“سنة مع إيقاف التنفيذ”.. هل أصبح القانون “ثغرة” تشجع مافيا النصب الإلكتروني في مصر؟

رغم وقوع مئات الضحايا، وفقدان ملايين الجنيهات، وتحقيقات امتدت لأشهر جمعت أدلة رقمية وفنية ومقاطع مصورة ومحافظ إلكترونية وشهادات لمئات المواطنين، انتهت واحدة من أكبر قضايا النصب الإلكتروني في مصر إلى أحكام بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ وغرامة 100 ألف جنيه لكل متهم، في مقابل أحكام يصفها قانونيون وخبراء بأنها لا تحقق الردع الكافي، وتشجع على تكرار الجريمة.

قضية GME

بهذا الحكم أُغلقت قضية منصة “GME”، التي تقدّم فيها 537 مواطناً ببلاغات أكدوا خلالها تعرضهم للاحتيال والاستيلاء على ما يقرب من 15 مليوناً و929 ألفاً و357 جنيهاً، عبر منصة روجت لفرص استثمارية وهمية مقابل أداء مهام عبر الإنترنت.

وكشفت التحقيقات عن وجود تشكيل عصابي من 25 متهماً، استخدموا محافظ إلكترونية ببيانات مزيفة وسجلاً تجارياً باسم المنصة دون تراخيص، مع توثيق نشاطهم بمحادثات ومقاطع مرئية وأدلة رقمية.

قضايا مماثلة

لكن هذه القضية لم تكن سوى نموذج واحد داخل سلسلة ممتدة من قضايا النصب الإلكتروني التي تكشف نمطاً متكرراً وهو خسائر مالية ضخمة، مئات الضحايا، وشبكات منظمة، يقابلها في بعض الحالات أحكام يصفها خبراء قانونيون بأنها لا تعكس حجم الضرر.

ففي 30 أبريل 2025، قضت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة في قضية “البيتكوين” بحبس 4 متهمين سنة مع إيقاف التنفيذ وغرامة 100 ألف جنيه، مع تغريم متهمين آخرين مليون جنيه وبراءة اثنين.

وفي 23 يونيو 2025، قضت المحكمة بحبس شخصين لمدة عامين مع الشغل والنفاذ في قضية اختراق تطبيقات النقل الذكي، مع براءة 7 آخرين.

وفي 11 نوفمبر 2025، قضت محكمة جنح مستأنف الاقتصادية بعدم الاختصاص في قضية “مستريح البيتكوين”، وهو ما أعاد الجدل حول توصيف الجرائم الإلكترونية بين النصب والجرائم الاقتصادية التقليدية، وأثره على مسار التقاضي.

وفي 30 مارس 2026، قضت أيضاً محكمة جنايات القاهرة الاقتصادية، بمعاقبة 13 متهماً في قضية منصة FBC، بالسجن 5 سنوات وتغريمهم 10 ملايين جنيه، وإلزامهم برد مبلغ 14 مليون جنيه، لاتهامهم بالاحتيال والاستيلاء على 2 مليون جنيه من 101 مواطنا بزعم استثمارها لهم في مجال البرمجيات والتسويق الإلكتروني، وإيهامهم بمنحهم أرباحاً مالية مزعومة.

ضبطيات أمنية

ورغم هذه الأحكام، تتواصل الضبطيات الأمنية المرتبطة بجرائم الاحتيال الإلكتروني بوتيرة متصاعدة.

ففي 26 يوليو 2025، ألقت مباحث الأموال العامة القبض على 4 متهمين في منطقة العدوة بمحافظة المنيا، لاتهامهم بالاستيلاء على بيانات بطاقات الدفع الإلكتروني الخاصة بالمواطنين وسرقة أموالهم، وضبط بحوزتهم 10 شرائح هواتف و4 أجهزة هاتف تحتوي على دلائل رقمية.

وفي 14 يوليو 2025، أعلنت وزارة الداخلية ضبط تشكيل عصابي مكون من 23 متهمًا، بعد تلقي بلاغات من 58 مواطنًا بتعرضهم للنصب عبر منصة إلكترونية تحمل اسم “VSA”، حيث استولى المتهمون على نحو 2.5 مليون جنيه بزعم استثمارها.

وفي 6 فبراير 2026، كشفت التحقيقات عن قيام 4 أشخاص بإدارة منصة إلكترونية باسم “STEP” لاستدراج المواطنين والاستيلاء على مدخراتهم تحت غطاء الاستثمار الوهمي.

