لم يكن ضعف الإقبال على التصالح في مخالفات البناء مجرد صدفة، بل نتيجة طبيعية لبيروقراطية متجذرة وتعقيد إجراءات أنهك المواطن، فالقانون الذي استغرق سنوات من الإعداد والتعديل، لم ينجح في جذب سوى أقل من نصف الطلبات المستهدفة.
وانتقد محمد علي عبر على “فيسبوك” إجراءات التصالح، وكتب: “من المفترض أن يدفع المتصالح ثمن الرخصة فقط، وليس حساب المالك على ملكه بالمتر”.
تعقيدات حكومية
وجرّاء تعقيد الإجراءات وتشعبها، تسائل إسماعيل خاطر: “قُدم ضدي محضر مخالفة للرسم الهندسي، وتم تغريمي في المحكمة، هل يجوز لي التصالح؟”.
بينما دعا نشأت السعيد إلى تطبيق القانون على المباني المشيدة بالمخالفة بعد صدور التشريع فقط، وإلا محاكمة جميع أعضاء الحكومات السابقة.
فيما وصف عصام حمدان القائمون على صياغة قانون التصالح بـ”غبي منه فيه”.
وانتقد اشتراط معاينة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة للمنزل “المرخص فعليا” من أجل إدخال المرافق.
وشدد على أن معاينة “الهيئة الهندسية” في الغالب ما تسفر عن مخالفات في “المناور أو البلكونات أو البروز”، مطالبا بتطبيق الغرامة فقط بدون معاينات.
واعتبر أن المعاينة لابد أن تقتصر على البناء بدون رخصة للمنازل أو البناء على الأراضي الزراعية.
حكومة تائهة بين التشجيع والتعجيز
وتبحث الحكومة تارةً مزيداً من الإجراءات “المشجعة” على التقدم للتصالح في مخالفات البناء، واللجوء حلول تعجيزية تارةً أخرى.
وعقد مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، منتصف مايو، اجتماعا لمتابعة الموقف الحالي لإجراءات التصالح على مخالفات البناء وتقنين أوضاعها.
وقال محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن الاجتماع استعرض التحديات والمشكلات التي ظهرت عند تنفيذ قانون التصالح في مخالفات البناء.
تعديلات بلا طائل
وأضاف أنه جرى طرح عدد من التعديلات القانونية التي يتم التوافق عليها بين الجهات المختلفة، والتي من شأنها أن تسهم في حل هذه المشكلات.
وبحسب مصدر بوزارة الإسكان، فقد تقدم نحو 38% فقط من المخاطبين بقانون التصالح في مخالفات البناء بطلبات لتقنين أوضاعهم.
واعترف المصدر بأن القانون بصيغته الحالية “فشل” في جذب النسبة الأكبر من المخالفين نحو منظومة التصالح.
أشار المصدر إلى أن القانون استهدف تصحيح أوضاع 5.2 مليون مخالفة، غير أنه لم يُقدَّم سوى مليوني طلب منذ بدء العمل بالقانون في 2019.
ولفت إلى أن نصف عدد من تقدموا بطلبات للتصالح توقفوا عن استكمال الإجراءات وتقديم المستندات المطلوبة نظرًا لطول مدة تنفيذها وصعوبتها، أو ارتفاع قيمة الرسوم.
تطابقت تصريحات المصدر مع ما أكدته منال عوض، وزيرة التنمية المحلية خلال اجتماع بمجلس النواب، إذ لفتت إلى إنجاز 87% من طلبات التصالح المقدمة بواقع 1.751 مليون طلب من إجمالي 2.007 مليون طلب.
حلول متأخرة
وأوضحت عوض أن هناك تعديلات مقترحة تشمل مد العمل بالقانون لمدة سنة إضافية لمنح فرصة أكبر للمواطنين.
ولفتت إلى أن الوزارة شكلت لجانًا للتواصل المستمر مع المدن والأحياء لحل كافة المشكلات المتعلقة بملف التصالح على مخالفات البناء.
وقالت إن الدولة تعمل على تذليل العقبات أمام المواطنين وتسهيل الإجراءات المنظومة، مثل إعفاء المواطنين من شرط تشطيب واجهات العقارات.
ورغم التصريحات الحكومية الرسمية عن إجراءات تشجيع التصالح في مخالفات البناء، إلى ان الواقع كشف استخدام “سياسة التعجيز”.
