كارتة الطرق.. جباية حكومية في الروحة والجاية

لم يكن “وائل صفوت” يتخيل يوماً أن ذهابه اليومي المعتاد من منزله في حي المهندسين إلى مقر عمله بمنطقة كوبري القبة سيكلفه ضريبة عبور داخل عاصمة بلاده، لكن هذا هو الواقع الذي يعيشه وآلاف غيره يومياً.
“أريد أن أفهم لماذا توجد محطة تحصيل رسوم بقيمة 20 جنيهاً في وسط القاهرة، بالتحديد على محور روض الفرج؟، بتلك الكلمات تسائل صفوت بغضب، مستنكرا: “لماذا أضطر لدفع مبلغ لمجرد الذهاب لعملي؟ ولماذا لم توضح المحطة قبل ذلك لتكون في طريق القادم من محافظة أخرى؟”.
مفارقة وائل لم تتوقف عند هذا الحد، بل قارن بدهشة بين دفع 10 جنيهات فقط إذا كان مسافراً من القاهرة إلى الإسكندرية (لمسافة تتجاوز 200 كم)، وبين دفع ضعف هذا المبلغ (20 جنيهاً) ليقطع مسافة لا تتعدى 20 كيلومتراً داخل شوارع القاهرة.
هذه المفارقة تعكس واقعاً جديداً؛ فبينما يجرى العرف العالمي على فرض رسوم الطرق (الكارتة) على المحاور السريعة والحدودية بين المحافظات، بات المواطن المصري يواجهها في حركة تنقله اليومية والداخلية.

 

ضريبة الهروب إلى المدن الجديدة

القصة تتكرر بملامح أكثر قسوة مع سكان المدن الجديدة الذين اعتقدوا أنهم اشتروا راحتهم بالابتعاد عن صخب العاصمة.
“ولاء حامد” عبرت عن هذا الإحباط وكتبت عبر صفحتها: “ادفع الإتاوة ومص دم المواطن اللي مطحون بنزين رايح جاي عشان ساكن بعيد، واختار يسكن بعيد هروباً من الزحمة والدوشة”.
وتابعت مستنكرة غياب العيشة الكريمة: “احنا هنجيبلك الزحمة لحد عندك، احنا هنكرهك في سكنك وفي بلدك.. ادفع واقف ساعات في الطريق عادي ولا يهمنا بس تدفع”.
هذا التكدس أمام بوابات الرسوم حوّل الميزة المرورية إلى نقمة؛ حيث وصفت صفحة “نافذة مصر” كارتة طريق السويس بأنها “أسوأ تجربة مرورية في مصر”.
ونقلت الصفحة عن تعليقات المواطنين قولهم: “ندفع رسوم عشان نقف في طوابير.. بطء وتنظيم فاشل. الطريق من المفترض أن يختصر المسافة لكنه في الواقع يزيد وقت الرحلة.. المواطن يدفع فلوسه عشان يتأخر ويضيع يومه”.
من جانبها، طالبت “سارة كاسبر” بحق امتياز مجاني لأهالي هذه المناطق للعبور من بوابات طريق السويس دون اشتراك سنوي أو يومي.
وأشارت إلى أن “الناس اضطرت تسيب أهلها وشغلها وحياتها اللي في وسط القاهرة وتعيش في آخر القاهرة الجديدة، وليس لتدفع رسوماً للذهاب إلى عملها أو زيارة أهلها داخل نفس المحافظة”.

 

استثناءات لأصحاب النفوذ

وسط أجواء الاستياء، يرى مواطنون أن الأمر تحول إلى أداة لجمع المال دون مراعاة لظروف الناس الاقتصادية، حيث علّق “محمود عبد العزيز” قائلاً: “عندنا حكومة تتفنن في فرض إتاوات على المواطن.. مش فارق بقى قادر أو مش قادر، المهم السبوبة تجيب فلوس”.
بينما سخرت “منار سالم” من الاستثناءات الممنوحة لرجال الأمن.
وسردت موقفاً حدث معها: “اليوم ركبت مع سائق أوبر جابنا من الطريق الأوسطي، وعدى على كمين وطلع كارنيه وأمين الشرطة قاله اتفضل يا باشا، ثم عدى على كارتة وطلع نفس الكارنيه واللي واقف على الكارتة قاله اتفضل يا باشا.. أنا بقى كنت هاموت وأعرف الباشا شغال إيه!”.
فيما تساءل “أحمد جمعة” مستنكراً الإعفاءات غير المبررة: “ليه الضابط لا يدفع كارتة في حين أن الغلبان المطحون يدفع؟ طب ما كله يدفع عادي طالما كلنا نستخدم الطريق”.
هذا التمييز سلطت وسائل إعلام محلية الضوء عليه في وقت سابق، حين أفادت بضبط طالب انتحل صفة ضابط للهروب من دفع رسوم بوابة طريق “القاهرة-إسكندرية”.
ولم تسلم حتى الفئات الأكثر احتياجاً للدعم من هذه الرسوم؛ إذ نشرت “تيكا علي” عبر جروب مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، أنها اضطرت لدفع رسوم طريق “القاهرة-إسكندرية الصحراوي”، على الرغم من أنها تقود سيارة مجهزة طبياً وتحمل “كارت الخدمات المتكاملة” الذي خصصته الدولة لحماية حقوق هذه الفئة.
وتساءلت عن الإجراء القانوني الذي يجب أن تتبعه للحصول على حقها بالإعفاء.

