في الوقت الذي تطبق فيه الحكومة واحدة من أوسع خطط التقشف وترشيد الإنفاق، عبر تأجيل مشروعات طرق ومحاور، وخفض الإنفاق الخدمي، ورفع أسعار الوقود والمواصلات، احتفلت بإطلاق مشروع عقاري ضخم بتكلفة تصل إلى 1.4 تريليون جنيه، لصالح رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، أكبر بنك حكومي في البلاد.
المفارقة لا تتعلق فقط بضخامة الرقم، بل بطبيعة ما يكشفه؛ ففي اللحظة التي يُطلب فيها من المواطنين “تحمل أعباء الإصلاح”، تبدو الدولة وكأنها تعيد توجيه الموارد العامة والسيولة المصرفية نحو تحالف محدد من كبار المطورين العقاريين، بينما يجري إبطاء أو إلغاء مشروعات خدمية وإنتاجية تمس قطاعات أوسع من المجتمع.
القضية هنا لا تتعلق بمشروع عقاري جديد فقط، بل بنمط اقتصادي كامل يعيد ترتيب أولويات الدولة: من يحصل على التمويل؟ ومن تُؤجل احتياجاته؟ ولماذا أصبح العقار أولوية تتقدم على الصناعة والإسكان الشعبي والخدمات الأساسية؟.
هذا ليس مشروعًا عقارياً فقط، بل نموذج حكم اقتصادي؛ حيث تتحول الدولة تدريجياً من ممول للخدمات العامة إلى شريك مباشر في توسيع رأس المال العقاري، ومن اقتصاد يراهن على الإنتاج إلى اقتصاد يراهن على الأرض والأبراج.
تفاصيل مشروع “ذا سباين”
تتجسد هذه الأسئلة بوضوح مع إطلاق مشروع “ذا سباين”، الذي أعلن عنه هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ”مجموعة طلعت مصطفى”، في 18 أبريل 2026، باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، أي نحو 27 مليار دولار.
يقع المشروع على مساحة 2.4 مليون متر مربع شرق القاهرة، بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، وبرأس مال مدفوع يبلغ 69 مليار جنيه، مع وعود بتوفير أكثر من 55 ألف فرصة عمل مباشرة و100 ألف فرصة عمل غير مباشرة.
ويضم المشروع، الذي أُعلن عنه بحضور رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، 165 برجاً سكنيًا وإداريًا وفندقيًا، وتصفه المجموعة بأنه “مركز مالي وتجاري عالمي” و”مدينة معرفية ذكية” تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وقال مدبولي خلال المؤتمر الصحفي إن المشروع يمثل “نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة”، متوقعًا أن يحقق عوائد ضريبية تصل إلى 800 مليار جنيه.
لكن بيانات مجموعة طلعت مصطفى خلال الفترة من 2020 حتى 2025 تظهر أنها سددت ما يقارب 14 مليار جنيه فقط كضرائب، ارتفعت من 958 مليون جنيه في 2020 إلى 5.46 مليار جنيه في 2025، وهو أعلى مستوى خلال هذه الفترة.
ولا يبدو المشروع استثناءً منفصلاً، فالمجموعة تمتلك محفظة أراضٍ تتجاوز 84 مليون متر مربع، تضم مشروعات كبرى مثل مدينتي، ومدينة نور، وسيليا، وساوث ميد، والربوة.
ما يعني أن “ذا سباين” ليس مشروعاً جديداً بقدر ما هو امتداد لنموذج عمراني قائم على التوسع المستمر في الاستثمار العقاري، وتحويل الأرض نفسها إلى مركز الثروة والنفوذ.
خطة تقشف الحكومة
بينما كانت الحكومة تحتفي بالمشروع، بدأت منذ مارس 2026 تطبيق خطة تقشف واسعة أعلنها وزير المالية الدكتور أحمد كجوك.
تضمنت الخطة خفض استهلاك المواد البترولية والغاز الطبيعي بنسبة لا تقل عن 30% من مخصصات المركبات الحكومية خلال الربع الأخير من العام المالي، وخفض استهلاك الكهرباء بالمباني الحكومية بنسبة 15 % .
كما شملت إرجاء أو إبطاء تنفيذ بعض المشروعات كثيفة استهلاك الوقود، وتأجيل عدد من الطرق والمحاور الحيوية، إلى جانب قرار مجلس الوزراء رقم 932 لسنة 2026 الخاص بترشيد الإنفاق العام، والذي نص على حظر الصرف على مكافآت التدريب، وتقليص النفقات الإدارية، ومنع إقامة المؤتمرات والفعاليات، وعدم البدء في مشروعات جديدة إلا في حالات الضرورة القصوى.