وفي 14 فبراير 2026، تم ضبط تشكيل عصابي دولي كان يرسل رسائل نصية وهمية تفيد بسحب أموال من تطبيق “إنستاباي”، وبمجرد إدخال الضحايا لبياناتهم تتم سرقة الأموال وتحويلها إلى محافظ إلكترونية ثم إلى عملات رقمية مشفرة.

وفي 5 مارس 2026، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط تشكيل عصابي دولي تخصص في النصب عبر منصة إلكترونية وهمية، وعُثر بحوزته على 41 هاتفاً محمولاً و4 أجهزة حاسب آلي و14 بطاقة بنكية و495 شريحة هاتف ومحافظ رقمية، بقيمة تقديرية للمضبوطات بلغت نحو 2.5 مليون جنيه.

وفي 8 أبريل 2026، تم ضبط شاب استغل ثغرة تقنية في أحد تطبيقات التحويلات المالية، وعُثر بحوزته على مبالغ مالية ومشغولات ذهبية و22 بطاقة دفع إلكتروني، في واقعة تعكس تطور أساليب الاحتيال التقني.

وفي 18 أبريل 2026، تم ضبط تشكيل عصابي يضم 4 أشخاص داخل البلاد بالتعاون مع عناصر بالخارج، تخصص في الاحتيال الإلكتروني والاستيلاء على أموال المواطنين عبر وسائل رقمية.

ضحايا يروون مأساتهم

تطور أساليب النصب لم يعد مجرد عناوين في الصحف أو بيانات أمنية عن ضبط تشكيلات دولية، بل أصبح واقعاً يطرق أبواب الكادحين ليلاً ونهاراً.

فقد انقلبت حياة الشاب العشريني محمود محسن عاكف – الذي يعمل سائقاً في أحد تطبيقات النقل الذكي ويقطن في حي السيدة زينب وسط القاهرة – رأساً على عقب وتبخرت أحلامه بعدما سقط فريسة في أيدي عصابات النصب والاحتيال الإلكتروني بمنصة بإحدى منصات التسوق الإلكتروني بعد إغرائه بتحقيق مكاسب مالية سريعة في فترة زمنية وجيزة.

تحمس “عاكف” للفكرة وبدأ الاستثمار فيها في ديسمبر 20224  بالاشتراك في باقة 3600 جنيه التي كانت تمنح مبلغاً يقارب 120 جنيهاً يومياً، ليحقق مكاسب كثيرة، مما شجعه على تكرار التجربة أملاً في كسب أرباح أكثر، ثم بدأت المنصة تسوق إلى أن الأرباح ستُصرف أسبوعياً وليس يومياً.

اضطر الشاب العشريني إلى بيع ذهب زوجته واستغلال المبلغ المالي الذي كان يدَّخره لسداده مقدم شقة في مشروع الإسكان القومي من أجل تجميع مبلغ يقارب 56 ألف جنيه لوضعها في المنصة من أجل الاستفادة من أرباحها المالية.

فوجئ الشاب العشريني أثناء إجراء عملية سحب الأموال التي تنفقها الشركة بإغلاق التطبيق وأصبح مجرد “صفحة بيضاء”، حاول التواصل مع مسؤولي الشركة لاستعادة ماله، إلا أنه لم يُستجب له، مما اضطره للذهاب لتحرير محضر في مباحث الإنترنت في منطقة العباسية بالقاهرة، متهماً مسؤولي الشركة بالاحتيال والنصب.

حال الرجل الأربعيني عبدالعظيم صلاح عبدالعظيم السائح لا يختلف كثيراً عن عاكف، إذ تعرض أيضاً لعملية نصب مالي في منصة للتسوق الإلكتروني بعد أن دفع  90 ألف جنيه، ولم يحصل سوى

على 43 ألف جنيه فقط، من إجمال ما أنفقته في المنصة، لتضيع بذلك تحويشة العمر بسبب الطمع الذي ملأ عيني بالمكسب السريع.

المأساة ذاتها عبر عنها محمد صبحي عمر (32 سنة)، الذي يعمل مصمم غرافيك في إحدى الشركات الخاصة ويعيش في مدينة شبين القناطر بالقليوبية، موضحاً أنه أصدقائه أقنعوه بالاستثمار في أحد منصات التسوق، وبالفعل اشتراك في أكثر من باقة تمنحه عائدا يوميا بشكل منتظم لكسب ثقة العملاء،  مع مغريات مختلفة كهدايا مثل “شنطة رمضان.

