مرضى يطرقون الباب، وعيادة تستقبل المترددين، وطبيب يكتب الوصفات.. ثم تأتي المفاجأة بعد سنوات: الشهادة مزورة، والصفة منتحلة، والطبيب المزعوم لا علاقة له بالمهنة.
لم تعد هذه المشاهد استثناءً نادراً، بل وقائع متكررة أعادت فتح ملف الأطباء المزيفين في مصر، وأثارت تساؤلات حول أسباب تأخر اكتشاف مثل هذه الحالات رغم خطورتها على حياة المرضى.
وفي أحدث هذه الوقائع، استيقظ المصريون الأربعاء 3 يونيو على نبأ صادم بإلقاء الأجهزة الأمنية القبض على طبيب القلب المعروف وليد مسعود الغنيمي، وذلك لتنفيذ حكم قضائي نهائي بالسجن لمدة 10 سنوات، حسب وسائل إعلام.
وتأتي عملية التوقيف بعد ثبوت تورطه في تزوير مؤهله الدراسي، وانتحال صفة رئيس قسم جراحات القلب بجامعة عين شمس، فضلاً عن تزوير 4 بطاقات رقم قومي.
وقائع كارثية
وأظهرت تحريات الأجهزة الأمنية مفاجأة صادمة، إذ تبين أن المتهم مفصول من كلية “الألسن”، ولا يمت لمهنة الطب بصلة. ورغم ذلك، نجح في فتح عيادة طبية بمنطقة “وسط البلد” بالقاهرة لممارسة المهنة بشكل وهمي.
الواقعة أثارت جدلاً ومخاوف واسعة لدى المواطنين والمرضى، ما دفع جامعة عين شمس لإصدار بيان أكدت خلاله أن المتهم لا تربطه أي صلة –حالية أو سابقة– بهيئة التدريس أو العمل الأكاديمي والطبي داخل المستشفيات الجامعية.
وشددت على تعاملها الصارم مع أي محاولات لاستغلال اسمها أو تزوير محرراتها الرسمية، ومؤكدة اتخاذها كافة الإجراءات القانونية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
بدوره، وصف أيمن سالم، أمين صندوق نقابة الأطباء، الواقعة بالكارثية.
كما تساءل عن كيفية ممارسة هذا الشخص للمهنة خلال فترة طويلة دون أن تكتشفه الجهات الرقابية، مؤكداً أن الواقعة تثير تساؤلات حول كيفية تجاوزه للقواعد المعمول بها.
وأعادت تلك الواقعة للأذهان تكرار قضية انتحال صفة الطبيب، وامتداد تأثير ذلك على المرضى، ودور الأجهزة الرقابية.
تزييف متكرر والنتيجة وفاة
ورصدت “أحوال مصرية” 6 وقائع انتحال صفة طبيب منذ 2023، وهي الوقائع التي حظيت بتغطية إعلامية.
فعلى سبيل المثال، أعلنت مديرية الصحة بالبحيرة في يناير الماضي، قيام حملة من إدارة العلاج الحر بضبط 3 أشخاص بتهمة انتحال صفة طبيب.
وقررت تشكيل لجنة فنية وإدارية مكبرة لفحص ومراجعة كافة الأعمال الإدارية والطبية بوحدة طب الأسرة بقرية “جزيرة نكلا” على خلفية ضبط “منتحل صفة طبيب” ظل يعمل بدلاً من شقيقه التوأم لمدة عامين.
وعن مدى خطورة تلك الوقائع، يشار إلى أن إحداها تسببت في وفاة شابة تبين أنها حفيدة كمال الدين حسين، رئيس وزراء مصر الأسبق.
وقضت محكمة جنايات القاهرة بمعاقبة الطبيب المزيف في الواقعة بالسجن المشدد 7 سنوات.
وهو صاحب مركز تجميل بمنطقة التجمع الخامس شرق القاهرة، بعدما حقن شابة بمادة فيلر أثناء خضوعها لعملية تجميل استعداداً لحفل زفافها، ما أدى إلى إصابتها بجلطة في الشريان الرئوي تسببت في وفاتها.
