“تحويشة العمر” طارت.. المصريون ينفقون مدخرات الأمس على غلاء اليوم

لم تعد “تحويشة العمر” تنتظر لشراء شقة أو تأمين الشيخوخة أو تعليم الأبناء، بل باتت تستهلك تدريجيًا في مواجهة فاتورة الحياة المتصاعدة.. وبين كسر شهادات ادخارية وبيع الذهب، وتراكم الأقساط، تكشف الأرقام الرسمية عن أكبر تراجع في معدلات الادخار المحلية خلال سنوات.

وخلف الأرقام حكايات لأسر لم تعد تخطط للمستقبل بقدر ما تحاول عبور الحاضر بأقل الخسائر الممكنة.. فمن وثائق ادخارية أُغلقت قبل موعدها، إلى أقساط تلتهم الرواتب، وصولًا إلى ذهب بيع لتدبير النفقات الأساسية، تتكشف ملامح أزمة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية إلى تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.

التعويم بداية تبديد المستقبل

تروي سما حماد كيف تبدلت علاقتها بالادخار على مدار أكثر من عقد. فخلال عملها بأحد البنوك الأجنبية عام 2014، اشتركت في برنامج ادخاري طويل الأجل كان يفترض أن يكون بمثابة أمان مالي عند بلوغ سن التقاعد، عبر أقساط شهرية وسنوية تضمن لها مبلغًا ثابتًا في المستقبل.

في ذلك الوقت، كانت الخطة تبدو منطقية ومطمئنة، لكن السنوات التالية حملت معها تغيرات اقتصادية عميقة أعادت تشكيل قيمة المدخرات ومعناها.

ومع تحرير سعر الصرف وموجات التضخم المتلاحقة، اكتشفت سما أن المبلغ الذي كان من المفترض أن تحصل عليه بعد أكثر من 30 عامًا لم يعد كافيًا حتى لشراء شقة في الوقت الحالي.

واضطرت عام 2018 مع ارتفاع تكاليف التعليم والعلاج والاحتياجات الأساسية، إلى كسر الوثيقة واسترداد مدخراتها رغم خسارة جزء منها.

وتقول إنها كانت قبل عام 2016 تدخر مع زوجها نحو 5 آلاف جنيه شهريًا، وهو مبلغ كان يعادل آنذاك أكثر من 400 دولار، بينما أصبح ادخار المبلغ نفسه اليوم شبه مستحيل رغم ارتفاع دخلهما عدة مرات، بسبب الزيادات المتواصلة في الأسعار.

بالنسبة لسما، لم يكن كسر الوثيقة مجرد قرار مالي، بل إعلانًا غير مباشر عن نهاية مرحلة كان فيها الادخار جزءًا طبيعيًا من إدارة الحياة، وبداية مرحلة أصبح فيها الحفاظ على مستوى المعيشة هو التحدي الأكبر.

حياة بالتقسيط

إذا كانت سما قد لجأت إلى مدخراتها، فإن عامر بركات وجد نفسه يلجأ إلى المستقبل نفسه عبر الاستدانة منه.

لم يكن عامر يتصور أن تعليم أبنائه سيقوده إلى دوامة من الأقساط الشهرية. فقبل 3 أعوام اضطر إلى الاستعانة بإحدى شركات التمويل الاستهلاكي لسداد مصروفات طفليه الدراسية بعد الزيادات الكبيرة التي طرأت على الرسوم المدرسية ومصاريف النقل.

يقول إن تلك الخطوة كانت بداية اعتماده على التمويل الاستهلاكي، إذ أصبح يتعامل حاليًا مع 3 شركات مختلفة، ويخصص ما يزيد على 8 آلاف جنيه شهريًا لسداد الأقساط.

ويضيف أن راتبه كان يسمح له بالادخار قبل سنوات، لكن الارتفاعات المتتالية في الأسعار التهمت أي زيادة يحصل عليها، حتى أصبح العمل الإضافي وتقليص النفقات غير كافيين لتحقيق أي فائض مالي.

وفي النهاية اضطر عامر إلى نقل أبنائه من المدارس الخاصة إلى المدارس التجريبية، في محاولة لتخفيف الأعباء الشهرية.

ويقول: “كلما زاد الدخل زادت الأسعار بوتيرة أسرع، فأصبحنا نعمل أكثر ونوفر أقل”.

بيع الذهب لتغطية النفقات

أما شيماء سامح، فلا تعرف شيئًا عن فجوة الادخار أو مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكنها تعرف جيدًا معنى أن تبيع آخر قطعة ذهب تمتلكها لتوفير مستلزمات رمضان وملابس العيد لأبنائها الأربعة.

فبعد سفر زوجها للعمل بإحدى دول الخليج، وجدت نفسها أمام أعباء متزايدة، بينما يذهب جزء كبير من دخله الشهري لسداد الديون التي ترتبت على تكاليف السفر والحصول على فرصة العمل.

وتقول إنها اضطرت إلى تقليص نفقات الأسرة إلى الحد الأدنى، فأصبحت الفاكهة من الكماليات النادرة داخل المنزل، بينما حلت الأطعمة الأرخص محل كثير من الوجبات المعتادة، كما ألغت اشتراك الحافلة المدرسية لأبنائها لتوفير المزيد من النفقات.

