينة نصر الجزئية.

وتزامنت أعمال إزالة أجزاء من حديقة اللوتس مع تجريف أجزاء من الحديقة الدولية المطلة على شارع عباس العقاد بمدينة نصر، وتحويل أطراف منها إلى تجمعات للمطاعم والكافيهات، على غرار ما جرى في حديقة الطفل، إلى جانب إزالة حديقة الجولف في حي مصر الجديدة.

لم تقتصر التحركات على الحدائق

ففي يونيو 2026، جرى الإعلان عن طرح مساحة تبلغ نحو 55 ألف متر مربع في منطقة الدقي أمام شركات التطوير العقاري، وهي أرض الصوب الزراعية التي آلت إلى جهاز مستقبل مصر من وزارة الزراعة.

وفي أكتوبر 2025، أعلن مجلس الوزراء حصر 110 مواقع مطلة على كورنيش النيل بمحافظة القاهرة، بمساحة إجمالية بلغت 430 فدانًا، إلى جانب 82 موقعًا في نطاق محافظة الجيزة بمساحة 315 فدانًا، بهدف إعداد قاعدة بيانات جغرافية لأصول الدولة المطلة على النيل وطبيعة استغلالها.

وتضع هذه الوقائع سؤالًا أوسع أمام خطط إعادة استغلال الأراضي: هل تقاس قيمة الموقع بالعائد الاستثماري فقط، أم تدخل وظيفته الحالية وقيمته البيئية والاجتماعية ضمن حسابات أفضل استخدام له؟

أرباح العقارات

تأتي هذه الطروحات في وقت يشهد فيه السوق العقاري المصري توسعًا كبيرًا في المبيعات والاستثمارات، ما يزيد جاذبية الأراضي الواقعة داخل المناطق الحضرية.

وبلغت مبيعات أكبر 20 شركة تطوير عقاري في مصر خلال 2025 نحو 1.56 تريليون جنيه، بزيادة 10% عن عام 2024، وفق تقرير لشركة «ذا بورد كونسالتينج» لأبحاث ودراسات السوق.

كما بلغت مبيعات أكبر 10 شركات نحو 1.26 تريليون جنيه، بزيادة 12% عن العام السابق.

ووصل عدد الوحدات المباعة إلى نحو 68 ألف وحدة، بينما تراوح متوسط أسعار الوحدات بين 18 و42 مليون جنيه.

وتوضح هذه الأرقام حجم الأموال التي تدور في السوق العقارية، وتفسر جاذبية الأراضي داخل المدن لشركات التطوير، خصوصًا مع ارتفاع قيمة المتر وزيادة الطلب على المشروعات الجديدة.

القاهرة تخسر أخضرها

تأتي قضية روض الفرج في مدينة تعاني أصلًا من انحسار المساحات الخضراء.

وفقدت مصر أكثر من 4 ملايين متر مربع من غطاء الأشجار خلال الفترة بين عامي 2014 و2023، بينما فقدت القاهرة وحدها نحو 910894 مترًا مربعًا من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، وفق البيانات البحثية التي تم جمعها حول الملف.

وتشير بيانات أخرى إلى أن متوسط نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر بلغ نحو 1.2 متر مربع فقط، وهو ما يقل كثيرًا عن توصية منظمة الصحة العالمية البالغة 9 أمتار مربعة للفرد.

وتزداد أهمية هذه المساحات مع ارتفاع درجات الحرارة. ووصلت درجات الحرارة في القاهرة إلى 43 درجة مئوية خلال أوائل الصيف، بينما تجاوزت في أسوان 49 درجة مئوية في السادس من يونيو، وفق البيانات الواردة في المادة التي تم جمعها.

وقالت سناء شريف، الباحثة في مجال الحوكمة البيئية والخبيرة في علم الاجتماع، إن وجود الحدائق والمتنزهات والمساحات الخضراء يمكن أن يساعد في خفض درجات الحرارة المحلية، ويجعل الأماكن المفتوحة أكثر جذبًا وقابلية للاستخدام.

وأضافت أن غياب الظل ومساحات التبريد يجعل السكان أكثر عرضة للأمراض المرتبطة بالحرارة.

وقال نبيل الهادي من جامعة القاهرة إن التوسع في العمران والطرق والأرضيات الصلبة يؤدي إلى حجز الحرارة وإعادة انعكاسها، مؤكدًا أن العمران يرتبط بزيادة درجات الحرارة في المكان.

وبذلك تصبح المساحات الخضراء جزءًا من قدرة المدينة على مواجهة الحرارة، وليس مجرد عنصر لتحسين المشهد العام.

الشجرة لا تعوض

لكن تعويض المساحات الخضراء لا يتعلق بعدد الأشجار فقط.

وقالت أسماء الحلوجي، الناشطة البيئية ورئيسة جمعية محبي الأشجار، إن استبدال الأشجار ذات الجذور العميقة بأشجار جديدة ليس أمرًا سهلًا، ويحتاج إلى أموال وعمالة وصيانة.

وتحتاج الأشجار الجديدة إلى سنوات حتى تصل إلى الحجم الذي يمكنها معه تقديم وظائف بيئية مماثلة للأشجار القائمة.

وترى الحلوجي أن الأشجار تمثل أيضًا جزءًا من ذاكرة المكان وهويته، وأن اختفاءها يغير طبيعة المناطق الحضرية وليس شكلها فقط.

ماذا يقول السكان؟

أثار طرح أرض حديقة روض الفرج أمام شركات التطوير العقاري انتقادات بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أعربوا عن مخاوفهم من فقدان المساحة الخضراء وتحولها إلى مشروعات عمرانية.

ورأى كارلوس لاتوف أن الحديقة تعد تقريبًا من المساحات الخضراء القليلة المتبقية في شمال القاهرة، بينما انتقدت ميرفت حسني التوسع في الاستثمار العقاري على حساب اللون الأخضر.

ووصف طارق علي الحديقة بأنها مساحة خضراء وسط كتل خرسانية، مطالبًا بالحفاظ عليها للاستفادة منها في تحسين جودة الهواء وتوفير متنفس للسكان.

وتساءل أدهم نورالدين عن جدوى تحويل الحديقة إلى مشروعات خرسانية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على حق المواطنين في الحدائق والمساحات العامة.

وانتقدت أميرة وهبه طرح أراضي الدولة للاستثمار، بينما قدم أحمد يسري تصورًا بديلًا يقوم على الحفاظ على المساحات الخضراء مع إقامة أنشطة رياضية وترفيهية وكافيتريات ومطاعم.

ويرى أن هذا النموذج يمكن أن يحقق عائدًا مستمرًا من الأرض، ويوفر في الوقت نفسه متنفسًا لسكان المنطقة.

يطرح تصور السكان سؤالًا عمليًا: هل يعني تحقيق عائد من الأرض بالضرورة تحويل معظمها إلى مبانٍ؟

وفي حالة روض الفرج، لا يتعلق الأمر فقط بما يمكن أن تحققه الأرض من عائد، وإنما بما يمكن أن تخسره المدينة إذا اختفت المساحة الخضراء.

أضف تعليقك
شارك