وكشفت تحقيقات الأجهزة الأمنية أن المتهم ليس طبيباً، بل صيدلياً، ويقوم بحقن الفيلر والبوتوكس دون ترخيص، كما كشفت التحقيقات أن العيادة غير مرخصة، وتستخدم مواد مجهولة المصدر.
وفي أغسطس 2023، ألقى الأمن القبض على طبيب نساء مزيف، أجرى عمليات ولادة في الشرقية والإسكندرية بمبالغ مالية بسيطة، لا تتجاوز 2000 جنيه للعملية الواحدة.
مطالب تشديد الرقابة
وأثارت تلك الواقعة غضباً واسعاً في الأوساط الطبية ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط مطالب بتشديد الرقابة على مراكز التجميل غير المرخصة وضبط معايير الأمان الطبي داخلها.
الإعلامي محمد علي خير عبر عن استنكاره الشديد لغياب رقابة الأجهزة المعنية ووزارة الصحة وتسائل عن دور نقابة الأطباء.
وقال: “أن تنتحل صفة طبيب.. مش جديدة.. حصلت قبل كدة.. انما تبقي جراح قلب ومشهور وتعمل عمليات وفاتح عيادة في قلب العاصمة، دي بقي الناهية أو الفجورة.. أي حد يرد علينا.. وكم في مصر من المضحكات!!”.
فيما اعتبر الدكتور جمال شعبان، عميد معهد القلب الأسبق، أن ممارسة خريج ألسن تخصص جراحة القلب وهو أعقد فروع الطب، بالزور والبهتان “من علامات آخر الزمان”.
لكن رغم ذلك، ألمح شعبان إلى أن منتحل صفة الجراح قد لا يكون أجرى عمليات القلب شخصيا، لافتا إلى أن ” مجتمع جراحة القلب مغلق جدا، والجراحون عارفين بعض عن قرب، ومن الصعب على أعتى النصابين مجرد المرور أمام غرفة جراحة القلب المفتوح”.
ودعا أي حالة خضعت للتعامل على يد الطبيب المزيف أن “تظهر للرأي العام وتحكي تجربتها بالتفاصيل”.
من حالات فردية إلى ظاهرة
وعلق ناجي عباس عبر صفحته على “فيسبوك” منتقدا غياب الرقابة: “في السنوات الأخيرة تكررت في مصر ظاهرة الطبيب والجراح النصاب الذي يعمل لسنوات دون ان يكتشفه أحد، وجراح القلب الحاصل على ليسانس من كلية الألسن لن يكون الأخير”.
وكتب: “السيستم خربان وأجهزة الرقابة مشغولة بأمن النظام فقط ودليلي على ذلك ان سلسلة فضائح الأطباء المزورين بشهادات مزيفة مستمرة، وما اُكتشف بالأمس ليس مفاجأة ولا صدفة، بل هو مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من غياب الرقابة وتآكل المنظومة الخربة التي نخرها السوس”.
بينما عزا الصحفي علاء والي حدوث الأخطاء الطبية طول السنوات الماضية، إلى قضية التزييف.
وكتب عبر صفحته على “فيسبوك” تعليقا على ضبط طبيب الجراحة: “اتفصل من كلية الألسن وبعدها قرر يبقى طبيب وزوّر مؤهل وماجستير ودكتوراه، ليتضح للجميع ليه بيحصل أخطاء طبية وناس بتموت في ظروف غامضة بإهمال أطباء”.
ولفت والي إلى أن تحول قضية تزوير المؤهلات إلى ظاهرة في كل أنحاء مصر وفى كل القطاعات. ودعا أجهزة الدولة لفتح ملف تزوير المؤهلات، بدعوى وجود “مزورين كتير في كل القطاعات”.
تكرار وقائع انتحال صفة الطبيب في مصر لم يعد مجرد حوادث فردية، بل تحوّل إلى ظاهرة تكشف عن ثغرات خطيرة في المنظومة الرقابية والتعليمية، ليجد المواطن نفسه أمام خطر مباشر يهدد حياته وصحته.