سموم في الترع.. مياه الصرف تُهدد غذاء المصريين

من الترع التي تروي الحقول إلى المحاصيل التي تُباع في الأسواق، تمر المياه برحلة طويلة يفترض أن تنتهي بإنتاج الغذاء، لكن في عدد من المناطق الزراعية، يقول مزارعون وأهالٍ إن هذه الرحلة باتت تمر عبر مياه مختلطة بالصرف الصحي والصناعي، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة التربة والمحاصيل والصحة العامة.

أزمة المنوفية

تُجسد محافظة المنوفية واحدة من صور هذه الأزمة، حيث تقدم المواطنان رضا فهمي عبد الرحيم ومحمد سالم فريد، نيابة عن أهالي قرية برة العجوز التابعة لمركز قويسنا، باستغاثة إلى مجلس الوزراء، أكدوا خلالها أن القرية تعاني منذ سنوات من أزمة متفاقمة بدأت عقب إنشاء المنطقة الصناعية بكفور الرمل.

وأوضح الأهالي أن مياه الصرف الصحي ومخلفات المواد الكيماوية يتم تصريفها في مجرى مائي كان يستخدم في ري الأراضي الزراعية الواقعة على جانبيه، خاصة الأراضي المملوكة لأهالي القرية.

وأشاروا إلى أن هذه المخلفات تسببت في تلوث المياه بصورة جعلتها غير صالحة لري الأراضي الزراعية، الأمر الذي انعكس على المحاصيل بالإتلاف والتراجع في الإنتاجية، فضلًا عن المخاوف الصحية المتزايدة بين السكان.

وأكد الأهالي أن استمرار استخدام هذه المياه الملوثة يثير مخاوف من انتقال الملوثات إلى المزروعات والمحاصيل الغذائية، وهو ما يرونه سببًا في زيادة معدلات الإصابة بالأمراض الخطيرة بين سكان المنطقة.

وطالبوا بإنشاء محطة لمعالجة هذه المياه عند مخرج خطوط الصرف القادمة من المنطقة الصناعية بكفور الرمل، وإعادة المياه إلى حالتها الطبيعية بما يسمح باستخدامها مجددًا في ري الأراضي الزراعية.

تلوث الإسكندرية

ولا تقتصر شكاوى تلوث مياه الري على محافظة المنوفية، ففي الإسكندرية، وثق المواطن عادل عبدالكريم، عبر مقطع فيديو متداول، واقعة إلقاء صرف صناعي داخل أراضٍ زراعية بمدينة برج العرب.

وعلق عبد الكريم قائلًا: “في مدينة برج العرب يتم تفريغ مياه محملة بالمواد الكيميائية السامة من المصانع، ما يؤدي إلى تسميم الأرض الزراعية والمواشي أيضًا. يرضي مين هذا؟ يا ريت الدكتور بهاء الغنام يشوف هذا الموضوع حفاظًا على إنجازاته في تخضير الأرض الصحراوية”.

وفي السياق نفسه، قال المواطن مغيث المطيري: “الأرض التي تُزرع بالمحاصيل يتم إلقاء صرف المنطقة الصناعية الثانية عليها، والحل هو فشل كلوي للناس التي ستأكل هذه المحاصيل، وهذه نهاية الصرف الصحي”.

مريوط المهددة

وتكشف منطقة مريوط بمحافظة الإسكندرية عن وجه آخر للأزمة، حيث أكد مزارعون تلوث مياه الري الواردة إلى الأراضي الزراعية، خاصة القادمة من محطة 4 ومحطة 5، نتيجة ارتفاع نسب المخلفات.

واتهم المزارعون بعض الأشخاص والشركات بتصريف مخلفاتها داخل الترع التي تروي ما يقرب من 100 ألف فدان.

وأكد المزارعون أن الأزمة لم تتوقف عند حدود الزراعة، بل امتدت إلى نفوق كميات من الأسماك وانبعاث روائح كريهة في المنطقة.

وقال محمد قاسم النقيب، أحد أهالي المنطقة: “ما زال مسلسل الخراب والتلوث في مياه ري مريوط مستمرًا، في ظل وجود سلوكيات تضر بالصالح العام وتؤدي إلى تدمير الموارد الزراعية”.

