امبراطورية “مستقبل مصر” تتوسع من التموين للتعليم.. لا رقابة ولا منافسة

من القمح والزيوت إلى منافذ التموين والتعليم الفني، تتغول يد “جهاز مستقبل مصر التابع للقوات المسلحة” يوما بعد الآخر على ملفات اقتصادية وخدمية.. فتوسع دوره خلال سنوات قليلة ليثير مخاوف وتساؤلات حول حدود هذا التمدد وتأثيره على المنافسة والرقابة.
مذكرة تفاهم، هي أحدث حلقات توسع الجهاز، جرى توقيعها مطلع يونيو الجاري، بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، لتطوير منافذ مشروع “جمعيتي” وبدالي التموين تحت مظلة العلامة التجارية “كاري أون”.
وبموجب الاتفاق، يتولى جهاز تنمية المشروعات إتاحة حزمة من الخدمات التمويلية والفنية لأصحاب المنافذ القائمة والمستحدثة، لتطبيق نظام الامتياز التجاري (الفرانشايز)، أي منح أصحاب المنافذ الحق في استخدام العلامة التجارية “كاري أون” مقابل عائد مالي، مع تقديم حوافز ضريبية وائتمانية وتسويقية لدعم مشروع توحيد الهوية البصرية.
وتستهدف الخطة شبكة ضخمة تضم نحو 30 ألف بدال تمويني و8500 منفذ من مشروع “جمعيتي” وأكثر من ألف مجمع استهلاكي، في خطوة توسع حضور جهاز “مستقبل مصر” داخل واحدة من أكبر شبكات توزيع السلع والدعم في البلاد.

مخاوف التجار من فرض النموذج

لكن رغم وعود وزارة التموين بتقديم حوافز ائتمانية، برزت فجوة واضحة بين هذه الخطط الطموحة وبين الحسابات اليومية المعقدة للتجار الصغار على الأرض؛ حيث لم يتلقَّ أصحاب المنافذ أي إخطار رسمي بآليات التحول أو مصادر تمويله، فيما لا تتجاوز هوامش أرباحهم الحالية 25 قرشًا للعبوة الواحدة، وسط انتقادات حادة لفرض هذا النموذج.
وبحسب تصريحات ماجد نادي، نقيب بقالي التموين، فإن فروع مشروع “جمعيتي” والمنافذ التموينية لم تتلقَّ أي مخاطبات أو منشورات رسمية توضح آليات التحول إلى العلامة التجارية “كاري أون”، أو ما إذا كان الانضمام إلى المنظومة الجديدة سيكون إلزاميًا أم اختياريًا.
وأبدى نادي تحفظات تتعلق باشتراطات المساحة المقترحة للفروع، والتي لا تقل عن “30 مترًا مربعًا”، مشيرًا إلى أنها لا تتوفر في عدد كبير من متاجر البقالة القائمة، مما قد يضطر التجار لاستئجار مقار جديدة على نفقتهم دون ضمانات كافية لتجديد عقود الإيجار من جانب الملاك.
وتتطابق هذه المخاوف مع شهادات ميدانية للمتعاملين مع المنظومة؛ حيث تذكر منى السيد، التي تدير مع زوجها أحد فروع “جمعيتي” في كفر الشيخ، أن مشروع “جمعيتي” بالكاد يغطي تكاليفه التشغيلية وضرائبه وتأميناته في ظل هامش ربح محدود للغاية لا يتجاوز 25 قرشًا للعبوة الواحدة.
وأوضحت أن التاجر يتحمل كامل خسائر الهالك أو التلف في السلع، فضلًا عن النفقات التشغيلية من إيجارات وكهرباء وورق تشغيل وأكياس.
وتضيف منى: “نحن وكثير من أصحاب الفروع ما زلنا نسدد القروض التي حصلنا عليها، لدفع قيمة التأمين والبضاعة، ما يجعل فكرة الحصول على قروض جديدة للتطوير بمثابة أزمة”.

