ضرائب الموازنة الجديدة.. الحكومة تسد العجز من “جيوب” الشعب

انفجرت موجة جدل واسعة في الشارع إثر الكشف عن زيادات ضخمة مستهدفة في الحصيلة الضريبية بالموازنة الجديدة؛ حيث توقعت الحكومة قفزة بنسبة 51% في ضرائب المرتبات، و46% في الدمغة، و42% في رسوم الرخص والسيارات.

هذه الأرقام غير المسبوقة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه: هل تتجه الحكومة لسد عجز الموازنة من جيوب المواطنين بدلاً من إيجاد حلول اقتصادية حقيقية؟

موازنة مأزومة

تبرر الحكومة هذه القفزات في الحصيلة الضريبية بتوسيع القاعدة الضريبية وميكنة المنظومة، حيث أكد وزير المالية أحمد كجوك، أن الموازنة “تنحاز للمواطن والمستثمر وتستهدف خلق مساحة للإنفاق على الحماية الاجتماعية”.

وأوضح الوزير أن الحكومة تستهدف زيادة الإيرادات العامة بنسبة 27.6% لتصل إلى 4 تريليونات جنيه، مع تخصيص 832.3 مليار جنيه لبرامج الدعم والرعاية.

ورغم التطمينات الحكومية، أشار محللون ماليون إلى أن النظرة الفاحصة للبيان التحليلي تكشف مآل هذه الحصيلة الضريبية؛ موضحين أن قفزة مخصصات “خدمة الدين” إلى 5.2 تريليون جنيه، بنسبة نمو 19.2% عن العام المالي الحالي، تؤكد أن الجانب الأكبر من جيوب المواطنين سيُبتلع في سداد أقساط وفوائد القروض، مما يُفرغ وعود الإنفاق على الخدمات من مضمونها.

“سياسات منفرة”

التوجه الحكومي نحو فرض مزيد من الرسوم لم يثير غضب المواطن البسيط فحسب، بل امتد ليستفز مجتمع الأعمال.

فقد انتقد الملياردير نجيب ساويرس توقعات الحكومة بجمع 2.6 مليار جنيه من “رسوم تنمية” على مغادرة البلاد، واصفاً إياها عبر حسابه على منصة “إكس” بأنها “تفكير عقيم ومضر يكرس لسياسات منفرة للاستثمار”.

وربط ساويرس بين هذا القرار وبين “سخافة جمرك الموبايلات”، في إشارة إلى الرسوم الأخيرة التي أشعلت غضباً واسعاً.

وعلى الصعيد الشعبي، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات؛ حيث علق مدون باسم “محمد إيهاب” محذراً: “أليس فرض الضرائب الباهظة هو ما يعقبه سقوط الدول؟”.

فيما سخر حساب آخر باسم “بوجا الشاعر” من التناقض الحكومي قائلاً: “مهما ضحكوا على الناس بمؤشرات تحسن الاقتصاد والكلام الإنشائي، تأتي الموازنة كل سنة لتفضحهم بزيادة الضرائب وإلغاء الدعم.. هل تتخيلون مدى الإفلاس؟!”.

حلول غائبة

وفي محاولة لتقديم بدائل اقتصادية، اعتبرت خبيرة التخطيط الاستراتيجي سالي صلاح، أن الفجوة الحقيقية في الموازنة لا تُعالج برفع الضرائب على الملتزمين بدفعها سلفاً، بل بالوصول إلى المتهربين ودمج الاقتصاد الموازي.

وطالبت بخطوة أكثر جرأة تتمثل في إخضاع أرباح الهيئات التجارية الحكومية الكبرى – مثل الموانئ، قناة السويس، والبنوك الحكومية – لضريبة دخل قياسية لتخفيف العبء عن كاهل المواطن العادي.

“جرس إنذار” برلماني

وما زاد من حالة القلق والتشكيك تجاه وعود الموازنة الجديدة، هو تزامنها مع العاصفة التي شهدها البرلمان أثناء مناقشة “الحساب الختامي” للموازنة السابقة (2024-2025)، والذي كشف عن انحرافات مالية جسيمة تنذر بتكرار الأخطاء ذاتها.

فقد شن النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، هجوماً لاذعاً على السياسات المالية، رافضاً الحساب الختامي ومستنداً إلى تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات التي رصدت “انتهاكات جسيمة”.

وقال داود غاضباً: “نحن نقترض قروضاً يسددها الشعب وندفع عليها عمولة ارتباط لنعمل لحساب بنوك أوروبا.. ويتم سدادها من دم الشعب بزيادة الأسعار وفرض الجباية”.

بدورها، كشفت إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، عن رقم وصفته بـ “المفزع”، حيث بلغ الدين الداخلي نحو 11 تريليون جنيه، مؤكدة أن الحساب الختامي يعكس موازنة غير منضبطة شهدت زيادة غير مسبوقة في الاعتمادات.

إشادة وتشكيك في أرقام الديون

وفي سياق متصل، استنكر الإعلامي والنائب مصطفى بكري القفزة المرعبة في فوائد الدين العام التي قاربت 3 تريليونات جنيه (بزيادة 360 مليار جنيه في عام واحد).

ورغم إشادته بجهود الحكومة في تحقيق فائض أولي وزيادة إيرادات الضريبة العامة بنسبة 35.8%، إلا أنه وجه ضربة قوية لمصداقية أرقام الموازنة الجديدة؛ كاشفاً عن تضارب واضح في التقرير الرسمي.

ووجّه بكري تساؤلاً لوزير المالية حول ما ورد في الصفحة 92 من تقرير الموازنة بأن حجم الدين العام الحكومي يبلغ 82.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ذُكر في الصفحة 226 من التقرير ذاته أن النسبة تبلغ 85.7%، مطالباً الوزير بالتوضيح.

ورغم هذه الانحرافات والاعتراضات الحادة، مرر مجلس النواب الحساب الختامي مع إرفاق توصيات شكلية للحكومة.

وبين أرقام ديون مقلقة وانتقادات حادة من كل فئات المجتمع، تقف الموازنة الجديدة أمام اختبار حاسم: هل تنجح الحكومة في تحقيق توازن اقتصادي حقيقي، أم ستظل الضرائب والجباية هي المخرج الأسهل الذي يدفع ثمنه المواطن وحده؟

أضف تعليقك
شارك