وأوضح أنهم تقدموا بعدد من الشكاوى للمسئولين، إلا أن الردود جاءت بأن نسب الخلط تقع ضمن الحدود المسموح بها وأن هناك متابعة دورية للموقف.

واتهم حمادة وجدي، أحد أبناء المنطقة، إحدى شركات السكر الواقعة على الطريق الصحراوي بإلقاء مياه الغسيل الخاصة بالمصنع في الترعة، الأمر الذي أدى إلى تلوث المياه وعدم صلاحيتها للري.

ووصف المياه بأنها أصبحت “زيتية الملمس”، بما يشير إلى ارتفاع نسب الملوثات الزيتية، مؤكدًا أن ذلك تسبب في نفوق زريعة الأسماك على امتداد المجرى المائي المتجه إلى مناطق البنجر وقرى مريوط.

أما أحمد زعرور، فأكد أن الحل يبدأ بإغلاق منافذ الصرف التي تلقي مخلفاتها في الترع، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع الحالي يهدد الأراضي الزراعية والمحاصيل بخسائر متزايدة.

صعيد متضرر

أما في صعيد مصر، فتظهر المشكلة في بعض المناطق من خلال تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى مجاري الري، ففي محافظة سوهاج، كشف أهالي قرية الدناقلة بمركز المنشأة، إلى جانب عدد من القرى المجاورة، تجدد أزمة التلوث بسبب تصريف مياه الصرف الصحي في إحدى الترع الزراعية.

وأكد الأهالي أن شبكة الصرف الصحي المنزلية تعمل بالفعل، بينما لم يبدأ تشغيل محطة المعالجة حتى الآن، ما أدى إلى تصريف المياه مباشرة في ترعة زراعية تمر بعدد كبير من القرى قبل أن تصل في نهاية مسارها إلى نهر النيل.

وأشاروا إلى أن ما يقرب من 100 فدان داخل قرية الدناقلة وحدها تعتمد على هذه الترعة في الري، بخلاف آلاف الأفدنة الأخرى الواقعة على امتداد مسارها.

وفي نجع الدير التابع لقرية إدفا بمركز سوهاج، تسبب تسرب كبير لمياه الصرف الصحي من إحدى مزارع الصرف المؤجرة لمستثمرين في زراعة الأشجار الخشبية في غرق عدد من المنازل وحظائر الماشية، ما دفع الأهالي للاستغاثة.

ونقل محمود أحمد، 55 عامًا، أحد مزارعي نجع قاسم، معاناته اليومية مع مياه الري قائلًا: “بفتح المياه ألاقيها شايلة زبالة بلاستيك وأوساخ، وبنزل أشيلها بنفسي عشان أعرف أروي”، مشيرًا إلى تغير لون المياه وانبعاث روائح كريهة منها.

وأوضح رمضان السيد، 47 عامًا، أن تراكم القمامة داخل الترعة أدى إلى ضعف وصول المياه للأراضي الزراعية، مضيفًا: “بستنى بالساعات عشان المياه توصل، وأوقات مش بتكفي الأرض كلها”، وهو ما اضطره لاستخدام طلمبات رفع المياه وتحمل تكاليف إضافية.

وأكد أن بعض الأراضي لم تعد تنتج بالكفاءة السابقة بسبب نقص المياه وتراجع جودتها، ما أدى إلى زيادة الخسائر الزراعية.

تسرب مياه الصرف

وفي محافظة قنا، لم تتوقف آثار تسرب مياه الصرف عند حدود شكاوى الأهالي، بل دفعت السلطات المحلية إلى التدخل لفحص الوقائع المبلغ عنها.

فقد وجه اللواء الدكتور مصطفى الببلاوي، محافظ قنا، بفحص شكوى أهالي قرية الحاج سلام بمركز فرشوط، والمتعلقة بتضرر مساحات من الأراضي الزراعية نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي.

وقالت الكيميائية أماني صلاح، رئيس الإدارة العامة لشؤون البيئة بقنا، إن المعاينة كشفت أن سبب المشكلة يرجع إلى تسرب مياه الصرف الصحي المعالجة من الأحواض الواقعة داخل الغابة الشجرية بالمنطقة.

