السياحة.. انتعاش كاذب في “بيانات الحكومة” والعمالة تواجه التسريح

أمام الكاميرا، كان عامل في قطاع السياحة يحاول ترتيب كلماته بصعوبة، وهو يروي كيف انتهت سنوات عمله الطويلة دون مقدمات واضحة.
لم يكن المشهد مجرد بث مباشر عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل لحظة بدت فيها سنوات من الخبرة والعمل وكأنها تُختصر في دقائق من الارتباك والغضب وعدم التصديق. ففي الوقت الذي تتباهى فيه الحكومة بأرقام قياسية للسياحة وإيرادات غير مسبوقة، يواجه آلاف العاملين في القطاع شبح التسريح وتدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي.
في البث، تحدث العامل في شركة “ترافكو” عن نهاية مفاجئة لمساره المهني بعد 16 عامًا من العمل داخل الشركة، بينما كان زملاؤه الذين قضوا سنوات طويلة مماثلة يتلقون في الوقت نفسه إشعارات بإخلاء السكن الوظيفي.
لم تفتح الواقعة باب التعاطف مع حالة فردية فقط، بل أعادت طرح سؤال أوسع حول طبيعة العمل داخل قطاع السياحة في مصر، وما إذا كانت الطفرة التي يشهدها القطاع تنعكس فعلًا على أوضاع العاملين الذين يقفون خلف نجاحه.

ترافكو.. نموذج لأزمة أكبر

وفقًا لبيان صادر عن دار الخدمات النقابية والعمالية، بدأت أزمة “ترافكو” بعد استحواذ الشركة على فندق “لابراندا رويال”، حيث تعرض العاملون، خصوصًا في قسم الأمن، لضغوط متواصلة بدعوى عدم الحاجة إلى استمرار العمالة القائمة بعد امتلاك الشركة لخدمة أمن خاصة.
وأشار البيان إلى أن أكثر من 600 عامل وعاملة تعرضوا لإنهاء الخدمة أو لممارسات دفعتهم إلى مغادرة العمل، في واحدة من أكبر عمليات الاستغناء عن العمالة التي شهدها القطاع خلال الفترة الأخيرة.
لكن ما حدث داخل “ترافكو” لا يبدو استثناءً بالنسبة لكثير من العاملين بالسياحة، بل يعكس نمطًا متكررًا من الشكاوى المرتبطة بعدم الاستقرار الوظيفي وسهولة الاستغناء عن العمالة، حتى في أوقات الرواج الاقتصادي.

عقود مؤقتة وأمان غائب

تُعد السياحة من أكثر القطاعات حساسية تجاه المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية. وخلال العقد الأخير تعرضت لسلسلة من الأزمات المتلاحقة، بداية من تداعيات ثورة يناير، مرورًا بالاضطرابات السياسية وحادث الطائرة الروسية، وصولًا إلى جائحة كورونا التي تسببت في تراجع أعداد السائحين الوافدين بنحو 60% وانخفاض الإيرادات بنسبة قاربت 66%.
هذه الطبيعة المتقلبة دفعت العديد من الشركات إلى تبني أنماط تشغيل تمنحها مرونة واسعة في الاستغناء عن العمالة عند أول أزمة، عبر العقود محددة المدة أو إجبار العاملين على توقيع استقالات مسبقة أو تشغيل بعضهم دون عقود رسمية.
ويؤكد أحمد عمار، الذي عمل سائقًا بإحدى الشركات السياحية، أنه فقد وظيفته رغم تجاوزه أزمة كورونا، بعدما استعانت الشركة لاحقًا بشركات توريد عمالة، بما يسمح لها بالاستفادة من العمال دون تحمل التزامات مباشرة تجاههم.
ويقول إن هذه الآليات أصبحت شائعة في بعض الشركات، حيث يمكن الاستغناء عن العامل بسهولة أكبر مع تقليص الالتزامات القانونية والمالية المترتبة على صاحب العمل.

