لم يعد نزع ملكية عقار أو أرض أو محل تجاري حدثًا استثنائيًا، بل أصبح مشهدًا يتكرر بوتيرة متسارعة مع استمرار الدولة في تنفيذ مشروعات الطرق وغيرها، وبينما تؤكد الحكومة أن جميع الإجراءات تأتي في إطار “المنفعة العامة”، تتزايد التساؤلات حول حجم الممتلكات المنزوعة، وسرعة صرف التعويضات، وحماية حقوق آلاف الأسر.
أحدث حلقات هذه السلسلة جاءت مع نشر الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1515 لسنة 2026، بتجديد قرار المنفعة العامة الخاص بمشروع تطوير وتوسعة الطريق الدائري في المسافة الممتدة من الأوتوستراد إلى المريوطية والطريق السطحي، داخل محافظتي القاهرة والجيزة.
الدائري أولًا
ويمثل القرار امتدادًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 4505 لسنة 2022، الذي اعتبر المشروع من أعمال المنفعة العامة، وأجاز نزع ملكية الأراضي والعقارات اللازمة لتنفيذه، فيما يمدد القرار الجديد فترة المنفعة العامة لاستكمال إجراءات التنفيذ.
وبحسب الحصر الصادر عن مؤسسة ديوان العمران، يشمل المشروع نزع ملكية 348 فدانًا بعرض 25 مترًا على جانبي الطريق، بإجمالي1636 عقارًا، بما يؤثر على نحو 10248 أسرة تضم 9816 وحدة سكنية، إلى جانب 296 محلًا تجاريًا و136 ورشة.
ولم تتوقف القرارات عند الطريق الدائري، إذ سبقه قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1288 لسنة 2026 باعتبار مشروع إنشاء ثلاث محطات لتحلية مياه البحر في بلطيم بكفر الشيخ، وفايد بالإسماعيلية، والحمام بمطروح من أعمال المنفعة العامة، مع الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي اللازمة للمشروع ضمن الخطة الاستراتيجية لتحلية مياه البحر حتى عام 2050.
وأوضحت المذكرة الإيضاحية أن المشروع يأتي تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، ويتضمن تخصيص ونزع ملكية الأراضي اللازمة لمواقع المآخذ والمحطات، ونقل ولايتها إلى القوات المسلحة لحين استخدامها مستقبلًا في تنفيذ مشروعات التحلية، بعد استكمال الإجراءات الفنية وتدقيق الإحداثيات.
حتى المدارس لم تسلم
وامتدت قرارات نزع الملكية إلى المنشآت التعليمية، بعدما نشرت الجريدة الرسمية قرارًا جديدًا باعتبار العقار الذي تشغله مدرسة السعادات الابتدائية والإعدادية بمركز بلبيس في محافظة الشرقية من أعمال المنفعة العامة.
ونص القرار على أن العقار، الواقع بحوض الرمل رقم 3 ناحية السعادات، تبلغ مساحته نحو 23985 مترًا مربعًا، وذلك في إطار استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لتنفيذ المشروع.
وقبل ذلك بشهر، أصدرت الحكومة القرار رقم 334 لسنة 2026 بشأن نزع ملكية عدد من الأراضي والعقارات بمحافظة القاهرة لاستكمال إنشاء مواقف لخدمة الأتوبيس الترددي السريع (BRT) على الطريق الدائري.
وجاء القرار تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3483 لسنة 2023، الذي اعتبر المرحلة الأولى من المشروع في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية من أعمال المنفعة العامة.
وشملت إجراءات نزع الملكية عقارات وأراضي موزعة على 14 كشفًا أعدتها مديرية المساحة بالقاهرة، بعد تعذر توقيع أصحابها على نماذج نقل الملكية، وتضمنت مواقع بمحطات طريق السويس، وكارفور المعادي، والنساجون الشرقيون، والأوتوستراد، والهضبة الوسطى، وطريق السخنة، والفريق إبراهيم العرابي، ومؤسسة الزكاة، وموقف العاشر/السلام.