وامتدت إجراءات التقشف مباشرة إلى المواطنين، حيث رفعت الحكومة في 10 مارس 2026 أسعار المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات بنسبة تراوحت بين
14 % إلى 30 % .
وتبع ذلك رفع أسعار تذاكر المترو والقطارات وأتوبيسات النقل العام، إلى جانب تعديل مواعيد غلق المحال التجارية والمولات ضمن خطة ترشيد الطاقة.
وفي الوقت نفسه، أعلن الفريق كامل الوزير تأجيل تنفيذ 20 طريقًا ومحورًا مروريًا في محافظات عدة، بينها سوهاج وبني سويف وأسيوط والأقصر والقليوبية.
هنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحاً وهو إذا كانت الدولة تعاني نقصاً في الموارد إلى درجة تأجيل الطرق والخدمات العامة، فكيف تتوفر السيولة نفسها لمشروع عقاري فاخر بتكلفة 27 مليار دولار؟
حصة البنك الأهلي في المشروع
الإجابة تبدأ من طبيعة التمويل نفسه، فقد أعلن نائب رئيس البنك الأهلي المصري يحيى أبو الفتوح أن البنك يساهم بنسبة 24.5% في المشروع، بما يعادل نحو 343 مليار جنيه، موضحًا أن البنك يشارك فيه باعتباره “شريكًا استراتيجيًا”، وليس مجرد ممول أو مقرض.
هذا الرقم لا يبدو ضخماً فقط، بل يفتح نقاشاً أوسع، فالبنك الأهلي ليس مؤسسة استثمارية خاصة بل أكبر بنك حكومي تُودع فيه مدخرات ملايين المواطنين.
لكن المقارنة بين ما يوجهه البنك إلى مشروع عقاري فاخر، وما يوجهه إلى قطاعات إنتاجية أو اجتماعية، تكشف اختلالاً واضحاً في أولويات التمويل.
فوفق أحدث بيانات صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، بلغ إجمالي التمويل العقاري المقدم لمحدودي ومتوسطي الدخل عبر أكبر 10 بنوك نحو 84.5 مليار جنيه، منها نحو 22 مليار جنيه فقط من البنك الأهلي المصري، استفاد منها نحو 164 ألف عميل.
بمعنى آخر، فإن مساهمة البنك الأهلي وحده في مشروع “ذا سباين” تعادل أكثر من 15 ضعف ما قدمه للإسكان الموجه لمحدودي ومتوسطي الدخل، كما تتجاوز إجمالي التمويل العقاري المخصص لهذه الفئات بالكامل.
هنا لا تصبح المقارنة مالية فقط، بل سياسية أيضاً، لأنها تكشف أي القطاعات تعتبرها الدولة “أولوية استراتيجية”: هل هي الإسكان الشعبي والمشروعات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل واسعة وتزيد الصادرات، أم المدن الفاخرة والأبراج والاستثمار العقاري؟
المسألة لم تعد تفضيل قطاع على آخر، بل إعادة تعريف التنمية نفسها، من اقتصاد ينتج إلى اقتصاد يبيع الأرض، ولو جرى توجيه جزء من هذه المليارات نفسها إلى الصناعة أو الإسكان الشعبي أو البنية التحتية، لكان السؤال مختلفًا تمامًا: كم مستشفى كان يمكن بناؤه؟ كم مدرسة؟ كم وحدة إسكان اجتماعي؟ وكم مشروع صرف صحي كان يمكن أن يصل إلى قرى ما تزال تنتظر الخدمات الأساسية؟
هنا تظهر تكلفة الفرصة البديلة، لا باعتبارها رقمًا اقتصاديًا فقط، بل باعتبارها قرارًا سياسيًا يحدد من يستحق الاستثمار ومن يُطلب منه الانتظار.
رعاية سياسية وتحالف اقتصادي
في قلب هذا النموذج يظهر هشام طلعت مصطفى بوصفه أكثر من مجرد رجل أعمال ناجح، فالرجل الذي سبق أن أُدين في واحدة من أشهر القضايا الجنائية في مصر، وهي قضية مقتل الفنانة سوزان تميم، ثم أُفرج عنه بعفو رئاسي، عاد اليوم ليقف إلى جوار رئيس الوزراء معلنًا واحدًا من أكبر المشروعات العقارية في تاريخ البلاد، بتمويل مصرفي حكومي ضخم ورعاية سياسية مباشرة.
هذه العودة لا تحمل فقط دلالة اقتصادية، بل تعكس طبيعة العلاقة الجديدة بين السلطة ورجال الأعمال الكبار، حيث يصبح القرب من الدولة والقدرة على الاندماج في أولوياتها الاقتصادية أحد أهم مصادر النفوذ والصعود.