سنوات الخبرة تذهب هباءً

“عملت في السياحة 20 عامًا وأعرف متى يكون السوق في أزمة، لكن هذه المرة لم يكن هناك أي مبرر”. بهذه الكلمات يصف عبد القادر بدران، العامل بأحد فنادق مرسى علم، لحظة إبلاغه بالاستغناء عنه في أبريل الماضي.
تنقل عبد القادر، ابن محافظة قنا، بين وظائف عديدة داخل الفنادق، وعاصر أزمات كبرى مرت بها السياحة المصرية، من تداعيات ثورة يناير إلى جائحة كورونا. ورغم اعتياده على تقلبات القطاع، فإن قرار تسريحه الأخير جاء في وقت يشهد انتعاشًا ملحوظًا.
ويقول إن إدارات بعض الفنادق تلجأ إلى استبدال العمالة الأقدم والأعلى أجرًا بعمالة أصغر سنًا وأقل تكلفة، مشيرًا إلى أن غالبية العاملين يفتقرون إلى عقود مستقرة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان الوظيفي.
ولا تقتصر المعاناة على خطر الفصل فقط، إذ تمتد إلى ظروف العمل نفسها. فبحسب عبد القادر، تصل ساعات العمل في بعض المواسم إلى ما يقرب من 18 ساعة يوميًا، ما يؤدي إلى انتشار أمراض مهنية مثل دوالي الساق والانزلاق الغضروفي بين العاملين.
ويختصر حسن عبد السلام، البالغ من العمر 55 عامًا، جانبًا آخر من الأزمة. فبعد أكثر من ربع قرن قضاها بين فنادق الغردقة، فوجئ بعدم تجديد عقده.
ويقول إن إدارة الفندق فضلت الاستغناء عن العاملين الأكبر سنًا بسبب ارتفاع رواتبهم الناتج عن سنوات الخبرة والأقدمية، واستبدالهم بعمال أصغر سنًا يمكن تكليفهم بمهام أكثر مقابل أجور أقل.
ولم تكن المشكلة بالنسبة إليه في فقدان الوظيفة فقط، بل في صعوبة العثور على فرصة جديدة تناسب سنه، ما اضطره في النهاية إلى العمل بأحد المطاعم دون عقد أو تأمينات اجتماعية.

انتهاكات رغم تسهيلات للقطاع

وثقت دار الخدمات النقابية والعمالية عشرات الانتهاكات التي تعرض لها العاملون خلال أزمة كورونا، شملت التسريح الجماعي، والإجبار على إجازات طويلة دون أجر، أو خصم الإجازات من أرصدة العاملين، رغم التسهيلات والدعم الذي حصل عليه القطاع خلال تلك الفترة.
ويرى كمال عباس، منسق دار الخدمات النقابية والعمالية، أن أزمة عمال السياحة ليست معزولة عن أوضاع العاملين في القطاع الخاص بشكل عام، حيث يظل الأمان الوظيفي الحلقة الأضعف.
ويشير عباس إلى أن قانون العمل الجديد، رغم وضعه قيودًا على الفصل التعسفي، منح أصحاب الأعمال مساحة واسعة لإنهاء علاقة العمل عبر العقود محددة المدة، معتبرًا أن النصوص الحالية تساوي بين العامل وصاحب العمل رغم الفارق الكبير في القوة التفاوضية بين الطرفين.
ويضيف أن هذه البيئة القانونية تسمح بالتخلص من العمال الأكبر سنًا والأعلى أجرًا واستبدالهم بعمالة أصغر سنًا وأقل تكلفة، وهو ما يفسر تكرار حالات الاستغناء عن أصحاب الخبرات الطويلة داخل الفنادق والشركات السياحية.
في المقابل، تؤكد التصريحات الرسمية أن القطاع السياحي يعيش واحدة من أفضل فتراته. فبحسب رئيس النقابة العامة للعاملين بالسياحة والفنادق، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، مع خطط حكومية تستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030.
وتعكس هذه الأرقام نموًا ملحوظًا في القطاع الذي تراهن عليه الدولة باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، إلا أن شهادات العاملين والحقوقيين تشير إلى أن ثمار هذا النمو لا تصل بالقدر نفسه إلى العمال الذين يشاركون في صناعة هذه الإيرادات.
وبينما تسجل السياحة المصرية أرقامًا قياسية وتتوسع الخطط الحكومية لجذب مزيد من السائحين، يبقى كثير من العاملين خارج دائرة الاستفادة، يواجهون التسريح وتدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي في قطاع يفترض أنهم أحد أبرز صناع نجاحه.

أضف تعليقك
شارك