 

القضاء يلغي “كارتة” غير قانونية

في المقابل، زفّ “محمد البساطي” العام الماضي تهنئة لسكان مدينة المنصورة بعد صدور قرار قضائي تاريخي يلغي كارتة أحد الطرق الحيوية بالمدينة.
وكتب البساطي: “مبروك إلغاء تحصيل رسوم طريق جمصة السياحي – المنصورة، بحكم من محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 60023”.
وأوضح أن الحكم أكد بوضوح أن قرار فرض الرسوم جاء مخالفاً للقانون ومسّ بحرية التنقل المكفولة دستورياً، مرسخاً المبدأ الدستوري الأصيل: “لا رسوم أو أعباء مالية إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية”.
وقبل هذا الحكم، كان النائب رضا عبد السلام قد دعا علناً إلى تبني سياسة اقتصادية مختلفة تماماً تستهدف التخفيف عن كاهل المواطن وليس العكس، متسائلاً عن جدوى فرض رسوم على طريق “المنصورة-جمصة” وعن البديل الذي يوفر المليارات بل تريليونات الجنيهات؟!”.

 

بيزنس الطرق 

وراء هذه المعاناة اليومية والاشتباكات القانونية تقف أرقام ضخمة واستراتيجية توسع واضحة. فقبل عامين، بدأت “الشركة الوطنية لإنشاء وتشغيل الطرق” رفع أسعار رسوم الطرق السريعة والمميزة بنسبة بلغت 50%.
هذا الارتفاع طال 11 طريقاً رئيسياً ومميزاً تشكّل 29.8% من إجمالي شبكة الطرق الرئيسية في البلاد، وتمتد على طول 30 ألف كيلومتر.
ووفقاً للائحة الأسعار، ارتفعت رسوم السيارات الملاكي والأجرة الصغيرة من 10 إلى 15 جنيهاً، والأتوبيسات من 20 إلى 40 جنيهاً، بينما قفزت رسوم سيارات النقل من 50 إلى 100 جنيه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وضعت الشركة قائمة رسوم خاصة بالشاحنات تتراوح ما بين 500 إلى 15 ألف جنيه بحسب الحجم ونوعية المواد المنقولة، وتخضع لتقديرات الجهات الرقابية بكل محطة تحصيل (سواء في الإسكندرية الصحراوي، العلمين، الساحل الشمالي، دمياط، الفيوم، دهشور، المنيا، أسيوط، الهايكستب، الرحاب، أو الغردقة والزعفرانة).
وتستحوذ “الشركة الوطنية” على حق إدارة جميع هذه الطرق السريعة والمميزة، والتي أقيمت على امتداد 6300 كيلومتر بتكلفة إجمالية بلغت 155 مليار جنيه خلال الفترة من 2014 إلى 2023.
ولم يقتصر امتياز الشركة على تحصيل رسوم المرور فحسب، بل مُنحت حقاً حصرياً لإدارة الأراضي المحيطة بالطرق ومنح التراخيص للمنشآت والإعلانات التجارية على جانبيها بمسافات تتراوح بين 50 و500 متر، مما جعلها المحتكر الأساسي لبيزنس خدمات الطرق.

 

مبررات حكومية

في المقابل، تقف الحكومة مدافعة بقوة عن هذه السياسة الاقتصادية باعتبارها المخرج الوحيد للحفاظ على شبكة الطرق وتأمين صيانتها.
وانتقد وزير النقل، كامل الوزير، في تصريحات سابقة مطالب سكان مدن الشروق ومدينتي وبدر المتضررين من إنشاء كارتة طريق السويس، مؤكداً بصيغة حاسمة عدم التراجع عن إنشائها في مكانها المحدد.
الوزير برر بأن “الدولة تحملت إنشاء طرق بتكلفة 175 مليار جنيه، بخلاف 35 مليار جنيه ل صيانة الطرق، وهي بحاجة ماسة لتحصيل هذه الأموال مرة أخرى لإدامة الخدمة، والسبيل الوحيد والمقرر لذلك هو هذه الرسوم المفروضة على الطرق الجديدة”.
وبين مطرقة التكلفة الباهظة التي تتحدث عنها الحكومة وصيانة مشروعاتها القومية، وسندان العبء المالي اليومي والتعطيل المروري الذي يواجهه المواطن؛ تظل “الكارتة” ملفاً مفتوحاً يثير التساؤلات حول حدود طاقة المواطن الاستيعابية، ومدى قانونية جني الرسوم من حركة الناس اليومية داخل مدنهم.

 

أضف تعليقك
شارك