مهنة النحالين مهددة بالانكماش غير المسبوق، بعدما تداخلت عدة عوامل قاسية، على رأسها الارتفاع الحاد في أسعار السكر، وتراجع فرص التصدير، وانخفاض أسعار عسل النحل في الأسواق المحلية، فضلًا عن انتشار العسل المغشوش.
موسم كارثي..هكذا يصف مربي النحل أمين عرفات، ويؤكد أن تعب حفاظ النحالين على خلاياهم خلال الشتاء، تحول إلى كابوس مع اول فرصة لتعويض الخسائر.
يضيف عرفات أنه من أكبر المشكلات التي يواجهها النحالون عمومًا، خاصة في الفترة التي تلي انتهاء موسم توهير الموالح، حالة التخبط الحالية بسبب استخدام المزارع للمبيدات الزراعية على نطاق واسع. وأوضح أن النحال يقضي عامًا كاملًا من العمل الشاق، وينتظر موسم الموالح لتعويض خسائره وتحقيق بعض الاستقرار، لكن قد تنهار كل هذه الجهود في لحظة بسبب رش المبيدات.
وأشار إلى غياب التنسيق بين المزارعين ومربي النحل في ظل غياب تام لوزارة الزراعة، مؤكدًا ضرورة تحديد أوقات واضحة يُمنع فيها الرش، أو على الأقل تنظيمه في مواعيد محددة يكون النحال على علم بها مسبقًا. وأضاف أن كثيرًا من النحالين يفاجَؤون بنفوق خلايا النحل بالكامل نتيجة الرش العشوائي.
وأضاف أن المشكلة الثانية تتمثل في ارتفاع أسعار السكر، مطالبًا بوجود نوع من الدعم أو توفير سكر مدعوم للنحالين، من خلال تنسيق بين وزارة الزراعة ووزارة التموين، بما يخفف الأعباء عنهم ويساعدهم على الاستمرار.
أما المربي محمود النمر فيقول، عندما ارتفعت خلال الفترة الماضية ووصلت إلى 45 و50 جنيهًا، تسببت في أزمة حقيقية داخل قطاع تربية النحل. وأوضح أن كثيرًا من النحالين اضطروا إلى تصفية جزء كبير من خلاياهم؛ فمَن كان يمتلك ألف خلية أصبح لديه نحو 500 فقط، ومن كان لديه 500 خلية تراجع إلى 200، بينما لم يتمكن النحال الصغير، الذي كان يملك نحو 100 خلية، من الصمود أمام موجة الغلاء.
وأضاف أن هذه الظروف دفعت عددًا كبيرًا من النحالين إلى ترك المهنة بالكامل، بعد أن كانت مصدر رزقهم الأساسي، إذ اضطر بعضهم للعودة إلى العمل كعمّال بعد أن كانوا يعتمدون على تربية النحل في إعالة أسرهم. وتابع أن المهنة كانت في السابق نشطة على مدار اليوم، وكان العمل فيها مستمرًا ويحقق عائدًا معقولًا، لكن الأوضاع تغيّرت بشكل كبير، حتى إن تصدير النحل لم يعد بالقوة نفسها كما كان في السابق.
وأشار إلى أزمة أخرى تتعلق بغياب علاج واضح ومخصص لأمراض النحل، موضحًا أن أغلب ما يُستخدم حاليًا هو اجتهادات فردية من النحالين، سواء عبر استخدام مضادات حيوية بشرية أو أدوية بيطرية، فيما يلجأ آخرون إلى ما يُعرف بالعلاج البديل مثل الزيوت أو الثوم أو تدخين الخلايا، مؤكدًا أن كل هذه محاولات فردية، وأن النحال يظل في النهاية يعتمد على خبرته الشخصية، لا التجربة المعملية، مطالبا بإنشاء مراكز بحثية متخصصة في النحل وأمراضه.
ويوضح محمد السواحلي أن النحل يعتمد بشكل أساسي على التغذية السكرية في حال غياب الرحيق من الحقول، ما يجعل السكر عنصرًا حيويًا لا غنى عنه. وأضاف أن تكلفته باتت تمثل عبئًا كبيرًا، إذ تسببت هذه الأزمة في خروج نحو 50% من النحالين من المهنة.
وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على السكر فقط، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، حيث زادت تكلفة صناديق النحل نتيجة ارتفاع أسعار الأخشاب وأجور ورش النجارة، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الخام بشكل عام، وكذلك الأدوية والعلاجات، ما ضاعف الأعباء على النحالين.
وشدد على ضرورة تدخل الدولة لدعم النحالين، خاصة فيما يتعلق بتوفير السكر بأسعار مناسبة، لافتًا في الوقت نفسه إلى خطورة انتشار العسل المُصنّع في الأسواق، معتبرًا أنه يمثل تهديدًا أكبر من ارتفاع أسعار السكر، لأنه يؤثر بشكل مباشر على تسويق العسل الطبيعي. وأوضح أنه في حال غياب العسل المغشوش، سيحظى العسل الطبيعي بقيمة عادلة تضمن حقوق المنتج والمستهلك على حد سواء.
وفيما يخص المصدرين، أكد أن مشكلاتهم أكثر تعقيدًا، إذ يتحملون أعباء مالية كبيرة، بداية من سداد مستحقات النحالين وموردي المواد الخام، وصولًا إلى تكاليف الشحن والتصدير، دون الحصول على مستحقاتهم إلا بعد وصول شحنات النحل بشكل سليم. وأضاف أن تأخير الرحلات الجوية أو حدوث مشكلات في النقل يؤدي إلى فقدان نحو 50% من قوة النحل، وقد يصل الأمر إلى نفوق أعداد كبيرة أثناء الرحلة، ما يعرّض المصدرين لخسائر فادحة