على رصيف مستشفى العباسية، افترش “هاني” (53 عاماً) الأرض، غارقاً في دوامة “الفصام” التي تدفعه للصراخ فجأة متوهماً أنه مسؤول نافذ: “أنا وزير كبير لازم الكل يسمع كلامي!”، غير مكترث بنظرات المارة ولا بمحاولات شقيقه الأصغر “أمير” (42 عاماً) لتهدئته.
ولم تكن معاناة الشقيقين مقتصرة على قسوة المرض أو طابور الانتظار المرهق الممتد منذ السابعة صباحاً لفتح ملف طبي، بل كانت أبواب المستشفى الحكومي تخبئ لهم صدمة مالية غير متوقعة.
فبمجرد إقرار الطبيب بضرورة حجز المريض، اصطدم “أمير” بقرار جديد رفع تكلفة الإقامة لشهر واحد إلى 4500 جنيه بدلاً من 1500 جنيه، ليضرب كفاً بكف قائلاً بقلة حيلة: “أجيب منين؟ ده مرتب شهر ونص والله”.
هذه المأساة لم تعد استثناءً، بل باتت واقعاً مريراً يصفع آلاف الأسر يومياً أمام مستشفيات الصحة النفسية الحكومية في مصر، بعد أن تحولت قرارات زيادة الأسعار إلى جدار عازل بين المريض البسيط وحقه في التعافي.
قرارات حكومية ترفع الأسعار
تعود هذه الزيادات إلى القرار رقم 220 لسنة 2025، الصادر في 14 يوليو 2025 عن وزير الصحة والسكان، والذي تضمن لائحة مالية وإدارية لصندوق تحسين الخدمة، مرفقة بقوائم أسعار جديدة للخدمات العلاجية النفسية.
وكانت خدمات الكشف وصرف العلاج داخل المستشفيات الحكومية لا تتجاوز جنيهًا واحدًا سابقًا، مع تخصيص 60% من أسرة الحجز للعلاج المجاني، وفق ما ورد في السياق السابق للمنظومة.
وبموجب القرار الجديد، ارتفعت تكلفة الإقامة بالجناح إلى 550 جنيهًا يوميًا، مع السماح بوجود مرافق عند الضرورة، وتحصيل 70 جنيهًا يوميًا في حالة استخدام مرتبة هوائية، إضافة إلى تخصيص تمريض لمدة 24 ساعة مقابل 650 جنيهًا يوميًا.
وشملت الزيادات تكلفة الإقامة اليومية التي تبدأ من 150 جنيهًا للدرجة الثالثة، و180 جنيهًا للدرجة الثانية، و300 جنيه للأولى، و380 جنيهًا للأولى الممتازة.
وامتدت الزيادات إلى الخدمات العلاجية، حيث ارتفع سعر كشف التخاطب إلى 50 جنيهًا، وجلسة الاستشارة إلى 40 جنيهًا، واختبار الذكاء إلى 150 جنيهًا، وإصدار التقارير الطبية إلى 100 جنيه، وجلسات العلاج النفسي إلى 45 جنيهًا، والاستشارات عبر المنصة إلى 50 جنيهًا.
ورغم النص على إعفاء غير القادرين وفق قرار 2012 من رسوم الدخول، فإن تعديلًا لاحقًا ألزم بسداد 100 جنيه عن كل حالة دون استثناء لصالح المجلس القومي للصحة النفسية.
وينص قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 على موارد متعددة للصندوق، من بينها رسوم القيد ودمغات الشهادات الطبية، التي كانت تبلغ 30 جنيهًا، قبل أن يرفعها القرار الجديد إلى 100 جنيه بنسبة زيادة تقارب 330 %.
وبحسب هذه اللائحة، تراوح متوسط تكلفة الحجز الشهري في مستشفى العباسية بين 4500 و11500 جنيه، مع ارتفاع أسعار جلسات العلاج الكهربائي إلى 400 جنيه للجلسة.
قصص مرضى بين الانقطاع والخطر
في سياق متصل، يروي نجار بسيط معاناته مع ابنه المصاب بالذهان، والذي كان يعاني من أفكار اضطهاد داخل المنزل، وصلت إلى حد شعور غير واقعي بأن والده يحاول إيذاءه، بحسب ما أوضح الطبيب أحمد حسين، منسق مبادرة “مصيرنا واحد” المعنية بالصحة النفسية في مصر.