وتوضح أن الذهب الذي كانت تحتفظ به لسنوات باعتباره “سندًا وقت الشدة” لم يعد موجودًا، بعدما تحول هو الآخر إلى وسيلة لتغطية احتياجات الحاضر.

تراجع الادخار 80%

ما عاشته سما وعامر وشيماء لم تعد مجرد قصص فردية، بل أصبح ظاهرة تعكسها المؤشرات الاقتصادية الرسمية.

فبحسب بيانات وزارة التخطيط ومعهد التخطيط القومي، تراجع معدل الادخار المحلي خلال العام المالي 2024-2025 إلى 1.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 6.1% في العام السابق، بما يعني أن معدل الادخار فقد نحو 80% من مستواه خلال عام واحد فقط.

كما هبط إجمالي المدخرات المحلية إلى 218 مليار جنيه، مقارنة بـ848 مليار جنيه في العام المالي السابق.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن هذه المستويات تعد من بين الأدنى تاريخيًا، خاصة أن الاقتصادات الناشئة تحتاج عادة إلى معدلات ادخار تتراوح بين 20 و30% من الناتج المحلي لدعم الاستثمار وتحقيق النمو المستدام.

ووفقًا لموجز سياسات صادر عن معهد التخطيط القومي في أبريل 2026، فإن اتساع فجوة الادخار في مصر يرتبط بارتفاع معدلات التضخم وتآكل الدخول الحقيقية، إلى جانب ضعف مساهمة القطاع الإنتاجي في توليد فوائض ادخارية.

الادخار رفاهية عصيّة

يرى الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن انخفاض الادخار في مصر لا يعكس غياب الوعي المالي أو ضعف التخطيط للمستقبل، بقدر ما يعكس تجاوز تكاليف المعيشة لقدرة الأسر على التحمل.

ويقول إن شريحة واسعة من المواطنين لم يعد لديها ما تدخره من الأساس، موضحًا أن تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل استمرار ارتفاعها بمعدلات أقل، بينما تظل الآثار المتراكمة لموجات الغلاء السابقة قائمة.

ويضيف أن الادخار تحول بالنسبة لكثير من الأسر من سلوك اقتصادي طبيعي إلى رفاهية لم تعد متاحة، في ظل انشغال قطاعات واسعة بمحاولة تدبير نفقات الشهر.

وتشير بيانات معهد التخطيط القومي إلى أن الادخار المحلي كان يساهم بنحو 80% من الاستثمارات قبل عام 2011، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى أدنى مستوياته خلال العام المالي 2024-2025، ما أدى إلى اتساع فجوة الادخار والاستثمار.

الاستهلاك يزاحم الادخار

من جانبه، يرى الخبير المصرفي وليد ناجي أن التوسع المتسارع في التمويل الاستهلاكي يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة.

ويقول إن العلاقة بين الادخار والاستهلاك علاقة عكسية بطبيعتها، فكلما ارتفع الإنفاق تراجعت القدرة على الادخار. لكن الأزمة الحالية أن جانبًا كبيرًا من الإنفاق لم يعد يذهب إلى الكماليات، وإنما إلى احتياجات أساسية ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة.

ويشير إلى أن الزيادات الحادة التي شهدتها أسعار الهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية والسلع المعمرة دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى اللجوء للتقسيط وشركات التمويل الاستهلاكي.

ويؤكد أن الضغوط التضخمية وتراجع القوة الشرائية استنزفا الفوائض المالية لدى الأسر، ما انعكس مباشرة على قدرتها على الادخار داخل البنوك.

هروب من الجنيه إلى الذهب

لكن الخبير الاقتصادي مدحت نافع يرى أن التضخم ليس العامل الوحيد وراء تراجع الادخار، إذ فقد كثير من المواطنين الثقة في جدوى الاحتفاظ بمدخراتهم بالجنيه في ظل تراجع قيمته وارتفاع أسعار الذهب والدولار.

ويقول إن الذهب أصبح بالنسبة لقطاع واسع من المصريين وسيلة للحفاظ على القيمة أكثر منه أداة استثمارية، بينما اتجه آخرون إلى صناديق الاستثمار وأدوات سوق المال بحثًا عن عوائد تحمي مدخراتهم من التآكل.

ويضيف أن انتشار ظاهرة “المستريح” يعكس وجود مدخرات لدى المواطنين، لكنها لا تتجه بالضرورة إلى القنوات المصرفية التقليدية، بل تبحث عن بدائل تحقق عوائد أعلى أو توفر حماية أكبر من فقدان القيمة.

قد تبدو معدلات الادخار أرقامًا مجردة في تقارير المؤسسات الاقتصادية، لكنها في الواقع تعبر عن قصص يومية لملايين الأسر التي تستهلك مدخرات الأمس لمواجهة أعباء اليوم.

وبينما تتراجع قدرة المصريين على الادخار عامًا بعد آخر، لا تختفي الأموال من الحسابات البنكية فقط، بل تتآكل معها قدرة ملايين الأسر على الاطمئنان إلى المستقبل، بعدما تحولت مدخرات سنوات طويلة من العمل والشقاء إلى وسيلة للبقاء في الحاضر.

أضف تعليقك
شارك