مخاوف غذائية

ومع تكرار هذه الوقائع في أكثر من محافظة، تتزايد المخاوف من تأثير تلوث مياه الري على سلامة الغذاء وصحة المواطنين.

وعلق المواطن أنس محمد على الأزمة قائلاً: “هذا يسبب السرطانات، والأكل الناتج عنه غير صالح للاستهلاك البشري والحيواني، ولا بد من إعدامه وفق الإرشادات العلمية والقانونية”.

وأضاف: “أنتم تلوثون المياه والتربة والبيئة بشكل عام، وتطعمون أنفسكم والناس والحيوانات غذاءً مضرًا يسبب أمراضًا كثيرة، ولا بد من إيجاد حل سواء بتدخل الحكومة أو بجهود ذاتية”.

وقال المواطن مصطفى صفوت: “قدمت عرضًا في هندسة عين شمس وتحدثت فيه عن أن مياه الصرف في المنشأة بسوهاج يتم إلقاؤها مباشرة في المصارف”.

رأي الخبراء

ولا تتوقف آثار الأزمة عند حدود الشكاوى والمخاوف الشعبية، إذ يحذر متخصصون من تداعيات بيئية وصحية قد تمتد لسنوات.

وقال الدكتور محمد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف بمركز بحوث الصحراء، إن مياه الصرف الصحي قد تمثل موردًا يمكن الاستفادة منه بعد المعالجة المناسبة، إلا أن استخدامها دون معالجة يمثل خطرًا كبيرًا على الصحة العامة والبيئة.

وأوضح أن تسرب هذه المياه إلى التربة يؤدي إلى انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية والترع والمجاري المائية، بما يخل بالتوازن البيئي ويزيد من احتمالات انتشار الأمراض.

وأضاف أن مياه الصرف تحتوي على مركبات صيدلانية ومنظفات معقدة يصعب التخلص منها، وقد تبقى في التربة لفترات طويلة وتتسبب في أضرار صحية وبيئية ممتدة.

وأشار إلى إمكانية توجيه المياه المعالجة لري الغابات الشجرية والأشجار الخشبية والمسطحات الخضراء، بدلًا من استخدامها في ري المحاصيل الغذائية، مع ضرورة تكثيف حملات التفتيش على الترع والمصارف.

شكاوى مستمرة

ورغم استمرار شكاوى المزارعين والأهالي بعدد من المحافظات، تزعم وزارة الري، أنها تُنفذ أعمال واسعة لتطهير وتأهيل الترع والمصارف.

فقد أعلنت الوزارة، في تقريرها السنوي الصادر خلال يناير 2026، الانتهاء من تطهير نحو 33 ألف كيلومتر من الترع من إجمالي 45 ألف كيلومتر.

وأوضحت أنها انتهت من تأهيل 69 كيلومترًا من الترع، فيما يستمر العمل على تأهيل 1645 كيلومترًا أخرى ضمن المشروع القومي لتأهيل الترع.

وأشار التقرير إلى الانتهاء من تطهير ونزع الحشائش من مصارف زراعية بأطوال بلغت 35 ألف كيلومتر، إلى جانب تنفيذ أعمال تجريف سنوية للمصارف بإجمالي 7.5 مليون متر مكعب.

عجز متفاقم

وتزداد أهمية الحفاظ على جودة المياه في ظل ما تواجهه مصر من تحديات مائية متزايدة.

إذ تُقدر حصة البلاد من مياه النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تعتمد الدولة على مياه النهر في نحو 97% من احتياجاتها المائية.

وكشف الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن مصر تعاني عجزًا مائيًا يقدر بنحو 54 مليار متر مكعب سنويًا، حيث تبلغ الاحتياجات المائية نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا مقابل موارد لا تتجاوز 60 مليار متر مكعب.

وأشار إلى أن نصيب الفرد من المياه تراجع من نحو ألفي متر مكعب سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى ما يقارب 500 متر مكعب فقط حاليًا.

وبين ندرة المياه من جهة، وتلوث جزء من الموارد المتاحة من جهة أخرى، تتزايد المخاوف من أن تتحول أزمة جودة المياه إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي المصري.

أضف تعليقك
شارك