من جديد، تعود المحلة الكبرى إلى واجهة التمرد، لكن هذه المرة ليس بإضرابات عمالية، بل بمعركة تدور حول الأرض.. فمع تصاعد أنباء بيع وتخصيص مساحات من الأراضي المملوكة لشركة مصر للغزل والنسيج، بدأ الغضب الشعبي يتشكل في المدينة، مدفوعًا بمخاوف من خسارة ما يعتبره الأهالي جزءًا من تاريخهم وحقوقهم.
وقبل أيام، أعلن عدد من أبناء المدينة تشكيل “اللجنة الشعبية للدفاع عن أرض المحلة الكبرى”، في خطوة تعكس حجم القلق المتزايد تجاه مصير الأراضي التابعة للشركة، والتي تمتد على مساحات واسعة داخل المدينة.
وأكدت اللجنة، في بيانها الأول الذي نشره النائب أحمد بلال البرلسي، تمسكها الكامل بحقوق أبناء المحلة في الحفاظ على أراضيهم ومقدراتهم العامة، ورفض أي إجراءات أو قرارات قد تؤدي إلى التفريط فيها دون شفافية أو مشاركة مجتمعية.
ودعت، الجهات المعنية إلى إتاحة المعلومات للرأي العام بشأن هذه الأراضي، والاستماع إلى مطالب المواطنين، بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على حقوق الأجيال الحالية والقادمة. كما أكدت أن أراضي المحلة تمثل ملكية عامة لا يجوز التصرف فيها على نحو ينتقص من حقوق أبناء المدينة.
ورأت اللجنة أن تحقيق عوائد اقتصادية من هذه الأراضي لا يستلزم بيعها، بل يمكن أن يتم عبر صيغ قانونية تضمن الحفاظ على الملكية العامة، وفي مقدمتها نظام حق الانتفاع.
وطالبت بفتح حوار مجتمعي مسؤول حول أفضل السبل لاستثمارها دون التفريط فيها.
كما أعلنت خلال اجتماعها الأول، تفعيل الأدوات الرقابية عبر مجلس النواب، وتشكيل لجنة قانونية تضم 10 محامين لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على أراضي وأملاك المحلة.
غضب شعبي واسع
لم يقتصر الأمر على تشكيل اللجنة، إذ سرعان ما حظيت تحركاتها بتفاعل واسع بين أبناء المدينة الذين أطلقوا وسم “أرض الشركة خط أحمر”، في إشارة إلى رفضهم المساس بالأراضي والمرافق التابعة لشركة الغزل والنسيج.
ويأتي هذا التحرك في ظل غموض يحيط بمصير الأراضي التابعة للشركة، وعلى رأسها منطقة “المستعمرة”، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور جدل واسع بين السكان والحكومة.
في أبريل الماضي، تقدم النائب أحمد بلال البرلسي بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء قطاع الأعمال العام والتنمية المحلية والإسكان، بشأن ما تردد عن وجود نية لبيع أو تخصيص أراضٍ مملوكة لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.
وأوضح النائب أن المدينة تعيش حالة من الغضب والقلق نتيجة غياب الشفافية بشأن مصير تلك الأراضي، في وقت تواجه فيه المحلة أزمة إسكان حادة بعد أكثر من 15 عامًا دون إنشاء مشروعات إسكان حقيقية، ما تسبب في ارتفاع كبير بأسعار الإيجارات والوحدات السكنية.
استبدال إسكان الغلابة بـ”كومباوند”
وانتقد البرلسي ما تردد حول تخصيص أرض “المستعمرة” لإحدى الشركات الخاصة لإقامة مشروع إسكان استثماري، معتبرًا أن ذلك يتعارض مع قرار رئيس الجمهورية رقم 578 لسنة 2022، الذي سبق أن خصص الأرض لمشروع “سكن لكل المصريين”.
كما حذر من المساس بالمرافق الخدمية والطبية والرياضية التابعة لشركة غزل المحلة، باعتبارها المتنفس الرئيسي لمدينة عمالية يزيد عدد سكانها على مئات الآلاف.