وهنا تصبح المسألة أقرب إلى تحالف اقتصادي بين الدولة ورأس المال العقاري، وليس مجرد تشجيع عام للاستثمار، خصوصًا إذا ما قورنت بأوضاع قطاعات أخرى داخل الاقتصاد، حيث يشكو المصنعون من صعوبة فتح الاعتمادات، وتوفير العملة الأجنبية، وارتفاع تكاليف التشغيل.
حوافز للمطورين ورفع أسعار الإسكان الاجتماعي
في مايو 2025، استجابت وزارة الإسكان لمطالب غرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، وأعلنت عن حزمة تيسيرات واسعة لدعم المطورين العقاريين.
شملت الحوافز تجديد خفض الفائدة على أقساط الأراضي بنسبة 15%، والسماح بتحويل الوحدات السكنية والإدارية والتجارية إلى وحدات فندقية دون رسوم، إلى جانب منح فترات سماح إضافية، وزيادة المسطحات البنائية بنسبة 10%، وتمديد رخص التشغيل إلى خمس سنوات بدلًا من سنة واحدة.
وقدمت شركة العاصمة الإدارية الجديدة حوافز إضافية للمطورين المتعثرين، تضمنت مد فترات التنفيذ، وزيادة مهلة سداد أقساط الأراضي، وإعفاءات من غرامات التأخير وصلت إلى 50 % .
في المقابل، كان المشهد مختلفًا تمامًا بالنسبة لمحدودي الدخل، فقد شهدت
أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي ارتفاعات متتالية منذ 2022، لترتفع من 310 آلاف جنيه إلى ما بين 850 و900 ألف جنيه في أحدث الطروحات، بخلاف وديعة الصيانة ونسب الفائدة.
ورفع مجلس الوزراء في أكتوبر 2025 أسعار العائد على التمويلات العقارية لمحدودي ومتوسطي الدخل من 3 و8% إلى 8 و 12 % .
النتيجة كانت واضحة وهي تراجع الإقبال على أحدث طرح لـ113 ألف وحدة سكنية، بعدما انخفض عدد المتقدمين بشكل لافت مقارنة بالإعلانات السابقة.
هنا تتضح الصورة كاملة: المطور يحصل على خفض الفائدة، ومدد سماح، وإعفاءات، وزيادة في المساحات، بينما المواطن يحصل على رفع الأسعار، وزيادة الفائدة، وتراجع فرص التملك.
هذه ليست مجرد مفارقة اقتصادية، بل تعريف عملي لمن تعتبره الدولة “أولوية”.
لمن تُبنى هذه المدن؟
على مواقع التواصل الاجتماعي تصاعدت الانتقادات للمشروع بشكل لافت، فقد سخر الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب محمد فؤاد من تصريحات رئيس الوزراء التي قال فيها إن الحكومة لا تركز على القطاع العقاري، مشيراً إلى تراجع الناتج الصناعي خلال السنوات الأخيرة.
واعتبر الدكتور زهدي الشامي، أن التوسع في مدن جديدة بتكلفة 27 مليار دولار، في ظل الديون الخارجية وعجز السداد، يمثل استمراراً لنهج اقتصادي خاطئ قائم على الاعتماد المستمر على الاقتراض.
أما الكاتب تامر شيرين فطرح سؤال “تكلفة الفرصة البديلة”: هل كان من الأجدى توجيه هذه المليارات إلى مدينة صناعية متخصصة أو صناعة استراتيجية، بدلًا من ضخها في مشروع عقاري جديد؟
وتساءل مواطنون عن سبب توفير هذا الحجم من التمويل لمشروع فاخر، بينما يعجز الشباب عن شراء شقة للزواج، أو تنتظر آلاف المشروعات الإنتاجية والزراعية دورها في التمويل.
ويرى أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في “بولد روتس – مصر”، أن هذه المدن تستهدف أساسًا الشرائح العليا والمستثمرين والأجانب، وهو ما يفسر طبيعة مشروع “ذا سباين”.
بينما اعتبر الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن العقار لا يزال يمثل الملاذ الآمن للمصريين، وأن الطلب على هذا النوع من المشروعات قائم من الداخل والخارج.
المسألة لم تعد مجرد أبراج جديدة، بل اقتصاد كامل يُعاد تصميمه بحيث يحصل كبار المطورين على التمويل والتيسيرات، بينما ينتظر المواطن طريقاً مؤجلاً، وشقةً لم يعد قادراً على ثمنها، وخدمةً أصبحت رفاهية.