ويضيف الطبيب أن الأب اضطر إلى إخراج ابنه من مستشفى حكومي، بسبب عدم قدرته على تحمل تكاليف الإقامة الجديدة التي تجاوزت خمسة آلاف جنيه، بعد قرار وزارة الصحة برفع الأسعار.
ويحذر من أن انقطاع العلاج في هذه الحالات قد يؤدي إلى انتكاسات خطيرة، تتحول إلى خطر على المريض ومن حوله، مؤكدًا أن هذه الحالة تمثل نموذجًا متكررًا لعدد كبير من المرضى.
وفي حالة أخرى، تروي سيدة معاناتها مع شقيقها الأربعيني المصاب بالفصام، الذي يعاني من أفكار انتحارية متكررة، وكان يتلقى العلاج داخل مستشفى العباسية، قبل أن تُفاجأ الأسرة بارتفاع تكلفة الإقامة إلى 5400 جنيه، بعدما كانت أقل من ألف جنيه، ما جعلها عاجزة عن الاستمرار في العلاج، وفق ما نقله المحامي مالك عدلي.
جهود رسمية تصطدم بواقع مأزوم
في المقابل، سعت الدولة لاحتواء أزمات الصحة النفسية، حيث أطلقت في نوفمبر 2024 مبادرة “صحتك سعادة”، والتي استفاد منها أكثر من 2.4 مليون شخص بحسب البيانات الرسمية.
كما أكدت وزارة الصحة في بيان بتاريخ 12 أبريل استمرار تقديم خدماتها عبر 24 منشأة متخصصة تشمل الاكتشاف المبكر وعيادات “واحة”، فضلاً عن توفير الدعم النفسي عبر الخط الساخن (16328)، الذي تلقى خلال الربع الأول من 2026 نحو 8808 مكالمات، نتج عنها 3874 استشارة، بينها 252 حالة طارئة.
وعلى الرغم من إطلاق الدولة لهذه المبادرات والخدمات المعلنة، إلا أن الأزمة لا تزال قائمة وتلقي بظلالها الثقيلة على المرضى؛ إذ تصطدم هذه الجهود والأرقام الرسمية بحائط سد بمجرد حاجة المريض المُلحة للحجز السريري.
صوت المواطنين
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر مواطنون عن آرائهم بشأن الأزمة النفسية وتكاليف العلاج.
وقالت آية ياسر إن الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي يمثل أساس الصحة النفسية، محذرة من أن غياب مقومات الحياة يؤدي إلى القلق والاكتئاب.
وأكدت نورا نور أن الضغوط المادية تُعد من أبرز أسباب المشكلات النفسية والأسرية، فيما طالب عادل عبدالفتاح بوضع سياسات واضحة لمواجهة الأذى النفسي في بيئة العمل وتوفير قنوات آمنة للشكاوى.
واقترحت هنا محمد الاستفادة من الوحدات الصحية المنتشرة لتقديم خدمات نفسية قريبة من المواطنين، معتبرة أن الاهتمام بالصحة النفسية جزء أساسي من بناء مجتمع قوي.
تحركات قانونية ومواقف رسمية
في 28 أغسطس، أعلن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رفع دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة، للمطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء قرار رفع الأسعار، نيابة عن المرضى وأسرهم المتضررة.
ومن جانبه، انتقد الدكتور أسامة عبدالحي، نقيب الأطباء، زيادات الأسعار، معتبرًا أنها لا تراعي أوضاع المواطنين، كما رفض ما وصفه بالمغالاة في أسعار العلاج بالقطاع الخاص.
كما أكدت النائبة السابقة شادية أن العلاج النفسي ضرورة طبية كبرى نظرًا لارتباطه بأمراض عضوية خطيرة، مشددة على ضرورة مراعاة محدودي الدخل.
وتقدم النائب فريدي البياضي بسؤال موجه إلى وزير الصحة، منتقدًا توقيت القرار ومحذرًا من تداعياته الاجتماعية، قائلاً إن ترك المرضى دون علاج قد يؤدي إلى التشرد ويشكل خطرًا عامًا، مستشهدًا بحادثة الخانكة عام 1997
بين قرارات رسمية رفعت تكلفة العلاج، وأسر عاجزة عن الدفع، وشهادات طبية وحقوقية تحذر من التبعات، تتسع الفجوة بين الخدمة المعلنة والواقع الفعلي داخل مستشفيات الصحة النفسية.