شراكة تعليمية بصبغة السيطرة

في الموازاة، اتجه “مستقبل مصر التابع للقوات المسلحة” إلى قطاع التعليم الفني. ففي الأشهر الأخيرة عقد المدير التنفيذي للجهاز اجتماعات مع وزارة التربية والتعليم لبحث تطوير التعليم الزراعي والفني.
كما جرى الإعلان عن شراكات مع أكاديمية ITS Agro الإيطالية لتطبيق نموذج مدارس التكنولوجيا التطبيقية الزراعية، بما يربط التدريب الفني مباشرة بالقطاعات الإنتاجية المرتبطة بمشروعات الجهاز.
ولم يكن الدخول إلى ملفي التموين والتعليم سوى حلقة جديدة في مسار توسع بدأ قبل سنوات من بوابة الزراعة. فالجهاز الذي أُنشئ بقرار جمهوري عام 2022 تولى الإشراف على عدد من أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي في البلاد، وعلى رأسها الدلتا الجديدة والعوينات، مستهدفًا استصلاح وزراعة نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027.
ومع اتساع دوره الزراعي، انتقل “مستقبل مصر” تدريجيًا إلى ملفات أكثر حساسية داخل منظومة الغذاء. فبعد نقل صلاحية استيراد القمح المخصص للخبز المدعم إليه، بات يدير استيراد وتوريد نحو 5 ملايين طن من القمح سنويًا لصالح الدولة، إلى جانب ما يقرب من 780 ألف طن من زيوت الطعام، ليتجاوز دوره حدود الإنتاج الزراعي إلى إدارة السلع الاستراتيجية ذات الصلة المباشرة بالأمن الغذائي.
كما توسع الجهاز في حلقات التوزيع والتسويق عبر شبكة منافذ بيع تضم أكثر من 1300 منفذ تحت علامات تجارية مختلفة، قبل أن يمتد حضوره مؤخرًا إلى مشروع “كاري أون” الذي يستهدف إعادة هيكلة واحدة من أكبر شبكات توزيع السلع التموينية في مصر.

فروق بمليارات الجنيهات

هذا التوسع المتسارع أثار تساؤلات متزايدة داخل الأوساط البرلمانية والاقتصادية بشأن حدود الاختصاصات بين الجهاز والهيئات المدنية التقليدية، خاصة مع انتقال ملفات متنوعة إليه خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي هذا السياق، تقدم النائب أحمد فرغلي بطلب إحاطة إلى مجلس النواب بشأن تكلفة استيراد القمح وزيوت الطعام عبر الجهاز، متسائلًا عن الفارق بين أسعار التعاقد والأسعار المرجعية في الأسواق العالمية.
ووفقًا لما ورد في طلب الإحاطة، فإن فروق الأسعار المقدرة في القمح والزيوت تصل إلى مليارات الجنيهات سنويًا، وهو ما أعاد الجدل حول آليات التعاقد والتسعير ومدى خضوع هذه العمليات للرقابة والمراجعة.
كما أثارت طريقة إدارة ملف استيراد القمح نقاشًا أوسع بعد انتقاله من الهيئة العامة للسلع التموينية إلى جهاز مستقبل مصر، خاصة في ظل تقارير تحدثت عن التحول من نظام المناقصات التقليدية إلى ترتيبات أكثر مركزية في عمليات الشراء والتفاوض مع الموردين.
ولا تقتصر الانتقادات على ملف الاستيراد فقط، إذ يرى عدد من الباحثين والمتخصصين في سياسات الأسواق أن جمع أدوار الإنتاج والاستيراد والتخزين والتوزيع داخل جهة واحدة قد ينعكس على مستويات المنافسة داخل السوق، ويقلص من أدوار المؤسسات المدنية التي كانت تتقاسم هذه الملفات سابقًا.
في المقابل، تدافع الحكومة عن هذا التوجه باعتباره جزءًا من خطة تستهدف تحقيق التكامل بين حلقات الإنتاج والتوزيع، وتقليل الوسطاء، ورفع كفاءة إدارة السلع الاستراتيجية، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وخفض التكاليف.
لكن مع استمرار انتقال ملفات جديدة إلى الجهاز، من الزراعة واستيراد القمح إلى التموين والتعليم الفني، يتجاوز الجدل حدود مشروع بعينه إلى تساؤل أوسع حول شكل إدارة الاقتصاد المصري في المستقبل، وحدود التوازن بين الكفاءة الاقتصادية من جهة، والمنافسة والرقابة المؤسسية من جهة أخرى.

أضف تعليقك
شارك