تسعير عدادات الكهرباء للمخالفين
ففوجئ المواطنون خلال الشهر الماضي ممن يستخدمون عدادات الكهرباء “الكودية” التي جرى إدخالها للمباني المخالفة، بمحاسبتهم على تعريفة استهلاك موحدة زادت إلى أضعاف التعريفة العادية.
وبرر المسؤولون الإجراء بأنه سبيل لإجبار المخالفون على التقدم للتصالح، رغم أن المتضررين غالبيتهم مستأجرون ممن المُلاك الذين ارتكبوا مخالفات البناء.
وتقدم النائب طارق المحمدي بطلب مناقشة عامة في البرلمان لاستيضاح سياسة الحكومة بشأن إدارة ملف العدادات الكودية للكهرباء.
وأوضح المحمدي أن وزارة الكهرباء بدأت تطبيق نظام المحاسبة الموحدة بسعر يقارب 2.74 جنيه للكيلو وات/ ساعة على فئات من عدادات الكهرباء الكودية.
وأشار إلى إلغاء العمل بنظام الشرائح بالنسبة لتلك الفئات، وهو ما أظهر عدة إشكاليات تتعلق بعدم وضوح آليات التصنيف والتفرقة بين العقارات المخالفة فعليًا.
وأكد أن التطبيق الحالي تسبب في تصاعد شكاوى المواطنين بعدد من المحافظات نتيجة ارتفاع تكلفة الاستهلاك بصورة مفاجئة، فضلًا عن شعور عدد من المواطنين بغياب العدالة.
اعتراضات تحت قبة البرلمان
وفي نهاية أبريل الماضي، تقدمت النائبة سحر عتمان بطلب إحاطة موجّه إلى الوزراء ووزيرتي التنمية المحلية والبيئة، بشأن خلل تنفيذي في منظومة تطبيق قانون التصالح في مخالفات البناء.
وأوضحت النائبة أن عددًا من المواطنين استوفوا كافة الاشتراطات وسددوا الرسوم المقررة مقابل “نموذج 8″، إلا أنهم يواجهون تعطلًا فعليًا في استكمال الإجراءات.
ولفتت إلى أن ذلك يخلق فجوة واضحة بين الإطار القانوني والتطبيق التنفيذي.
وأشارت إلى أن هذا التعطّل يُفرغ القانون من هدفه الأساسي، حيث يتحول الامتثال إلى عبء مالي دون مردود عملي، بما يضعف ثقة المواطنين في المنظومة.
وأضافت أن الواقع يكشف عن استمرار تعقيدات إجرائية وتباين في التطبيق بين الوحدات المحلية، رغم التعديلات التشريعية الأخيرة وما صاحبها من تعهدات بتيسير الإجراءات.
أعباء مالية إضافية
بينما أكد النائب محمد عبده أن قانون التصالح في بعض مخالفات البناء لا يزال يواجه عددًا من العقبات التي تعرقل تحقيق أهدافه على أرض الواقع.
وأشار إلى أن اشتراط الحصول على “نموذج 10” لاستكمال أعمال البناء تسبب في خروج نحو 97% من المواطنين من منظومة الاستفادة.
وقال إنه لم يتمكن سوى 3% فقط من استيفاء هذا الشرط، وهو ما يعكس وجود خلل واضح يستدعي التدخل التشريعي العاجل.
كما انتقد اشتراط طلاء واجهات العمارات بالكامل كشرط لتصالح فرد واحد داخل العقار، خاصة في ظل الأعباء المالية التي يتحملها المواطن.
وشدد على أن هذه الاشتراطات تعرقل إجراءات التصالح بدلًا من تسهيلها.
كما كشف أن تأخر صرف المستحقات المالية للجان المشرفة على التصالح يمثل عائقًا إضافيًا، حيث يؤثر على سرعة إنجاز الملفات.
وكانت الحكومة أعلنت عن مد فترة التقدم بطلبات التصالح لمدة عام إضافية، تبدأ اعتبارًا من 5 مايو 2026.
وأعلنت أن القرار يأتي استجابةً لمطالب المواطنين، ومنحهم فرصة أخيرة لتقنين أوضاعهم وفقًا للقانون، بما يسهم في الحد من العشوائيات وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
وبين آلة صياغة القوانين وتعديلها، لم تنجح الحكومة حتى الآن في حل أزمة التصالح على مخالفات البناء، لتتحول تلك القوانين إلى عبء إضافي بدلا من حل أزمات عمرانية عميقة.