وأشار إلى أن لجنة الصناعة بمجلس النواب أوصت بضرورة الالتزام بقرار تخصيص الأرض لصالح الإسكان الاجتماعي، إلى جانب طرح أراضي المرافق العامة التابعة للشركة عبر مزايدات عامة لضمان الشفافية وتحقيق أفضل عائد للدولة.
تاريخ من عرق العمال
بالنسبة لأهالي المحلة، لا تمثل “المستعمرة” مجرد قطعة أرض قابلة للبيع أو التطوير، بل جزءًا من ذاكرة المدينة وتاريخها العمالي.
وتعود جذور المنطقة إلى النصف الأول من القرن العشرين، حين أُنشئت على مساحة 69 فدانًا لتوفير مساكن للعاملين بقطاع الغزل والنسيج. وبدأت نواتها الأولى عام 1941 لإيواء المتضررين من الحرب العالمية الثانية، قبل أن تخصص عام 1945 لعمال الشركة.
وخلال العقود التالية، تحولت المستعمرة إلى مجتمع سكني متكامل يضم وحدات سكنية ومدارس ومساجد وحدائق ومرافق خدمية مختلفة، فيما انتقلت ملكية المباني رسميًا إلى الشركة عام 1976 بعد سداد قيمتها من حصص أرباح العمال.
لكن هذه المنطقة التاريخية أصبحت خلال السنوات الأخيرة محور نزاع طويل بين السكان والشركة.
“إحنا مش شايفين تطوير.. إحنا شايفين دهان من بره وخراب من جوه”، بهذه الكلمات تصف نها المنيسي، إحدى سكان المستعمرة، ما تعتبره سنوات من القلق وعدم اليقين عاشتها عشرات الأسر التي ما زالت متمسكة بالبقاء في المنطقة.
وبينما قبلت نحو 685 أسرة مغادرة مساكنها مقابل تعويضات مالية، ما زالت عشرات الأسر الأخرى ترفض الرحيل، معتبرة أن التعويضات لا تعوض خسارة مجتمع كامل تشكل على مدار عقود.
وتفاقمت الأزمة مع مطالبة الشركة بعض العمال بإخلاء الوحدات السكنية عقب بلوغهم سن المعاش، رغم وجود أحكام قضائية صدرت منذ عام 1996 تقضي بعدم طردهم إلا بعد توفير بديل سكني مناسب، فضلاً عن أحقية الورثة في الانتفاع بالوحدات بعد وفاة أصحابها.
ورغم ذلك، دخل عدد من السكان في نزاعات قضائية انتهت في بعض الحالات بأحكام مالية ضخمة وملاحقات قانونية بسبب عدم سداد مبالغ اعتبرتها الشركة مقابل الانتفاع بالوحدات.
وفي نوفمبر 2022، كان النائب البرلسي تقدم بطلب إحاطة آخر اتهم فيه محافظة الغربية بتنفيذ أعمال هدم داخل المستعمرة بهدف الضغط على السكان لإخلاء مساكنهم وقبول التعويضات المالية بدلًا من الحصول على وحدات بديلة.
من المحلة إلى ماسبيرو والوراق
المخاوف التي تسود المحلة اليوم ليست معزولة عن تجارب مشابهة شهدتها مناطق أخرى في مصر خلال السنوات الماضية.
ففي مثلث ماسبيرو بوسط القاهرة، واجه السكان عمليات إخلاء واسعة ضمن مشروع لإعادة تطوير المنطقة، بينما رفع الأهالي آنذاك شعار “لسنا ضد التطوير.. لكن ضد التهجير”.
أما جزيرة الوراق، التي يعيش فيها نحو 120 ألف نسمة، فما تزال تشهد حالة من التوتر المتكرر على خلفية خطط حكومية لتحويل الجزيرة إلى منطقة استثمارية وعمرانية جديدة، وسط تمسك عدد من السكان بالبقاء في أراضيهم ورفضهم مغادرتها.
وبين هذه التجارب المختلفة، يخشى كثير من أبناء المحلة أن يتحول الحديث عن التطوير والاستثمار إلى بوابة لفقدان أراضٍ ومرافق ارتبطت بتاريخ المدينة وهويتها العمالية لعقود طويلة.