ممشى أهل مصر.. وملكيات خاصة
وفي مايو الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قرارًا آخر بنزع ملكية أراضٍ وعقارات مطلة على نهر النيل في مناطق منيل شيحة وأبو النمرس وجزيرة الدهب بمحافظة الجيزة، بإجمالي مساحة تقترب من 25.5 ألف متر مربع، لصالح استكمال تنفيذ مشروع “متنزهات وممشى أهل مصر”.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر عام 2022 قرارًا بإنشاء المشروع على أراضي طرح النهر المملوكة لوزارتي الري والزراعة ومحافظة الجيزة، إلا أن المخطط التنفيذي الذي أعدته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة كشف عن تعارض عدد من الملكيات الخاصة مع مسار المشروع، ما استلزم نزعها، بحسب الإيضاحات المرفقة بقرار وزارة العدل.
كما قدرت الهيئة المصرية العامة للمساحة التعويضات المبدئية للأراضي والعقارات المتعارضة مع المشروع بنحو 70 مليون جنيه.
أسماء بارزة وأرقام لافتة
وشملت قائمة المنزوعة ملكياتهم رئيس حزب المحافظين والعضو المؤسس بالحركة المدنية الديمقراطية أكمل قرطام، بعد نزع عدد من القطع المملوكة له في جزيرة الدهب، كما ضمت رجل الأعمال حسن راتب، الذي شمل القرار نزع قطعة أرض مملوكة له بمنطقة أبو النمرس.
وتأتي هذه القرارات ضمن اتجاه أوسع رصده تقرير صادر عن مؤسسة ديوان العمران، كشف عن تصاعد وتيرة نزع الملكيات خلال عام 2025، حيث بلغت المساحات المنزوعة نحو 2.5 مليون متر مربع، تضرر منها بشكل مباشر نحو 2500 مواطن.
وأشار التقرير إلى أن قطاع الطرق والكباري استحوذ وحده على أكثر من 51% من إجمالي المساحات المنزوعة، يليه قطاعا النقل والمواصلات والصرف الصحي.
التعويضات تحت قبة البرلمان
التوسع في قرارات نزع الملكية دفع عضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، الدكتور محمد فؤاد، إلى التقدم بطلب إحاطة بشأن استمرار تنفيذ المشروعات في ظل غياب رؤية واضحة ومعلنة لتمويل التعويضات.
وقال فؤاد إن دعم المشروعات القومية لا يتعارض مع حماية حقوق المواطنين، مطالبًا بالتأكد من توافر الاعتمادات المالية اللازمة قبل الشروع في إجراءات نزع الملكية، خاصة مع تكرار شكاوى المواطنين من تأخر صرف التعويضات.
وأكد أن التعويضات ليست بندًا يمكن تدبيره لاحقًا، بل يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من التكلفة الإجمالية لأي مشروع منذ لحظة اعتماده، محذرًا من أن غياب التمويل الواضح قد يخلق أعباء اجتماعية وقانونية ويؤثر على الثقة في مشروعات التنمية.
غضب المواطنين يتصاعد
ومع كل قرار جديد بنزع الملكية، تتجدد موجة الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من المواطنين عن مخاوفهم من اتساع نطاق القرارات وتأخر صرف التعويضات.
وكتب عمرو سلطان، تعليقًا على أحد قرارات نزع الملكية “واضح إنكم عايزين ثورة تقوم لأغراض دنيئة، عمالين تخنقوا في الناس وتظلموهم وتقهروهم وتسرقوا أموالهم وتهدوا في بيوتهم.. إن شاء الله ربنا هينتقم منكم ويشفى غليل كل مظلوم عن قريب جدًا جدًا”.
فيما كتب محمد أحمد أبو غنيم: “طول ما الحمار ساكت الكلب راكب”، بينما سخرت جيهان الجندي من تكرار مشروعات الطرق بقولها: “دولة الطرق والكباري”، وهو الوصف ذاته الذي ردده عمر محمد، مضيفًا: “مش مهم الشعب.. أهم حاجة الطرق والكباري”.
وتعكس هذه التعليقات جانبًا من حالة الجدل المصاحبة لقرارات نزع الملكية، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الإجراءات تتم وفقًا لقانون نزع الملكية للمنفعة العامة، وأنها تستهدف تنفيذ مشروعات قومية تخدم الصالح العام.
وبين مبررات الدولة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، ومطالب المواطنين بضمان تعويضات عادلة وسريعة، يظل ملف نزع الملكية واحدًا من أكثر الملفات إثارة للنقاش، مع استمرار صدور قرارات جديدة واتساع نطاق المشروعات التي تشملها