فوجئ “صبحي” في أحد الأيام بعدم تمكنه من سحب أرباحه، ثم إدعاء الشركة تعرضها للاختراق ومطالبة العملاء بدفع مبالغ مالية لاسترداد بياناتهم، قبل أن تغلق تماما وتختفي.

53 % تعرّضوا لمحاولات احتيال

وكشفت الدراسة “Stay Secure” التي تُجريها شركة  Visa سنويًا، أن 53% من المصريين الذين شملهم المسح تعرضوا لعملية احتيال إلكتروني واحدة على الأقل.

وأوضحت الدارسة أن متوسط عدد المصريون الذين تعرضوا للاحتيال تجاوزوا المتوسط العالمي البالغ 52%، بينما أقرّ 14% منهم بتعرضهم للاحتيال أكثر من مرة، وهي نسبة تقترب من المعدل العالمي 15%، بما يعكس تكرار الاستهداف لا عَرَضِيّته.

قانون 175

ورغم هذا التصعيد الأمني، يظل الجدل قائماً حول الإطار القانوني الحاكم لهذه الجرائم.

إذ ينص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 في المادة 23 على معاقبة كل من يستخدم وسائل تقنية المعلومات للاستيلاء على بيانات بطاقات الدفع الإلكتروني بالحبس والغرامة التي قد تصل إلى 200 ألف جنيه حال الاستيلاء على أموال الغير.

وتنص المادة 24 على معاقبة إنشاء حسابات أو مواقع وهمية بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة نفسها، وتتصاعد في حالات الاعتداء على جهات اعتبارية عامة.

ثغرات تشريعية وشهادات خبراء

ويؤكد قانونيون أن هذه النصوص، رغم وجودها، لا تبدو كافية لمواكبة تطور الجرائم الرقمية، خاصة مع اعتماد بعض الشبكات على أدوات معقدة تشمل المحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة وسلاسل تحويل دولية.

وفي السياق ذاته، حذر الدكتور عمرو يوسف من أن “وهم الثراء السريع” يمثل المدخل الرئيسي لسقوط الضحايا، مؤكدًا أن الخسائر المالية المتكررة تقوض الثقة في المعاملات الرقمية.

فيما شدد الدكتور محمد ممدوح على ضرورة سد الثغرات القانونية والرقابية، معتبرًا أن التطور الرقمي يجب أن يصاحبه مستوى أعلى من الحماية.

وأشار الدكتور محمد عبد الغني إلى أن هذه المنصات تعتمد على استقطاب ضحايا جدد قبل أن تنهار، بينما أوضح المحامي محمد صابر أن أجهزة مكافحة جرائم الإنترنت قادرة على تتبع الجناة حتى مع محاولات إخفاء الهوية، وإن كانت الإجراءات تستغرق وقتًا.

دعوات إصلاح

ومن جانبه، قال اللواء أحمد طاهر، مدير إدارة المكافحة الدولية لجرائم الآداب والإنترنت السابق، إن تكرار هذه القضايا يعكس اتساع الظاهرة، مشيرًا إلى أن بعض الأحكام الصادرة “لا تحقق الردع الكافي”، ومطالبًا بتشديد العقوبات وتسريع إجراءات التقاضي والمصادرة.

ودعا الدكتور محمد مهران، الخبير في القانون الدولي، إلى إنشاء آليات دولية لملاحقة الجرائم العابرة للحدود وتحديث التشريعات الوطنية، مؤكدًا أن الإشكالية لا تتعلق بالعقوبة فقط، بل بآليات التطبيق وصعوبة استرداد الأموال عبر الحدود.

فيما طالب حسام سعيد مصطفى، عضو لجنة الإصلاح التشريعي بمجلس الوزراء، بتعديل قانون 175 لسنة 2018 لإدماج عقوبات أكثر شمولًا.

ودعا الدكتور عادل عبدالصادق إلى إعادة تعريف جريمة الاحتيال الإلكتروني وتشديد العقوبات ومعاقبة الشروع فيها، إلى جانب تنظيم عمل التطبيقات وتعزيز مسؤولية شركات الاتصالات والخدمات المالية.

أضف تعليقك
شارك